مرت حادثة تفجير قنبلة بواسطة (انتحاري) أو مؤقتة في مرقد مرشد الثورة الإيرانية الأول الخميني بفتور، ولم تسترعِ انتباه أحد، وكأنها تخص قبر مجهول في جبل كردي، ولم تُثِر كثيراً حفيظة الشعب الإيراني، ولا الإعلام الثوري، ولا الجهات الأمنية المعنية؛ فلم نسمع شيئاً عمَّن يقف وراء الإرهابي الانتحاري الذي لم تُكشف هويته حتى الآن!

ولم تنتش أقلام الناطقين باسم الحوزة القُمِّيَّة من صحفيي إيران وآلتها الإعلامية الفارسية والإنجليزية والعربية، ولا كتَّاب التومان [1] العرب بترديد حديث (النواصب، التكفيريين، الوهابيين...) الذين تم اتهامهم فوراً بالمسؤوليةعن تفجير مرقَدَي (علي الهادي و الحسن العسكري) في سامراء قبل ثلاثة أعوام، وهي الحادثة التي حولت وجه الأحداث في العراق، واستفزت ميليشيات إيران في العراق لتخريب 100 مسجد سُنِّي خلال 24 ساعة فقط من التفجير، وفقاً لبيان للحزب الإسلامي حينها، وفُرِض تعتيم هائل على المجازر بحق العراقيين السُّنة، والتي بدأت بذبح الصحفية (أطوار بهجت) التي حصلت على معلومات تقود إلى مرتكبي التفجير الذي لم يكن في النهاية إلا شرارة مؤقتة؛ لتفجير العنف ضد السُّنة، وصافرة البداية؛ لتفريغ بغداد من السُّنة أو كسر شوكتهم فيها على الأقل.

هل هان الخميني على أتباعه لهذه الدرجة؟ (للحد الذي يستنكفون عن النياحة واللطم على مرقده) وهو الغائب الحاضر على لسانَي (نجاد وموسوي) في صراعهما المحترم على الرئاسة الإيرانية، أم أنهم مشغولون أكثر بالتركة عنه؟ وهل كان الفاعل واحداً في سامراء و طهران، وأراد هذه المرة هدفاً لم ينجح في تحقيقه فسارع إلى تبريد الملف فوراً، لكي لا يُفسح المجال للقيل والقال؟ وهل يطيب لأهل طهران تفجير مراقدهم بأيديهم، تحمَرُّ أنوفهم إذا قيل إن من فَجَّرها سُنِّيون؟!

قد يكون من الواجب الإجابة عن تلك الأسئلة بشكل مستقل، إلَّا أنه ليس هذا هو مناط المقصود، فالشاهد أن الخميني الذي أقيمت له احتفالية كبيرة في ذكرى وفاته قُبَيل الانتخابات بقليل، لم يُستفَز أحدٌ للتنديد بمحاولة تفجير مرقده أو التشويش بها على الأحداث! وغالب الظن أن تلك العملية لم تكن إلا إحدى حلقات الصراع الداخلي بين أركان الحكم في طهران و قُم، وتمَّت على أيدي تابعي إحدى الأجهزة الأمنية الإيرانية ذاتها، وقد تكون هي أيضاً مَنْ فَجَّرت مرقَدَي (الإمامين الإثني عشريين) في سامراء بعد عام واحد من تصعيد محافظ بلدية طهران ( محمود أحمدي نجاد) إلى سُدَّة الرئاسة الإيرانية (يونيو 2005م) عَبْر عملية انتخابية رئاسية تم فيها تخفيض عدد الأصوات التي حصل عليها المرشح هاشمي رفسنجاني من 17 مليوناً إلى 10 ملايين لتترجَّح كفَّة مرشح المرشد الأعلى الإيراني (علي خامنئي) محمود أحمدي نجاد، وهو في ذلك الوقت - أيضاً - مرشح المرجع الشيعي (مصباح يزدي) المصنَّف أحد رؤوس المحافظين في إيران.

كان المطلوب حينها أن يباشر الرئيس الجديد (نجاد) دوراً في الداخل والمحيط الإقليمي تحت مظلَّة من (البروباجندا) الإعلامية الرامية إلى تصدير الأزمة الداخلية للخارج، واستيراد المبررات الثورية للداخل المحتَقِن، بموازاة ذلك رفع السقف (الثوري) المُصاحب للبرنامج النووي الإيراني ومحطاته المصيرية الأخيرة.

قام نجاد بالمطلوب جيداً في العراق، وأحدث ضجيجاً مطلوباً للمشروع النووي، وحاول تجييش الشعب الإيراني من جديد خلف لافتة التحدي الثوري للقوى الغربية، لكنه لم يفلح بالتأكيد في تسويق ذلك بالداخل، كما لم ينجح في إبعاد الخصوم السياسيين للمرشد الأعلى (خامنئي).

مشكلة نجاد الحقيقية فيما تَبَدَّى أنه جاء في لحظة متأخرة كثيراً؛ لترميم بناء بدأ يتشقق من كل مكان، فأرهقه الترميم بدلاً من أن يساعده على القيام.

غير أن مشكلة خامنئي أعمق منه؛ فالرجل يحاذر من تيارين متصارعين يقف بينهما ثالث شديد البراجماتية يقوده الداهية (هاشمي رفسنجاني) الذي أزاحه المرشد في انتخابات 2005 فلم يغفرها له، ويقود الأول (مصباح يزدي) المتشدد، وهو الأب الروحي لنجاد، و (الإصلاحي) محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق وفاقه الآن شعبية زعيم المعارضة القوي (مير موسوي).

عندما سمح خامنئي لمير موسوي بالترشح للرئاسة - وقد كان بوسعه منعه ابتداءً لو كان الأمر لم يزل بيده عملياً، وهو لم يعد كذلك بعد أن فَقَد بعض أوراق دستورية مهمة لم يعد بمقدوره استخدامها وقت الحاجة - كان المرشد يدرك أنه يناوش به القوى التي تريد وراثته حياً من المحافظين، أو الحد من مكانته كلية من ( الإصلاحيين) والبراجماتيين، وكان يعلم أنه لا يمكنه أن يُخْرِج التيارين الأخيرين من الحَلَبة من دون أن يدفع فاتورة باهظة جداً قد تُكلِّفه منصبه.

لكنَّ نجاد لم يُلْجم المناوئين للمرشد، ولم يتمكن من تمرير سيناريو (التعيين الانتخابي) له دون خسائر؛ فقد فتح الإعلان عن فوز نجاد في انتخابات يونيو 2009 أبواب النار على المرشد؛ إذ لم تكن التربة الإيرانية مهيأة لاستنبات الوهم من جديد، والأسباب كثيرة في تغيُّر تلك التربة، ليس للأحسن بالضرورة، وإنما لِما يُعاكس طموحات الملتصقين بمرقد (الإمام) أيّاً كان.

والإمام الخميني قال يوماً: (أنا أزعم وبكل جراءة أن الشعب الإيراني بجماهيره المليونية في العصر الراهن أفضل من أهل الحجاز في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفضل من أهل الكوفة) [2]، لكن هذه الملايين لم تعد الآن أفضل من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - حاشا صحابة رسول الله عمَّا يقول الخميني - بل قائمين بـ (بدعة غير مشروعة) على حد قول خامنئي واصفاً مظاهرات طهران المناوئة له، وهم - في ذلك - مندفعون بأفكار مختلفة تماماً عن تلك التي استطاع الداهية الخميني تجييشهم بها قبل ثلاثين عاماً.

الأمر في الواقع مختلف، والبيئة الحاضنة للجماهير اليوم تُغَاير تلك قبل عقود ثلاثة، والتغيُّر السريع في بِنْيَة المجتمع الإيراني واشية بأن الأمر أكثر مما يفوق طاقة (المحافظين) و (الإصلاحيين) معاً.

البيئة الجديدة:

في مجتمع نصف المليون مُعمَّماً، وعاصمة نصف المليون بَغِيّاً، يصعب ألا يصطدم الباحثون بِكمٍّ هائل من التناقضات الحاكمة لمزاج هذا المجتمع الذي يزيد تعداده عن 70 مليون نسمة، والتي رَشَح بشأنها أرقام لا تلبي شهية الدارسين، لكنها تعطي انطباعاً عن هذه البيئة الحاضنة للثورة الدينية ونقيضها في آن واحد.

وفي بلد يُجرِّم ويدعو ملاليه إلى البعد عن المخدرات، يصبح تقرير المخدرات العالمي الصادر من الأمم المتحدة في عام 2005، عن مدمني الأفيون في العالم، والذي يشير إلى أنه يوجد في إيران أعلى نسبة من المدمنين في العالم برقم يقارب 3 % من تعداد السكان، يصبح مثيراً لحفيظة المبشِّرين بالثورة الإيرانية خارج حدودها.

الأخطر أن الإيرانيين ذاتهم اعترفوا على لسان رئيس الشؤون الثقافية السابق لبلدية طهران محمد علي زام قبل تسعة أعوام بأن مجتمعهم القائم تحت ظل حكم ولاية الفقيه لا يصلي ثمانون بالمائة منه! بحسب زام ولا يركعون لله في بلاد تريد أن تصدِّر ثورتها الإسلامية للعالم الإسلامي [3]، علاوة على أرقام أخرى ساقها في مؤتمره الصحفي الجريء، حين تحدث عن (تجاوز نسبة الإباحية الجنسية الستين بالمائة، وتزايد نسبة الزنا خلال السنتين الأخيرتين فقط بنسبة 635%، وانخفاض معدَّل عُمْر الزناة من 27 سنة إلى 20 سنة).

الأرقام الرسمية تتحدث عن أن ثلث الشعب الإيراني يعيش تحت خط الفقر، ومعدلات بطالة رهيبة تلامس النسبة ذاتها، وتدفع نحو‏180‏ ألف جامعي إيراني للهجرة كل عام إلى أوروبا، و أمريكا الشمالية، و أستراليا، و نيوزيلندا من الدولة النفطية التي تملك الاحتياطي النفطي الثاني في العالم (132 مليار برميل) وذلك بحسب أرقام إيرانية رسمية.

بينما يغادرها ذَوُو العقول لدرجة أن الأطباء الإيرانيين في كندا أصبحوا أكثر من الأطباء الإيرانيين في إيران ذاتها‏! والأهم أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً صاروا يمثلون أكثر من 70% من تعداد السكان، وهم لم يشهدوا الثورة الخمينية، ولا عاصروا الحرب مع العراق إلا صغاراً، وحتى أولئك الذين عاصروها لم تعد العراق تُمثِّل لهم الآن عدواً تنبني عليه عقيدة قتالية وثورية، وحتى ( الشيطان الأكبر) الولايات المتحدة لم يعد أحد من هؤلاء يُصدِّق أن الملالي الذين يكتسبون شرعية بعدائها، ومنهم بيدقهم (أحمدي نجاد) أنهم في حالة عداء حقيقي مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وإن كانوا في حالة عداء حقيقية، فما الثمن الذي يتوجب على الشباب العاطل دفعه لهذا العداء الملتبِس، وما الدافع له في ظل تعاون إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والعراق؟ الشباب الإيراني الذي يهوله منظر النساء الإيرانيات في الخارج سواء في دبي أو أوروبا أو حتى في الصين التي أضحى الزائرون لها يتحدثون عن منافسة الإيرانيات للصينيات في (الممارسات غير الأخلاقية)، يعجب لحرص الملالي على تصدير الثورة إلى أقصى بلاد إفريقيا و آسيا.

لماذا يدفع الفقراء في إيران ثمن الحرب في لبنان؟ وكثير من هذه الأسئلة التي تتزاحم لدى الواقعيين من الشباب الإيراني.

إن كثيرين من أنصار إيران في لبنان كتموا غيظهم في أعقاب حرب لبنان 2006، وهم يتساءلون: لماذا ندفع ثمن البرنامج النووي الإيراني من حياتنا واستقرارنا، مع أنه لم يسقط زجاج بيت واحد في طهران مقابل ذلك؟ فإن كان الثمن قد جاء على الفور إنقاذياً عبر (المال النظيف)؛ فإن الجانب الآخر هو أيضاً بدأ يتململ قائلاً: ولماذا ندفع نحن ثمن مقامرة (حسن نصر الله)؟

ثمَّة حراك حقيقي يدور لدى النخبة الإيرانية والشباب الذي لم تعد هتافات الثورة في ظل العولمة تطربه، لا سيما أن الأرقام التي تتحدث عن ترك الصلاة وغيرها لا تُشَجِّع كثيراً على تعويل أصحاب العمائم على هؤلاء للمحافظة على مكتسبات الثورة، في مقابل أن هؤلاء الشباب - وهم الغالبية من الشعب الإيراني - لا يجدون أنفسهم متحمِّسين لدفع فاتورة العداء الظاهري للغرب، وتصدير الثورة ودفع أموال حول العالم في جُهْدٍ تنوء به خزائن الإمبراطوريات الضخمة دون طائل مادي مرتجى للمجتمع الإيراني.

تحت لافتة الدفاع عن البلاد والإسلام والمذهب تم تجييش الشباب في الحقبة الأولى للثورة ومنهم نجاد ضد العراق، وتحت اللافتة نفسها تدفقت الميليشيات لا سيما جيش القدس والحرس الثوري للمساهمة في احتلال العراق إلى جانب الأمريكيين، وتوقع الإيرانيون أن تَحُلَّ عليهم (بركة) النفط العراقي المسلوب عبر عصابات التهريب، لكن هذه (البركة) لم ينلها كالعادة إلا أصحاب العمائم، الذين تضخمت ثرواتهم لحدِّ بعيد، حتى في ظل حكم الرئيس (الزاهد) نجاد، وهو الذي جاء مبشِّراً في الفترة الأولى بالقضاء على الفساد في مؤسسات الحكم، والشيء ذاته يقال عن فائض الميزانية قبل الأزمة الاقتصادية العالمية الإيرانية من ارتفاع أسعار النفط، والتي حصلت إبان حكم نجاد (الزاهد)، لكن شيئاً من ذلك لم ينعكس على أصحاب أكشاك الصفيح حول المدن الكبرى، ولم يغيِّر شيئاً من أرقام البطالة وتأخُّرِ سِنِّ الزواج والفساد والمخدرات.

إن شيئاً من ذلك لا يشجع الناخبين على التصويت لأصحاب العمائم، وإذا كان النظام لا يسمح إلا بالتصويت لمن يَمُر من فلاتر الملالي الضيقة فقط؛ فليكن التصويت لمن هم أقرب لطموح الشباب والفقراء والأقليات المضطهدة والمهمَّشة، حتى لو كانوا من أمثال رئيس وزراء حكومة الخميني السابقة مير حسين موسوي الذين لم يزالوا يبكون المؤسس وأيام حكمه.

الخريطة السياسية والتصدع المتوالي:

قبل سبع سنوات كانت جموع الطلبة تهتف (ليُشْنق المرشد، ليمت خامنئي) وكتبت حينها كغيري أن (الحمم لم تزل في جوف البركان) وأن (المنتظَر ألا تكون مظاهرات الطلاب القادمة مجرد حركة احتجاجية عارضة؛ لأن وقود الثورة متوافر لها وبكثرة)، لكن ما كان في الماضي حبيس التكهنات، صار اليوم حقيقة؛ إذ كسرت تلك الاضطرابات كل البرامج الإيرانية الثورية، وجعلت رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام (رئيس مجلس الخبراء) يكرر تصريحاته المثيرة للجدل بأن (المهدي خرافة)، ونتيجةً لذلك فإن (الولي الفقيه) بدوره خرافة أخرى، وبناءً عليه؛ فإن إعلان رفسنجاني الولاء المطلق هو إعلان عن ولاء يخص المنافع الدنيوية من وراء هذا النظام القائم على التوازنات التي بلغت حدود التناقضات في الأزمة الأخيرة.

ما حقيقة جناحي المحافظين والإصلاحيين؟

في الواقع إن ما يحدث في إيران يخرج كثيراً عن رغبة فريقين في الحكم يُسمَّيان: (المحافظين والإصلاحيين)؛ فكلاهما في النهاية جزء من النظام وإن اختلفت الاتجاهات؛ فمنتهى طموح الشباب في الشارع الإيراني يتجاوز بكثير وعود الإصلاحيين (واستُخدم المصطلحان لاشتهارهما، وإلا فليس هؤلاء محافظين بالمعنى الإيجابي، ولا أولئك إصلاحيون بالمعنى الشرعي)، لكن من الغبن أن ننكر التغيُّر في المزاج السياسي المفضي إلى تغيُّر تابع في أفكار ورؤى الإصلاحيين.

والإصلاح لدى الساسة في إيران معناه تقييد ولاية الفقيه، وتعزيز العمل المؤسسي، ومنح قَدْرٍ من الحريات للأقليات والأعراق في إيران، ومزيد من ( الحرية) للمرأة بمفهومها الغربي.

وقد كانت فترة حكم خاتمي اختباراً لرغبة الإصلاحيين في تغيير وجه إيران وتعاملها مع الخارج، وقد أدت سياسة خاتمي إلى تطبيع علاقات الجمهورية مع معظم دول الاتحاد الأوروبي، واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الكويت في العام 1999م، وفي تعزيز العلاقات مع السعودية وتوقيع اتفاقية أمنية معها، وتحسين العلاقات مع بقية دول الجوار، وإطلاق (حوار الحضارات)، وشَهدَتْ أيام حكمه قيام ثلثي أعضاء البرلمان الإيراني بإرسال خطاب إلى المرشد الأعلى ( علي خامنئي) أيدوا فيه فصل الدين عن الدولة، كما وقَّع نحو ‏250‏ مثقفاً إيرانياً على خطاب آخر يدعون فيه إلى إقامة نظام ديمقراطي على غرار النُّظُم الديمقراطية الغربية يسمح بمساءلة المسؤولين باعتبارهم أشخاصاً عاديين وليسوا فوق القانون‏.

لكن مساعي الرئيس السابق محمد خاتمي اصطدمت بصخرة المرشد عندما حاولت تقييد سلطاته، وهو ما أدى في النهاية إلى انزواء التيار الإصلاحي بعدما أطلق المحافظون حملتهم لإخراج الإصلاحيين من الحكم، ونجحوا بعد منع 1250 مرشحاً إصلاحياً من الترشح للبرلمان، وهو ما أدى في النهاية إلى مجيء نجاد في عام 2005م؛ لإعادة الهيبة إلى المرشد الأعلى، ولتقليم أظافر الإصلاحيين ولجم طموحاتهم، مع أن هذه الهيبة لم تعد في الواقع بعدما تنازع المحافظون والإصلاحيون والبرجماتيون للإفادة منها.

لم يتمكن علي خامنئي من إزاحة الإصلاحيين بقسوة هذه المرة في الانتخابات الرئاسية؛ لأن المِرْجَل الشعبي لا بد من فتح بعض صِمَاماته الشعبية من خلال بعض القوى الإصلاحية التي تنتمي روحياً إلى النظام، وتُعدُّ واحدة من إفرازاته.

ولم يتمكن من فرض نجاد مباشرة؛ حيث يقف رفسنجاني الرجل القوي في موقع معاكس له تماماً، ويأخذ رفسنجاني على عاتقه الثأر من هذا التلميذ النجيب لخامنئي الخادم له وفق ما تقتضيه المصلحة الدينية الافتراضية.

داهية عهد ما بعد الخميني!

رفسنجاني (تاجر الفستق، البرجوازي البرجماتي، داهية عَهْدِ ما بعد الخميني) لم يَعُد في وفاق منذ فترة مع المرشد الأعلى، وهو مستعد للذهاب بأي اتجاه حفاظاً على مصالحه وأسرته الثرية التي تتوسع استثماراتها في مزارع الفستق وتجني أرباحاً (ثورية) كبيرة تذهب بعضها إلى بنوك أوروبا، وهو القادر على اتخاذ سياسة ونقيضها متى كانت المصلحة في ذلك!!

بـ (كذبة بيضاء) وَضَعَ خامنئي في سُدَّة الولاية العظمى، بعدما قال لكبار المرجعيات: إن الخميني قد « أسَرَّ إليه بما يفيد بأن خامنئي هو خليفته » قبل وفاته برغم أن خامنئي لم يكن الأجدر علمياً بتولي المنصب ودونه منتظري وغيره، وبخفَّة سياسية لعب دوراً محورياً في ترجيح كفَّة خاتمي على نوري في انتخابات 1996 بعدما كان المرشد يدعم الأخير.

وردها له المرشد في انتخابات 2005م عندما زوَّر الانتخابات لمصلحة أحمدي نجاد، مثلما أفاد بذلك (راي تاكيه) في كتابه القيِّم (إيران الخفية) [4]، مطيحاً بسبعة ملايين صوت من رصيد رفسنجاني لحساب نجاد: قال خامنئي في الانتخابات الأخيرة: « ليس من المعقول أن يكون التزوير في 11 مليون صوت »، ثم عاد رفسنجاني ودعم موسوي الإصلاحي ليحشر خامنئي في زاوية الخضوع، وليبدأ مرحلة كسر عظام عتيدة، قد تظل لحين ملتحفة بعباءة الوحدة والوفاق بينما تضمر احتقاناً مرشحاً للانفجار في أي لحظة.

أسدى خامنئي لنجاد - الذي لن يعدو قدره في الحقيقة كتكنوقراطي غير معمَّم لا مطامع له في حكم إيران - من كرسي الولي الفقيه خدمةً عندما وضعه على سدة الرئاسة تحت لافتة محاربة الفساد، لكن نجاد جاء به (الفساد)، وشهد عهده تسخيناً غير مقبول داخلياً مع دول العالم المختلفة، في مقابل إخفاق كبير في التنمية ولجم الفساد الذي مسَّ وزراء نجاد أنفسهم وحاصرهم في أكثر من ملف لا سيما الأخلاقي كوزير الداخلية الإيراني ومسؤولي بلديتين أخريين.

هِياج نجاد الذي أُريد له أن يعزز من سلطة الولي الفقيه [5]، أوهنها، وفتح شهية كبيرة للإصلاحيين للجم المرشد، وكان من قَبلُ قد اضطر إلى الإفراج عن أكبر المراجع الدينية أهمية في إيران (حسين علي منتظري) الذي هو في الحقيقة أحق بالمنصب المهيمن في النظام السياسي الإيراني، كما فتح شهية مصباح يزدي - الزعيم الروحي لنجاد - للشراكة بالحكم عبر مجلس شورى للولي الفقيه برغم تدني شعبية يزدي مؤخراً، تَأثُّراً بأداء نجاد السياسي داخلياً، وخارجياً، وتأثُّراً بمواقفه وفتاواه المتشددة التي أوجبت قتل أدباء وصحفيين.

ثم مؤخراً نسبت إليه صحيفة (الكوياريه ديلاسيرا) الإيطالية (2009/6/ 13) عَبْرَ مصادر أمريكية لم تسمِّها فتوى بإباحة دم المرشَّحَين الرئاسِيَّيْن موسوي وكروبي!

مواقف نجاد، ومحازبيه أضعفت وضع المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وعززت من حظوظ الإصلاحيين في الشارع الإيراني، لكن من يا تُرى هؤلاء الإصلاحيون؟ إن أبرزهم في الحقيقة هو موسوي أحد أبواق الثورة الأشداء خلال ترؤسه صحيفة متشددة (جمهوري إسلامي) إبان حكم الخميني؛ حيث دافع عن الثورة بمقالات قوية حينها، ورئيس وزراء إيران في أحلك أيام الثورة الدموية.

أما أبرز داعميه بعد الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي؛ فهو رفسنجاني الذي رفض إيقاف الحرب العراقية الإيرانية، والمتهم بإدارة أموال الخمس لمصالحه وأولاده، والإفادة من الثورة لتحقيق ثروة، على حين كان نجاد ورفاقه يلعقون الدم على حدود العراق.

إن ما يمكن للمرء الخلوص إليه من قراءة المشهد السياسي في إيران، أن ثمة جناحين أو أكثر يحكمان النظام الإيراني، غير أن روافدهما الشعبية تختلف جذرياً عن مطامع الساسة الذين يديرون معارك النفوذ بطريقة عصيَّة على فهم البسطاء، وكلها بالتأكيد تحت ذرائع الحفاظ على الثورة، سواءٌ عبر تعزيز سلطتها أو تطوير وإصلاح أدائها، وفي النهاية يبقى الهمُّ الشعبي بعيداً نوعاً ما عمَّا يضمره الساسة ( معتدلوهم ومتشددوهم).

أما فيما يخص الشعوب الإسلامية خارج إيران؛ فأمور أخرى تخالف أحلام تجار الفستق والنفط والبازار الديني في قُمْ وطهران، وتتعلق بوضع الأقليات السُّنية والعربية في إيران بعد الأزمة، ومستقبل نشر التشييع حول العالم، والاختيار بين إمبراطورية علمانية في نهاية المطاف، أو إمبراطورية طائفية، وكلاهما تطمع فيما وراء الخليج العربي، ما بين الطاووس والعمامة، وكلاهما له رمزيته وتأثيره.

ستكون إيران - إصلاحية أو محافظة - دولة مؤثرة لها استراتيجيتها ومصالحها وتطلعاتها وأحلامها التي تصوغها بأي لغة تريد، لكنها ستكتب بها أجندتها على أي حال، وربما تقوى بـ (الإصلاح) أكثر من المحافظة على رتابة نظام الثورة الجاثم على صدور الإيرانيين، والتي تصرفت خلال السنوات الست الماضيات كإمبراطورية تتوسع أفقياً دون غطاء كثيف من الاقتصاد والعسكرية والسياسة؛ فخسرت كثيراً على الصعيد المعنوي، وانكشفت خارجياً كما انكشفت داخلياً، وباتت على مفترق خطير، واستحقاق مصيري.

بقي شخص لم يسقط سهواً من الحديث، هو الرئيس (الإصلاحي المعتدل) محمد خاتمي كأحد أكبر داعمي (الإصلاحي) موسوي، تذكَّروه جيداً، إنه الرجل الذي وقَّع مع الإدارة الأمريكية صك تدمير العراق...

اشتُهر كسرى أنوشروان بالحكمة والاعتدال وتحقيق العدل في مملكته، لكنه في سبيل تحقيق ذلك رفض العقيدة المزدكية وأعاد الزرادشتية للفرس، وأزهق ( في ضحوة واحدة - أرواح - مائة ألف زنديق - مزدكي - وصلبهم )[6]؛ فسمي لذلك أنوشروان أي الروح العالية!

تُرى هل كان أنوشروان إصلاحياً أم محافظاً؟

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)


 (1) اسم العملة الإيرانية.

(2) كتاب الوصية السياسية الإلهية، ص 27.

(3) بي بي سي 7/7/2000م.

(4) ص 59.

(5) ولاية الفقيه نظرية اخترعها الخميني وأسس بواسطتها ثورته عام 1979م وعارضها كثير

من علماء وآيات إيران وغيرها من علماء الشيعة ومنهم آية الله منتظري وآية الله طبطبائي القمي والعلامة موسى الموسوي من إيران ومحمد جواد مغنية ومحمد حسين فضل الله من لبنان، انظر: الحقيقة وولايه الفقيه ونقدها علمياً في كتاب (فقه ولاية الفقيه) لمحمد مال الله - البيان.

(6) ابن الأثير/الكامل ج 1 ص 336.