ربما يعترض البعض على هذا العنوان بزعم أنه يحسم نتيجة صراع لا يزال مستمراً، ومع كون الاعتراض ذي وجاهة، إلا أن معطيات المرحلة الحالية من الصراع العربي الإيراني والتي تتضمن: مؤشرات صمود النظام الحاكم في إيران داخليا أمام الزخم الإصلاحي، ثم ثباته في مواجهة الضغوط الدولية في قضية التسلح النووي، وترافق ذلك كله مع قدرة طهران على الإمساك بخيوط اللعبة في عدة دول عربية في آن واحد، كل ذلك يعطي مؤشرات حاسمة حول نتيجة الصراع بين طهران والنظام العربي - وإن مرحلياً -.

ويبقى السؤال المطروح: لماذا تفوقت السياسة الإيرانية على مثيلتها العربية؟

بين أيدينا خمسة عوامل تلخص أسباب التفوق:

أولها: أن إيران تخوض الصراع باعتباره معركة « كسب نقاط » وليس « ضربة قاضية »، يحرص الإيرانيون على جمع المكاسب السياسية مهما تضاءل حجمها، يتضح ذلك في شبكة علاقاتهم ونفوذهم الممتد في النسيج العربي، وبالأخص في العراق، بينما يدير العرب صراعهم مع إيران وفق مفهوم « الضربة القاضية »، فهم يبحثون عن ضربة عسكرية ساحقة، أو انهيار مفاجئ للنظام، وربما توبة نصوح يعقبها ندم وحسرة.

وثانيها: تتميز طهران بقدرتها على نقل الصراع إلى ساحات خصومها، بينما يعجز العرب في المقابل عن نقل الصراع إلى داخل إيران، أو حتى إلى مناطق نفوذها في المنطقة، فالصراع بين الطرفين يدور في العراق و لبنان و اليمن و البحرين و سوريا و فلسطين ودول أخرى.

ثالثها: يجيد ساسة إيران التوظيف الديني للصراع، سواء من خلال تبنيهم الدعائي لقضايا الأمة ذات الصبغة الدينية كما يحدث في فلسطين، أو من خلال دعمهم للتجمعات الشيعية بتعصب سافر، في حين ينفر النظام العربي في نسق معاكس تماماً من معالجة أي قضية عربية وفق رؤية دينية؛ حتى وإن كانت القضية نفسها دينية المنشأ والمضمون.

رابعها: يصوغ النظام الإيراني معادلات التوازن الإقليمية والدولية من خلال مقدرات الدولة وليس النظام، بخلاف الحال في الأوساط العربية التي تصوغ معادلاتها وفق مقدرات النظم، والفارق الأهم بين الحالتين أنه في الأولى تمتلك الدولة من خلال نظامها قدرة أكبر على المناورة والمواجهة والصمود، بينما في الحالة الثانية تتراجع الدولة لتتوارى خلف النظم وهو ما يضعف قدراتها السياسية.

خامس هذه العوامل: اختراق إيران للمحيط العربي من خلال ثغرات مرئية للجميع، لعل أبرزها القضية الفلسطينية والوضع السياسي اللبناني.

ولعل نجاح طهران في اختراق تنظيم القاعدة ودفع بعض مجموعاته لإثارة الفوضى في بعض الدول العربية من أبرز أمثلة الاختراق الإيراني، وهذه حقيقة لم تعد خافية وتداولتها عشرات الدراسات والأبحاث.

من أمثلة الاختراق أيضاً تمكُّن إيران من حشد عدد لا بأس به من الرموز والشخصيات الفاعلة في المجتمعات المدنية العربية للدفاع عن سياساتها وتبرئة دوافعها، ولعل قائمة المدافعين عن حزب الله في ورطته الأخيرة في مصر تعطي تصوراً واضحاً لحجم الاختراق النخبوي الذي حققته طهران.

:: البيان تنشر - مـلـف خـاص- (الـخـطـر الإيـرانـي يـتـمـدد)