أجرى الحوار:جلال الشايب


مفتي الديار المصرية السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، ورئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح السابق؛ الأستاذ الدكتور "نصر فريد واصل" في حواره مع "البيان".. يؤكد على:

- العبرة بمضمون المصطلحات لا بشكلها ولفظها.

- نرحب بكل دعوة لجمع الصف والكلمة ... وهي واجبة الآن.

- علينا أن نُجمع ولا نفرق، باتفاقنا على ثوابتنا الإسلامية الواحدة، وتقبل الرأي الآخر.

- استقالتي من الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح لعدم استطاعتي الجمع بين المجمع والهيئة.

- لحكام العرب أقول: اتقوا الله في شعوبكم، واحقنوا الدماء، وغلبوا المصلحة العامة على الخاصة.

على بُعد أميال من ميدان التحرير، وعلى شاطئ نيل مصر؛ كان لقاءنا مع الأستاذ الدكتور "نصر فريد واصل"، مفتي الديار المصرية الأسبق، ورئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، فتحاورنا مع فضيلته حول ما يتعلق بالمنطقة العربية والإسلامية، وحول مصر الثورة، وكيف تنتقل مصر إلى مرحلة الاستقرار والأمان؛ فكان هذا الحوار الماتع:

البيان: تداولت أخبار استقالتكم من الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتنوعت الأسباب التي ذكرتها تلك الوسائل؛ بين التصريحات التي نسبت للأمين العام للهيئة وانتقاده للأزهر، وأخرى هي عدم استطاعتكم للتوفيق بين مجمع البحوث الإسلامية وبين الهيئة؛ وغير ذلك من الأسباب؛ فما حقيقة الأمر فضيلة الدكتور؟

ما نشرته وسائل الإعلام المختلفة منه ما هو صحيح ومنه ما كاذب؛ وهكذا عودتنا بعض الصحف من إطلاق الادعاءات والأكاذيب ونسبتها إلى رجال وأسماء هم بريئون تماما من مثلها، وهو ما كان من صحيفة مصرية (لم يذكر اسمها) عندما نشرت على لسان الأخ الفاضل الدكتور "محمد يسري إبراهيم" الأمين العام للهيئة تصريحات هاجمت الأزهر، وما كان للأمين العام ابن الأزهر أن يقع في مثل هذه الواقعة؛ كما أنه كذب الأمر بعدها، واستقالتي من الهيئة ليس لأمر شانها أو عابها؛ وإنما كل ما في الأمر هو إني لم أعد أستطيع أن أوفق بين العملين وكلاهما هام، فتركت الهيئة بالجسد، وأنا معها بالقلب والروح؛ وأتمنى لهم كل الخير والتوفيق.

البيان: نداءات الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح والإخوان وبعض التيارات والجماعات الإسلامية إلى مليونية سميت (جمعة الإرادة الشعبية)، وذلك لمساندة المجلس العسكري، والتأكيد على مطالب الشعب المصري، والحمد لله احتشد الملايين في ميدان التحرير في تلك الجمعة، فما رأيكم في مثل هذه النداءات؟

اعلم إن كل دعوة بغض النظر عن من ينادي بها؛ إذا كانت الدعوة لجمع الكلمة، ووحدة الصف، بين الإسلاميين وغيرهم، وبين الإسلاميين بعضهم بعضا؛ فهذا ولا شك أمر محمود بل هو مطلوب الآن، وكذلك المحافظة على السلم وعلى عدم الخروج على الجماعة والبعد عن الدعوات الفئوية المتعارضة بعضها مع بعض، وأنا أؤيده تماما، ولقد سألت قبل تلك المليونية عن حكمها فقلت، إن كانت للتجمع بين المصريين على قلب رجل واحد؛ فهذا حسن ولا شئ فيه، أما إن كانت ضد فكر آخر وتؤدي في نهاية المطاف إلى شقاق ونزاع فانا ضدها ولا أدعو إليها، وأربأ بالمصريين المخلصين أن يدعو لمثلها؛ لما تؤديه من ضرر خاص وعام، وقد تمت المليونية والحمد لله كما قلت، وتبين أن الكل اجتمع على  وحدة الصف، كما أنها لم تؤدي إلى تعطيل العمل والإنتاج ولا تعطيل المواصلات، وإنما كانت في إطار متجمع.

البيان: كان بارزاً في جمعة الإرادة الشعبية بميدان التحرير؛ حضور الرجال والنساء والأطفال؛ وكان على ما يبدو حضور أسر بأكملها، ولم يقتصر الأمر على الرجال والشباب فقط بل مشهد النساء كان دليلا على كثرتهن في الميدان؛ فكيف ترى ذلك؟

انظر.. الحمد انقضت الأمور بتوفيق من الله ولم يحدث شئ مما يُخيف الرجل على أهله، وكانت الأمور سلمية، فلا شئ في ذلك؛ والأمر مشروط بسلمية الأمر، ولن يترتب على ذلك تعطيل العمل ولا الإنتاج، وتوفير الأمن والأمان، فإذا توفرت هذه الشروط فلا شئ في أن يأخذ الرجل أهله لمثل هذه التجمعات؟

البيان: مع كثرة المليونيات في ميدان التحرير وغيره، تنادي بعض الحركات النسوية بخروج ميلونية للمطالبة بحقوقهن (المسلوبة)، والمناداة بالإبقاء على كوتة المرأة في البرلمان، وغيها من المطالب، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟

لا بد أن يعي جميع المصريين رجالاً ونساءاً؛ أن عملية المظاهرات الفئوية، التي تخص البعض ولا تطالب إلا بمصالح خاصة، ليس في صالح الدولة ولا في صالح الثورة نفسها، نحن يجب الدعوة جماعية وسلمية، تنادي بالإصلاح العام للبلد داخليا وخارجيا، وتنادي بسرعة مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية التي تهدد فعلا امن مصر وأمان شعبها، وعلينا جميعا أن نتفق الآن على هدف واحد؛ وهو قيام دولة، ومؤسسات الدولة والوصول إلى الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية الإسلامية التي تحقق الأمن والأمان للجميع والتكافل الاجتماعي والتواصل للحكم الرشيد، كلنا يجب أن نقوم تحت الدولة، وعندما يكون الحكم صحيحا وسليما وعلى أسس دستورية سوية؛ حينئذ يحقق للجميع المشروع من مطالبه.

البيان: كثر الآن استخدام بعض المصطلحات المصدرة إلينا من الغرب كالديمقراطية مثلا والدولة المدنية، وغير ذلك؛ فكيف نتعامل مع الأمر، وكيف نوضح للناس حقيقة تلك المصطلحات؟

هناك مبدأ عام وهو "خاطبوا الناس على قدر عقولهم" وبالنسبة لمن يرددون تلك المصطلحات عليهم أن ينظروا أولا في مضمونها لا في اسمها، فالعبرة بالمضمون، فهناك فعلا من يقول ديمقراطية أو شورى أو غيرها المهم مهما كانت، فلابد وان يحكمها المبادئ العامة للشريعة الإسلامية.

  البيان: ينادي البعض الآن بتطبيق الشريعة في مصر، فأين فضيلتكم من هذه الدعوة؟

هذا الأمر لأن هو ضمن أساس الدستور الذي يقوم على الأسس والضوابط العامة المتفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومع الأسس العامة ومبادئ الشريعة العامة؛ فهذا هو الحكم الإسلامي.

البيان: ماذا تعنون بالحكم الإسلامي؟

الحكم الإسلامي معناه: الحكم بالشورى، وتحقيق العدالة الاجتماعية، أن يكون الحاكم منتخبا من الشعب، أن يكون الحاكم خادما للشعب، أن يختاره الشعب، وأن يعزلوه إذا ثبت تعديه على دستور البلاد، أو غير ذلك، أن يكون هناك فصل بين السلطات كل هذه من المبادئ الإسلامية، وبالتالي هذا هو الحكم الإسلامي.

البيان: ماذا نقول للتيارات الإسلامية المختلفة الموجودة على الساحة المصرية الآن، وكيف نطوع الجميع لخدمة هذا الدين وهذا الوطن؟

علينا أن نُجمع ولا نفرق، يعني أن نعذر بعضنا البعض فيما اختلفنا فيه، ونتفق في ثوابتنا الإسلامية، فهي واحدة؛ فنحن يجب أن نعمل ونتقارب حول كل ما يجمع الشمل، ونبتعد كل البعد عن كل ما يفرق من كل مناحي الحياة، فالوقت الآن لا يحتمل أي فرقة، فإذا افترقنا كنا لقمة سائغة لذئاب الداخل والخارج المتربصين ببلدنا وليحلقوا بها السوء وعدم الاستقرار، ثم إننا لو لم نجتمع الآن فمتى؟!، ثم أن الكل يعلم حقا أن ثورة 25 يناير لم تنجح إلا بلم الشمل، وجمع الكلمة والصف بين الشباب والشيوخ مسلمين وغيرهم، كبارا وصغارا، رجالا  ونساءا، فكان الجميع على قلب رجل واحد، وليعلم الجميع انه لو تحقق ذلك وتم الاستمرار عليه، وتدعيمه بكل السبل بالقول والفعل والعمل، وعدم الصدام مع الجيش الذي يعد حارس وحامي الثورة والشعب، داخليا وخارجيا، وعدم تنازع الفئات المختلفة وجلب الشقاق بينهم، فيستحقق النصر، وستقوم دولة مشعة بحضارتها وسلامها على العالم أجمع.

البيان: هناك اختلاف على الوثيقة الحاكمة للدستور، فهناك من يراها الحل الأمثل للخروج من مأزق الدستور أولا أم الانتخابات، وهناك من يراها إنها فوق دستورية، فأين فضيلتكم من هذا الخلاف؟

أولا: كلمة أنها فوق دستورية هذا تعبير غير صحيح، لأنه فقط كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هما فقط ما فوق الدستورية، فحكم الله فوق كل شئ، وعندما نقول مبادئ دستورية نعني بذلك مبادئ عامة حاكمة تحكم الجميع وتكون إطار لا نخرج عليها، بمعنى أكثر أن الدستور هو الذي سيكون من خلالها، وهي التي تحكمه بحيث تكون مصالح الجميع فيها، في هذه الحالة نقول أنها مطلوبة، وطبعا شريطة أن تجتمع لوضع هذه الوثيقة عموم الشعب المصري، أو ممثلين عنه، والعبرة في النهاية أنه وبعد وضع هذه الوثيقة باستفتاء الشعب عليها؛ فهو المنوط به الحكم النهائي في هذا الأمر، أما إذا كانت من فئة معينة، هي التي تختار وهي التي تضعها، فهذا أمر غير مقبول عقلا ولا واقعا.

البيان: رأينا في الأيام الماضية خروج مسيرة من ميدان التحرير إلى المجلس العسكري بحدائق القبة، وهو ما تسبب في أحداث عنف ومشاجرات قبل وصول هذه المسيرة؛ ما رأيكم في هذه المسيرة؟

بالطبع هذه خطوة غير حكيمة بالمرة، وغير صحيحة، وأعتقد أنه ضد الهدف الأساسي وهو تحقيق مبادئ الثورة، والوصول بهذه البلد إلى بر الأمان، لأنني كما قلت أن النزاع والخروج على  ما يمثل الحاكم الآن لا يجوز ومرفوض رفضاً كاملاً، لأنه يؤدي إلى الإفساد في الأرض ويعيدنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر، بل قد يصل الأمر –لا قدر الله- إلى ما يحدث الآن في اليمن وسوريا وليبيا، ووقتها نكون خسرنا الدين والدنيا كما يقال.

البيان: نحن على أعتاب انتخابات رئاسية، وقد رشح بعض الإسلاميين أنفسهم لخوض غمار هذه الانتخابات فما رأيكم في هذا الأمر؟

الترشح للانتخابات للجميع.. لأن هؤلاء أولا مواطنين مصريين، لهم حق الترشح كغيرهم؛ العبرة بتوفير الشروط الموضوعة من خلال الدستور عليهم، فلو انطبقت هذه الشروط عليهم وأصبح ترشحهم رسميا ودستوريا فلا شئ في ذلك، والعبرة في النهاية في اختيار الشعب، وكل إنسان له حقوق سياسية كاملة، وله أن يأخذها، والفيصل في ذلك هو الشعب.

البيان: كلمة أخيرة لعموم المسلمين الآن؟

الاعتصام بحبل الله جميعا، وحدة الصف ووحدة الكلمة، البعد عن الشقاق والنزاع، والعمل، والإنتاج، عدم تعطيل وسائل الإنتاج، محاولة الوصول بقدر المستطاع إلى زيادة الإنتاج للخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة التي تعصف بالبلاد الآن، والتكافل الاجتماعي وبخاصة مع الفقراء وغير العاملين، وتفعيل دور الجمعيات الأهلية والخيرية لتقوم بدورها الحقيقي المنوط بها، والتي من أجله أقيمت وأُنشأت.

البيان: كلمة من الدكتور نصر إلى الحكام في اليمن وسوريا وليبيا؟

أقول لهم اتقوا الله في أوطانكم وفي شعوبكم واحقنوا الدماء وغلبوا المصلحة العامة على الخاصة، وعليكم أن تحققوا الأمن بكل الوسائل حتى لو أدى ذلك إلى أن يترك الإنسان هذا المنصب الدنيوي البحت الذي لا يضمن الإنسان بعد لحظة واحدة هل سيبقى فيه؟ أم أن سيكون له لقاء مع الله.