"قطعت يده بعد احراقها حية، ثم سيق إلى " الخازوق" حيث ُربط بإحكام ثم تصاعد عموداً حديديا من الارض مخترقًا جسده من فتحة الشرج وصولا الى رقبته ليخرج بعدها من فمه، وتُرك جثمان الشاب أياما عِدّة تنهشه الطيور الجوارح والوحوش، وبعدها قطعت رقبته ورأسه، ومن ثم اُرسلت الى متحف كلية الطب بالعاصمة الفرنسية باريس، قبل ان تُوضع بعد ذلك في متحف الانسان بباريس ايضاً برفقه الخنجر الذي استعمله ليتم عرضهم تحت عنوان جمجمة مجرم وخنجره"

هذه قصة إعدام سليمان الحلبي، الشاب السوري وطالب العلم في الجامع الأزهر، والذي ترصد لكليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر، والذي خلف نابليون في قيادتها وقتله طعنا بخنجره.

لم يهتم أحد بتاريخه فصوروه أنه شاب متعصب، صاحب هلاوس دينية، قتل كليبر ابن حضارة العدل والإخاء والمساواة، الذي جاء لينشر العلم والعمران في عالمنا الإسلامي المتخلف الهمجي على حد وصفهم، ولكن يجمع المؤرخون على أن مقتل كليبر هو الذي عجّل بإنهاء الحملة الفرنسية على مصر، على اعتبار فكرة أن قتل رأس الاحتلال سيضعف الاحتلال ويجبره على الانسحاب، فهذا البطل قد فعل بشكل فردي ما يعجز جيش كامل عن فعله، ورحل الاحتلال الفرنسي عن مصر بالفعل عام 1801م.

لقد وجد من يبكي على كليبر، فوراءه فرنسا التي لها اعلامها وكتابها كما لها أبواقها من عبيد الغرب في عالمنا الإسلامي، من يصور كليبر على أنه شهيد الحرية ويتناسون عمدا من هو كليبر وماذا صنع في مصر؟

عام 1800 ثار المصريون ضد الاحتلال الفرنسي، يما عرفت في التاريخ بثورة القاهرة الثانية، حين تسلل فريق من الجيش العثماني وبعض عناصر المماليك إلى داخل القاهرة وأثاروا أهلها، ولعب أعيان القاهرة وتجارها وكبار مشايخها دور كبير، أكبر مما فعلوه في الثورة الأولى، فلم يحجموا عن تزعم الثورة منذ الساعات الأولى، وقدموا أموالهم لإعداد المآكل والمشارب، وتزعم الثورة عمر مكرم نقيب الأشراف وأحمد المحروقي كبير تجار القاهرة وقادوا أهالي القاهرة، والأتراك المتواجدين حينذاك في خان الخليلى والمغاربة المقيمين بمصر، واستولوا على بعض التلال حول القاهرة وتسلحوا بالعصي والقليل معهم السلاح، واحتشد جمع آخر وصاروا يطوفون بالأزقة والحارات وهم يرددون الهتافات المعادية للفرنسين، ثم اشتبك الثوار مع طوائف الأقليات الموالين للفرنسيين في معارك قتل فيها بعض من نصارى القبط والشوام وغيرهم، وتحصن الفرنسيون بمعسكرهم بحي الأزبكية في القاهرة.

وأحضر الثوار ثلاثة مدافع كان الأتراك قد جاءوا بها إلى المطرية، وجلبوا عدة مدافع أخرى وجدت مدفونة في بيوت الأمراء، وضربوا مقر القيادة الفرنسية بالأزبكية كما أنشأوا مصنعا للبارود، واتخذوا من بعض البيوت مقرا لصناعة واصلاح المدافع والقذائف، وبلغ بهم الأمر أنهم أقاموا معسكرا للأسرى بالجمالية (أحد أحياء القاهرة القديمة)، وجندوا كثير من الشخاص ليكونوا لهم عيونا وجواسيس على الفرنسيين واستكشاف خططهم ونواياهم ولم يتوانوا عن أخذ كل من تعاون مع الفرنسين من الخونة بالشدة والعنف.

وسرعان ما انتقل لهيب الثورة إلى بولاق أحد أشهر الأحياء الشعبية بالقاهرة، الذي عرف أهله بالقوة والفتوة، وانقضوا بعصيهم وأسلحتهم ورماحهم على معسكر الفرنسين، وقتلوا حراسه ونهبوا جميع ما فيه من خيام ومتاع وغيره، ورجعوا منها وعملوا متاريس واستعدوا للحرب والجهاد.

كانت ثورة أشبه بحرب شعبية تم الاعداد لها إلى حد ما.

فبماذا واجه جيش المحتل الفرنسي بزعامة كليبر تلك الثورة؟

كان ميزان القوى يميل كثيرا ناحية الفرنسيين، الذين كانوا جيشا محترفا سواء في المعدات وفنون الحرب وتكتيكات القتال.

استولى كليبر على تلال القاهرة ونقل إليها مدافعه، ثم استأنف دك القاهرة بقصورها وبيوتها وشوارعها وازقتها، واختص المسجد الأزهر وحي بولاق بالتدمير والقصف، حتى وصف الجبرتي مؤرخ تلك الفترة في  كتابه الشهير عجائب الآثار: أن الفرنسيين فعلوا بأهل بولاق "ما يشيب من هوله النواصى "فنزلوا بهم ذبحا وتقتيلا حتى صارت الطرقات والأزقة مكتظة بجثث القتلى، وأشعلوا النيران في الأبنية والدور والقصور، ونهبوا الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع، وملكوا الدور وبابها من الأمتعة والأموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والأباريز والأرز والأدهان والأصناف العطرية، ومالا تسعه السطور، ولا يحيط به كتاب ولا منشور".

ثم تتابع هجوم الفرنسيين على سائر أحياء القاهرة، حيًا حيًا، واستمرت هذه الأهوال ثمانية أيام جرت في أثنائها الدماء أنهارًا في الشوارع، وأصبحت أحياء القاهرة خرابًا

لم يكتف كليبر بذلك وكانت يمتلئ غرورا، ففرض على أهالي القاهرة غرامة مالية ضخمة قدرها 12 مليون فرنك، وخص علماء الأزهر بنصيب كبير منها، وعلى رأسهم الشيخ السادات، ومصطفى الصاوي ومحمد الجوهري وغيرهم، واشتط في تحصيل تلك الغرامة منهم، وألقى بالشيخ السادات في السجن، وقام بتعذيبه دون أن يراعي مكانته وسنه حين عجز عن تدبير المبلغ الذي طالبه به من الغرامة، وكان مائة وخمسين ألف فرنك.

كانت هذه أهم الأسباب التي دفعت بهذا الشاب السوري الذي كان يدرس بالأزهر أن يقوم بعمليته، فقد كان التخطيط كعادة ثورات مصر يتم في الجامع الأزهر، حيث يتجمع طلاب العلم والمشايخ من جميع الأجناس والأعراق، وكان أكثرهم متأثرا بما يفعله الاحتلال الفرنسي لمصر، وخاصة حين دخلت خيول الفرنسيين الأزهر بعد ثورة القاهرة الأولى امعانا في اذلال طلابه ومشايخه، باعتبارهم قادة المقاومة ضد الاحتلال والذين يلتف حولهم العامة من الشعب المصري فكان تدنيس خيول الفرنسيين للأزهر بمثابة بث روح القهر والهزيمة في نفوس هؤلاء.

 كل ذلك ألهم الفتى السوري الذي كان عمره حينها أربع وعشرين عاما، ودعته تلك الأسباب السابقة إلى اعداد خطة لقتل قائد جيش الفرنسيين، ربما أعدها له بعض ضباط الجيش العثماني، ولكن الشاب الذي كان يمتلأ حماسة وفي نفس الوقت حزنا على ما آل إليه وضع الجامع الأزهر والمسلمين، ما لبث ان تربص بالقائد الفرنسي وطعنه بخنجره حتى الموت.

لقد طلبت الجزائر من فرنسا إعادة رفاة ثوارها ومجاهديها من متاحف فرنسا، وبعد مماطلة وتسويف قبلت فرنسا، ربما لاعتبارات سياسية مع النظام الجزائري، وأرسلت إليها رفات جماجم أكثر من عشرين من الجزائريين وكان من بينهم مصريا من مدينة دمياط، سافر إلى الجزائر زمن هجوم فرنسا على الجزائر في منتصف القرن التاسع عشر، واستشهد هناك وقطع الفرنسيون رأسه مع كثير من مجاهدي الجزائر، وأرسلوهم إلى متاحف فرنسا حيث ظلوا يعرضون على الجماهير، حتى استعادت الجزائر رفاتهم لكي يدفنوا في الأرض التي جاهدوا في سبيل تحريرها من الاحتلال.

فمن يستعيد رفات سليمان الحلبي الآن؟

ولكن ستظل ذكراه تنبيها للغافلين، أن أرض المسلمين لم تكن تعرف الحدود ولا الفواصل ولا التجزئة، وأن الاستشهاد في سبيل استردادها من أيدي الغزاة والمحتلين ومقاومتهم وجهادهم هو الذي يصنع الفجر الجديد.