لقب الملك جون (1199م - 1216م) بألقاب كثيرة مثل "جون بلا أرض", “جون المتهاون"، "الملك المزيف" وغيرها من الألقاب المهينة، رغم أنه (وباعتراف خصومه) كان سياسياً حاد الذهن، وإدارياً حازماً ممتازاً. كما أنه كان الوحيد، عكس أسلافه من سلالة ملوك إنجلترا "الانجويين"، الذي قضى فترة حكمه في إنجلترا وتحدث اللغة الإنجليزية. والأهم من ذلك كله أنه قدم لإنجلترا وثيقة العهد الأعظم "الماجنا كارتا" سنة 1215م، التي كانت بمثابة أول وثيقة لحقوق الإنسان في أوروبا، والتي أقرت المساواة والحرية للجميع دون تمييز مبني على الطبقة الاجتماعية أو المنصب. وكان لها أكبر الأثر على الدساتير والوثائق الأخرى، مثل وثيقة حقوق الإنسان في الدستور الأمريكي.

 ولكن التاريخ آنذاك كان يكتب بواسطة الإخباريين من رجال الأديرة، الذين "افتروا عليه بعض الافتراء" حسب تعبير المؤرخ "هولنشد"، والسبب في ذلك أنه لم يكن متمسكاً بالعقائد المسيحية، كما كان يسخر من من القساوسة والرهبان، ولم يتناول "القربان المقدس" منذ بلوغه سن الرشد، ولا حتى يوم تتوجه.

وقد يكون هذا كافياً فعلاً للافتراء عليه بعض الشيء، ولكن هل يكفي ذلك وحده لحرمانه كنسياً كما حصل سنة 1208م من قبل البابا "انوسنت الثالث" (1198م- 1216م)؟! ولو سلمنا أن ذلك كان ممكناً في عصر السيطرة المطلقة للكنيسة، فهل كان ذلك كافياً لاستمرار الافتراء عليه طوال العصور اللاحقة وحتى عصرنا الحالي؟! فلم يتسمى أي ملك بعده بأسمه، رغم أن أسم جون لم يكن أقل شيوعاً في إنجلترا من اسماء أخرى تكررت بين الملوك مثل وليم (4 مرات) أو جورج (6 مرات) أو إدوارد أو هنري (8 مرات لكل منهما). بالإضافة إلى أنه كان الملك الإنجليزي الوحيد الذي جرى تحقيره في الأدب الإنجليزي، بل وفي السينما العالمية التي تناولت قصته في عدد كبير جدا من الأفلام، ربما أكثر من أي ملك إنجليزي آخر، كان فيها جميعا مجرداً من أي فضيلة. بل تم تصوير اللصوص وقطاع الطرق في عهده، على أنهم أبطال يسرقون من الملك الجائر واتباعه، ليساعدوا الفقراء المساكين من عامة الشعب، مثل الأمير الإقطاعي الصليبي "روبن هوود" وعصابته.

وحتى الماجنا كارتا نسبت إلى البارونات الذين حاربوه، وأنهم هم من اتفقوا عليها ووقعوها للحد من سلطته، وتوسيع سلطاتهم، ثم أجبروه على توقيعها رغماً عنه. مع أن الحقيقة أنها كانت لضمان حقوق المواطن العادي أكثر من البارونات، وأنهم لم يوقعوا عليها أصلاً، بل وحده الملك جون هو من مهرها بختمه. والكلمات الواردة في الميثاق باللاتينية تؤكد أنه هو وحدها من قدمها  (Data per manum nostrum) - نقدمها بيدينا given by our hands.

 ترى لم كل هذا الإفتراء والحقد؟!

لو تتبعنا أوائل قرارات الملك جون بعد تتوجه لوجدنا أحداها كان تشكيل مجموعة للبحث عن قبر سلفه المسلم (أو على الأقل المتعاطف مع الإسلام) "الملك أوفا" (راجع مقال الدراما التاريخية بين الخيال والواقع) لنقل رفاته إلى مكان لائق وتكريمه. وذلك في تحد واضح لجهود الكنيسة التي بذلتها لمحو ذكراه، وإتلاف سجلاته، وطمس معالم قبره. كما أنه عرض خدماته على السلطان الأندلسي "أبو عبدالله محمد الناصر لدين الله" الخليفة الرابع من الموحدين(1199م - 1213م) الذي كان يقاتل الملك الكاثوليكي "ألفونسو الثامن" (1170م - 1214م) ملك قشتالة، رغم أن البابا قد أعلن آنذاك حرب صليبية ضد الأندلس، لا يحل الغفران على من لا يساعد أو يشارك فيها. بل وقدم إليه إنجلترا لتكون ولاية تابعة للدولة الإسلامية، وطلب منه إرسال من يعلمهم الإسلام. غير أن السلطان رفض هذا العرض متهماً الملك جون بالحمق، والسذاجة السياسية!!!

ولكن ما الذي جعل سلطان الأندلس يضيع هذه الفرصة، ويرد بذلك الرد القاسي؟!

 في البداية لا بد أن ننوه هنا إلى أن الموت المفاجئ لوالده المنصور الموحدي عن عمر لم يتجاوز الأربعين عاماً قد وضع الناصر على رأس البلاد وهو لايزال في السابعة عشر من عمره، دون أن يكتسب من الخبرات ما يؤهله لذلك فعلاً. كما أنه كان معتداً برأيه، ومخالفاً لأمر الشورى، وفوق ذلك سماعاً لوزير ذميم الخلق وسيئ التدبير والسياسة يدعى "أبا سعيد بن جامع"، والذي شكك الكثير من المؤرخين في نيته.

وعلى الجانب الآخر نجد أن الوفد الذي أرسله الملك جون للسلطان الناصر، والذي أريد له أن يكون سرياً، قد كشف من جانب البابا، وربما بواسطة رئيس الوفد نفسه البارون "توماس هاردنجتون"، الذي بالغ في التحدث عن قوة وثروة وعظمة إنجلترا، وخصوبة أراضيها، ومهارة شعبها العظيم الحاذق، ومعرفة هذا الشعب للغات الثلاث: اللاتينية والفرنسية والإنجليزية، وإتقانهم لكل مهنة فكرية أو يدوية، فأثار شكوك السلطان بجدية عرض التنازل عن كل ذلك لمجرد التبعية له، واحتمال أن يكون في الأمر مكيدة. وتلك الواقعة المتناسبة من التاريخ البريطاني سجلها الإخباري الدقيق لأحداث القرن الثالث عشر " ماينو باريس" الذي أخذ حقائقه واستقاها من مصادرها، حسب تعبير المؤرخ البريطاني "جابرييل راني" في كتابه (‪The Tatars Khan's English) الذي صدر سنة 1987م وذكر فيه حرفياً: "بكى الملك جون عندما وصله الرد، وربما اعتقد أن باروناته قد خدعوه وخانوه".

ونحن أيضاً نكاد نبكي لضياع فرصة إسلام إنجلترا للمرة الثانية، كما ضاعت فرصة إسلام روسيا بين المرتين (راجع مقال غروب عصر الفايكنج).