قد يبدو العنوان غريباً بعض الشيء، ولكن مسلسل فايكنجز الذي تحدثت عنه في المقال السابق (الدراما التاريخية بين الخيال والواقع) قد فتح شهيتي لمعرفة المزيد حول ذلك الشعب الغامض، وسر غروب عصره، رغم انتصاراته المتتالية. وهو ما قادني إلى مشاهدة فيلم روسي يحمل نفس الاسم "فايكنج" Viking (Викинг) 2016.

 وكنا قد تحدثنا في المقال السابق عن الظروف الصعبة في شبه الجزيرة الإسكندنافية من زيادة عدد السكان وقلة الأراضي الصالحة للزراعة، وهو ما دفع الفايكنج إلى غزو المناطق المجاورة عبر بحري الشمال والبلطيق، لنهبها ومحاولة استيطان أراض أكثر خصوبة من أراضيهم المغطاة بالثلوج غالبية السنة. وللإنصاف فقد كان الفايكنج محاربين أشداء قلما انهزموا في معركة، ولكنهم كانوا وثنيين همجيين دون رادع ديني أو أخلاقي، وغير منضبطين لعدم وجود قيادة مركزية، ولا يحملون فكراً محدداً، أو على الأقل مشروعاً توسعياً واضح المعالم، بل مجرد هجمات ارتجالية بدافع الجوع والسرقة، وهجرات عشوائية للبحث عن أرض أفضل للزراعة، ولولا ذلك لإحتلوا أوروبا كلها، ولاختلفت كثيراً عن تلك التي نعرفها اليوم.

غروب عصرهم، أو إختفاء تسمية "فايكنج" التي إقترنت بتلك الصفات، جاءت نتيجةً لاستقرارهم في أراض جديدة، واعتناقهم للمسيحية، وبالتالي انضباطهم ضمن بقية المجتمعات الأوربية آنذاك، بحيث أصبحت حروبهم لأسباب تسمو أكثر عن مجرد الجوع والبحث عن أرض للزراعة.

وهو ما حصل مثلاً سنة 911م مع أحد جماعاتهم بزعامة من أصبح يعرف لاحقاً بالدوق "رولو الأول"، حيث أعطاهم ملك فرنسا "شارل البسيط" منطقة في شمال البلاد، واشترط عليهم أن يعتنقوا المسيحية، ويوقفوا غاراتهم على بقية أراضيه، بل ويساعدوه في صد غارات الفايكنج الآخرين. وهذا ما حصل فعلاً وسميت تلك المنطقة بالنورماندي (نسبةً إلى الشماليين)، وصارت دوقية عظيمة الشأن في فرنسا. ثم أصبحوا طبقة النبلاء الجديدة في إنجلترا بعد أن إنتزع احد أحفاد رولو "وليم الفاتح" التاج الإنجليزي، مؤسساً سلالة ملكية استمرت في حكم إنجلترا من سنة 1066م وحتى 1144م. كما غرب عصر الفايكنج في شبه الجزيرة الإسكندنافية نفسها بعد تخلصهم من الفائض السكاني، وفرض المسيحية عليهم من قبل الملك "كينوت العظيم" (ولد حوالي 995م وتوفي سنة 1035م) الذي كان ملك الدينمارك ثم ضم لملكه إنجلترا ثم النرويج وجزءً كبيراً من السويد.

وبالعودة إلى الفيلم الروسي نجده يتحدث عن بداية موحد روسيا "فلاديمير الكبير" (978م - 1015م) وكيف استعان بجيش من الفايكنج للتغلب على أخيه "ياروبلك" وانتزاع العرش منه، وكيف قمع المتمردين لينتهي الفيلم ببسط نفوذه امارات "روس الكييفية" واعتناقه للمسيحية وتقبلها بسعادة بالغة من قبل رعيته.

الفيلم رائع بشكل عام، ويستحق بالفعل ميزانيته الضخمة التي تعتبر ثالث أعلى ميزانية في تاريخ السينما الروسية. ولكنه مليء للأسف بالمغالطات التاريخية، وسأتناول ههنا تلك التي تتعلق بموضوع المقال فحسب؛ أي حقيقة علاقة موحد روسيا وسلالته بالفايكينج، وملابسات اعتناقهم للمسيحية.

يجد المتتبع للتاريخ أن الفايكنج قد نهبوا واستوطنوا مناطق عديدة في روسيا الحالية منذ القرن التاسع (بعض المصادر ترجع بذلك إلى القرن السابع) وكانوا يعرفون هناك باسم "الفارانجيون"،  وكانت الأسرة الحاكمة التي ينتمي إليها فلاديمير نفسه (أسرة روريك) من أولئك الفايكنج الذين استوطنوا مدينة نوفغورد ثم توسعوا، حتى جعلوا من مدينة كيف (عاصمة أوكرانيا حالياً) عاصمة لهم، وسميت إماراتهم بروس الكييفية، وكلمة "روس" تعني باللغة النوردية القديمة المجدف (اي الذين يقومون بالتجديف بالسفن) أي أن تسمية الروس الحاليين وأرضهم بهذا الأسم هو وصف اختص بالفايكنج هناك، ثم عم لاحقاً، ليشمل جميع القبائل السلافية في تلك المنطقة.

وكانت علاقة أسرة روريك بوطنهم الأم لا تزال قائمة زمن فلاديمير، حيث هرب في عام 976م إلى النرويج ليستعين هناك بأحد حكامها من أقربائه، وهو "لاديجارل هاكون سيغوردسون" الذي جهز له الجيش الذي عاد به. أي أنه، وعلى عكس ما حاول الفيلم أن يوهمنا، ففلاديمير نفسه لم يكن سلافياً، والفايكنج الذين استعان بهم لم يكونوا غرباء أكثر منه ومن أسرته نفسها.

وما يهمنا أكثر هو أن الدين الذي انجذب إليه فلاديمير في البداية لم يكن المسيحية، وبالتأكيد ليس بالطريقة العاطفية المؤثرة التي ظهرت بالفيلم.

فالحقيقة أن فلاديمير، وبعد أن استتب الأمر له، عزم على بناء أمة حقيقية من قبائل السلاف المتحاربة، ولكن كان لكل قبيلة اصنامها التي تعبدها . وادرك ان تعدد الالهة يمنعه من فرض سلطة الدولة المركزية على الجميع. لذا قرر أولاً توحيد دياناتهم عبر إنشاء معبد على ضفة نهر الدنيبر واختار له الآلهة "بيرون" ليكون الإله الرئيسي، ولكن هذا الامر لم يؤد الى ترسخ التوحيد في البلاد. وهو ما دفعه إلى التفكير بدين آخر أكثر مركزية وروحانية على غرار الأديان التي تعتنقها دول الجوار الأكثر تنظيماً.

لذا أرسل 4 بعثات إلى الأديان المشهورة آنذاك:

واحدة إلى بلاد الخزر لمعاينة اليهودية وواحدة إلى خوارزم لمعاينة الإسلام وواحدة إلى بيزنطية لمعاينة الأرثوذكسية وواحدة إلى المانيا لمعاينة الكاثوليكية (لم يكن "مارتن لوثر" (1483م-1564م)الذي حول ألمانيا إلى البروتستانتية قد ظهر بعد)  البعثة الوحيدة التي أقنعه ما سمعه منها هي بعثة خوارزم، كما أن أعضائها كانوا قد اعتنقوا الإسلام فعلاً، فقرر اعتناق الإسلام بدوره، وإعلانه الدين الرسمي للإمبراطورية الناشئة، ولكن في الاحتفال الذي جمع فيه أمراء جيشه والأعيان، كان حاضراً على المائدة الجعة والنبيذ، فنبهه أعضاء البعثة بأن الخمر محرم بالإسلام، فما كان منه إلا إعادة إرسال أحدهم إلى خوارزم لطلب استثناء من ذلك، حيث أن هدفه هو توحيد الشعوب السلافية، ولن يستطيع ذلك عبر دين يحرم عليهم الخمر  بما له من أهمية في عاداتهم وتقاليدهم وتدفئتهم من برد روسيا القارص.

وبالطبع رفض مشايخ خوارزم ذلك، فتحول إلى الأرثوذكسية، خاصة وأن البعثة التي عادت من بيزنطية قد أسهبت بالحديث عن هيبة وفخامة الكنائس والروح الاحتفالية لطقوسهم الدينية، الأكثر بهجة، والتي وجدها تتماشى أكثر مع عاداتهم وتقاليدهم. كما أن الإمبراطورية البيزنطية حليف لا يقل أهمية عن خوارزم، والمسيحية ليست غريبة على الشعب، حيث اعتنقتها جدته الأميرة "أولغا" عندما كانت وصية على والده الأمير "سفياتوسلاف" حتى بلغ سن الرشد (مع انها فشلت في إقناع ولدها وبقية أسرتها باعتناق المسيحية رغم جهودها المستميتة). وهكذا كان قرار اعتناق المسيحية قراراً سياسياً عسكرياً بلا أي اقتناع أو تأثير عاطفي، عكس ما صوره الفيلم، وإن كان هناك تأثير، لكان لجدته على ابيه وعليه طوال هذه المدة.

كما لا علاقة بحادثة الندم على التضحية البشرية بأحد المسيحيين وابنه ولا بزوجة أخيه المسيحية التقية التي أحبته (رغم أنه أن قتل زوجها غدراً)،  ولا بتفكيره المستمر بسماحة المسيحية وكرهه لسفك الدماء، حتى صوره الفيلم ضعيفاً متخاذلاً، وجعل كل عمليات القتل التي قام بها إما تبعها ندم شديد وتعذيب للنفس، وإما بدون إذنه، بل وبعضها لم يعلم بها أصلاً في وقتها كحادثة التضحية بالمسيحي وابنه، ومع ذلك جعلته يشعر بالندم بأكثر من قتله لأخيه!!! كما أن الشعب لم يتقبل المسيحية بتلك السعادة الجارفة التي ظهرت بالفيلم، بل أجبرهم فلاديمير عليها بقسوة شديدة لم يغفلها التاريخ.

ولكن الفيلم بشكل عام رائع جداً، وإخفائهم للحقائق فيه منطقي من وجهة نظرهم ومفهوم من قبلنا، سواءً عن تقبل الشعب آنذاك للمسيحية؛ باعتبار المسيحية هي دين الغالبية العظمى من الشعب الروسي حالياً، أو عن تقوى فلاديمير؛ باعتباره قديساً كما طوبته الكنيسة لاحقاً. أو حتى عن عدم التطرق إلى الأصل الفايكنجي (بما توحيها التسمية من صفات أصبحت مذمومة لاحقاً) لأسرة روريك الحاكمة التي أنشأت روسيا كدولة؛ باعتبارها اندمجت مع السلافيين تماماً بمرور الوقت، والأهم باعتبارها الأسرة التي حكمت الإمبراطورية الروسية الفترة الأعظم من تاريخها؛ منذ قيامها، وحتى انتقال الحكم منها إلى أسرة رومانوف سنة 1613م.