قبل أيام قليلة؛ اخُتتِمَت في العاصمة الكازاخية نور سلطان (أستانا سابقًا)، الجولة الرابعة عشر من المحادثات حول الأزمة السورية دون نتائج تُذكر، فالاجتماعات التي امتدت ليومين وبحضور وفدي حكومة نظام الأسد وفصائل المعارضة، وتحت وصاية الترويكا الضامنة، وهي روسيا وتركيا وإيران، لم يتغير فيها عن الاجتماعات الـ 13 السابقة سوى الصور التذكارية التي تُلتقط في بداية ونهاية دورة التفاوض، والبيان الختامي المكرر الذي يُعَاد ترتيب فقراته ليس أكثر ولا أقل، وهذا طبيعي جدًا في ظل التصعيد الميداني على الأرض، فصوت السلاح هو الذي يفرض خريطة التموضع ومناطق النفوذ وحسابات الربح والخسارة، لكن بالرغم من ذلك فإن أطراف التفاوض قرروا في ختام جلستهم الأخيرة بأن يعقدوا جولة جديدة من المباحثات تحت اسم "أستانا 15" في مدينة نور سلطان في مارس من العام المقبل. فما الفائدة من هذه المفاوضات التي تشبه الضجيج الذي بلا طحن؟، هل هذه المفاوضات مجرد عامل لتضييع الوقت بهدف تمكين الطرف الأقوى على الأرض من فرض سيطرته والتعامل معه لاحقًا بحكم الأمر الواقع؟

ففي كل جولة من جولات التفاوض يتم التأكيد على أن المشاركين والضامنين يسعون جميعًا للحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وأنهم يرفضون مبادرات الحكم الذاتي غير المشروعة، في إشارة إلى الإدارة الذاتية التي أقامها الأكراد بحكم الأمر الواقع في شمال شرق سوريا، لكنهم في نفس الوقت ينسون، أو يتناسون، أن الأرض السورية مقسمة بالفعل الآن بين مناطق نفوذ نظام الأسد وحلفاءه الروس والإيرانيين، ومناطق نفوذ للمعارضة، ومناطق نفوذ للأكراد وحليفهم الأمريكي قبل أن يتخلى عنهم، ومناطق نفوذ للأتراك بعد تدخلهم في الشمال السوري، هذا بخلاف الجولان الذي تحتله إسرائيل، ومناطق نفوذ تنظيم الدولة، والتي رغم تحريرها من سطوته إلا أن التقارير تتحدث من وقت لآخر عن إمكانية إعادة التنظيم لتشكيل صفوفه واستعادة الأراضي التي فقدها.

لا تغفل البيانات الختامية أيضا التنديد بالهجمات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، رغم أن هذا رقم صعب للجميع، فبالرغم من حجة المتفاوضين السليمة بأن هذه الهجمات تنتهك القانون الدولي وتقوض السيادة السورية وأمن وسلامة الدول المجاورة، لكن لا أعراف قانونية دولية يتم احترامها في الميدان السوري المفتوح لجميع القوى منذ سنوات، فما الذي سيجبر الإسرائيليين الضاربين بكل أعراف المجتمع الدولي عرض الحائط في أراضي فلسطين المحتلة أن يحترموا تلك الأعراف في سوريا؟!، وفي البيان الختامي لـ "أستانا 14" تم التعبير عن رفض الاستيلاء والتوزيع غير المشروعين لعائدات النفط السوري، التي ينبغي أن تعود إلى الجمهورية العربية السورية، وهذا أيضا رفض لا علاقة له بالواقع ولا يعدو كونه كلام تملئ به صفحات البيان الختامي فحسب، فالرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" قالها صراحةً "نفط المنطقة بيدنا ونفعل به ما نشاء"، في إشارة الى إعلان واشنطن تمركز جنودها المتبقين في سورية لحماية المواقع النفطية، وسبق وأن نشرت وزارة الدفاع الروسية صورًا بالأقمار الصناعية وتقارير تفيد بأن واشنطن تسرق النفط السوري و تبيعه بـ 30 مليون دولار شهريًا.

في إطار مسلسل المفاوضات المتعلقة بالأزمة السورية والذي لا ينتهي، لا يمكن إغفال السلسلة الأولى من هذا المسلسل، وهى جولات "جنيف" للتفاوض، والتي خلالها ظهر مصطلح السلال الأربع، وهي هيئة الحكم الانتقالي، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب، وهذه الأخيرة هي التي ركز وفد النظام الأسدي عليها، رغم أن هذا الملف لم يكن مدرجاً في القرار الأممي 2254 الذي على أساسه بدأت مفاوضات جنيف، لكن النظام سعى طوال سنوات الثورة السورية لوصمها به، وبعيدًا عن ذلك؛ ما الذي استفادته الأزمة السورية من هذه الجولات المتعددة لمفاوضات جنيف؟، الواقع أن المعارضة قد انقسمت على نفسها فظهر ما يُعرف بمنصتي موسكو والقاهرة المقربتين من روسيا ومصر، والمقربتان من النظام في الوقت نفسه، وبدأ النظام يتحجج بأنه لا طرف موحدًا يفاوضه، وأن على المجتمع الدولي الانتهاء من عملية توحيد المعارضة ليشرع في مناقشة سلات جنيف الأربعة، فعكفت المعارضة على توحيد وفدها بالتفاوض مع منصتي القاهرة وموسكو في الرياض، وتشكيل وفد موحد قبل "جنيف" ليأتوا إلى المفاوضات سوية، فظهرت منصة الرياض!، وتواصلت جلسات التفاوض غير المباشرة حتى وصلت إلى 9 جولات دون التوصل إلى أي نتيجة حقيقية.

أعقب جنيف سلسلة أخرى، لكنها لم تحظى بنفس العدد مثل سابقتها "جنيف" أو لاحقتها "أستانا"، وهى مفاوضات "سوتشي"، فالمنتجع الروسي الخلاب قد حظى بحضور رؤساء دول روسيا وإيران وتركيا، حيث تم التباحث بخصوص (مؤتمر الحوار الوطني السوري-السوري) وتعزيز وقف إطلاق النار، وزيادة المساعدات للمتضررين من الحرب، تم إعتبار جولات "سوتشي" خطوة مساندة لعملية "أستانا" التي تم بموجبها خفض التصعيد في عدة مناطق سوريا وكان هذا هو إنجازها الوحيد حتى الآن، وكان المستغرب في لقاءات "سوتشي" أنها لا تحظى بتواجد أي طرف سوري!، وكانت كل التقارير والتكهنات تشير إلى أنها خطوة للالتفاف على مقررات جنيف التي تقضي برحيل الأسد، إلى أن جاء تصريح مبعوث الكرملين الخاص إلى سوريا "ألكسندر لافرنتيف" ليقطع كل الشكوك، بقوله إنه "لا مكان في سوتشي لمن يطالب بالرحيل الفوري لبشار الأسد"، وبالفعل فقد نجحت لقاءات "سوتشي" في فصل المسار السياسي عن المسار العسكري، وتمييع مبادئ "جنيف"، وجعل محادثات "أستانا" هي البديل لها، والأسوأ أن مفاوضات "أستانا" قد باتت تختص بخفض التصعيد وتبادل الأسرى والمعتقلين فقط، ولا حديث عن المستقبل السوري أو خريطة إنهاء الأزمة.

بعيدًا عن جلسات التفاوض التي لا تنتهي؛ فإن الأزمة السورية قد شهدت 3 مبعوثين أممين، استقالوا جميعًا دون إحراز أي تقدم يُذكر، أولهم كان "كوفي عنان" الذي تولى المهمة كمبعوث من الأمم المتحدة والجامعة العربية في فبراير 2012م، ولم يدم بقائه في المنصب سوى 6 أشهر، لم يحرز فيها سوى عدة مقابلات مع "بشار الأسد"، وتقديمه خطة سلام مقترحة تقوم على وقف إطلاق النار، ثم عملية انتقال سياسى وانتخابات جديدة، أعقبه في المهمة الجزائري "الأخضر الإبراهيمي"، والذي باءت محاولاته أيضا بالفشل، وإن كان قد أحرز بعض التقدم قبل أن يستقيل في مايو 2014م، فهو الذي نجح فى تنظيم أول جلسة مفاوضات بين الطرفين، والتي من حينها مازالت جولاتها مستمرة دون أي نتيجة، وأعقبه الإيطالي "ستيفان دي ميستورا" الذي استمر فى المنصب مدة أطول من سابقيه "4 سنوات و4 أشهر" وخلال هذه المدة أشرف على العديد من حلقات التفاوض في جنيف وأستانا وسوتشي وفينينا، وجميعها كانت بلا نتائج واضحة، قبل أن يعلن في أكتوبر 2018 استقالته. لقد مرت سنوات طويلة متواصلة من المفاوضات والسعى لتقريب وجهات نظر المتفاوضين الذين اتفقوا قبل أن يجتمعوا على ألا يتفقوا أبدًا، وفي الإطار يستمر النزيف السوري وتتواصل الخسائر المادية والبشرية، ويستمر التقاط الصور التذكارية تخليدًا لذكرى المفاوضات الفاشلة.