مع وصول المفوضات بين طالبان والولايات المتحدة إلى مراحل متقدمة تمهيدا للانسحاب الأمريكي من أفغانستان تثار تساؤلات حول الموقف القوي الذي يظهر به ممثلو حركة طالبان أمام المفاوضين الأمريكان وكذلك أمام الوسطاء بلغت حد رفضهم الجلوس مع ممثلي الحكومة الأفغانية حيث ترى طالبان فيها مجرد دمى تتحكم فيها الولايات المتحدة.

لقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية لإجبار طالبان على الجلوس في مفاوضات مباشرة مع الحكومة الأفغانية ولكن فشلت هذه المحاولات سواء بالقوة العسكرية أو المناورات السياسية.

ولكن الحرب الأمريكية في أفغانستان باهظة التكاليف على الخزانة الأمريكية ففي ذروة هذه الحرب بين عامي 2010 و2012 حين تواجد في أفغانستان ما يزيد على 100 ألف جندي أمريكي وصلت تكلفتها على الخزانة الأمريكية ما يقرب من 100 مليار دولار سنوياً.

وبوصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية والذي تنبع سياسته الخارجية والداخلية عموما من منطلق التجارة البحتة التي يجيدها كثيرا فإن وتيرة المفاوضات مع طالبان تسارعت بشكل ملحوظ رغبة منه في انهاء الملف الذي يستنزف أمريكا ماليا بدرجة خطيرة.

تبدو المشكلة في الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في عدم وثوقها حتى الآن في طالبان في أنها مستقبلا لن تجعل من أفغانستان مرة أخرى ملاذا آمنا للحركات التي تصنفها أمريكا إرهابية والتي تسبب خطورة على الأمن القومي الأمريكي وللك تحاول أمريكا الإبقاء على الحكومة الأفغانية العميلة لها كجزء من الحكم في كابول بالمشاركة مع طالبان وهذا ما تصر طالبان على رفضه ويبدو أنها نجحت مؤخرا في اقناع الجانب الأمريكي المتعجل بالانسحاب باستبعاد هذه الحكومة الموالية...

ولكن يبقى السؤال الأهم هل تدير قيادات طالبان التي تحضر الاجتماعات مع الأمريكان هذه المفاوضات بنفسها؟ وهل يمتلك هؤلاء القادة هذه الخبرات؟ أم أن هناك طرفا آخر محنكا يقف وراء طالبان ويشجعها على الثبات وله أجندة في وصول طالبان إلى الحكم مرة أخرى؟

تشير تقارير صحفية كثيرة وخاصة في وسائل الاعلام الأمريكية إلى وقوف باكستان وراء طالبان منذ نشأتها وحتى بعد سقوطها في أعقاب الحرب الأمريكية عليها عام 2001.

ما أهمية أفغانستان بالنسبة لباكستان؟

تتكون استراتيجية الأمن القومي الباكستاني من ثلاثة دعائم رئيسة: الحفاظ على السلاح النووي والمطالبة باسترداد كشمير وتوسيع النفوذ لأفغانستان لتكون حائط صد خلفي في أي حرب محتملة مع الهند العدو التاريخي مع الأمة الباكستانية.

وبدأ الاهتمام الباكستاني يتزايد بأفغانستان مع وصول ضياء الحق للسلطة الذي تزامن مع الاجتياح السوفيتي لهذا البلد فحرصت الحكومة الباكستانية وبالذات المخابرات الباكستانية على أن يتم الدعم الأمريكي أو غير الأمريكي للمجاهدين في أفغانستان في تلك الحقبة عبرها فقط  لضمان أن يكون الموقف يتم متوافقا مع الإستراتيجية الباكستانية للمنطقة فكانت الأموال والأسلحة تأتي فقط من الخارج ولا يسمح لعميل أجنبي بالاتصال بالمجاهدين إلا إذا كان فصيل خارج عن طوع باكستان مثل مجموعة  أحمد شاه مسعود كما شاركت تلك المخابرات بتدريب المجاهدين وفتح المعسكرات لهم بل أدارت عمليات المقاتلين داخل أفغانستان.

وكان لباكستان الفضل في تأسيس تحالف الفصائل السّبعة للمجاهدين.

ولكن في أعقاب الانسحاب السوفيتي تراجع الدعم الأمريكي بل سار في اتجاه معاكس ضد باكستان التي كانت تهم بصنع قنبلتها النووية وينقل الصحفي أحمد موفق زيدان المرارة التي كان يشعر بها الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق من ذلك التصرف الأمريكي حيث كان يكرر على مسامع من يلتقيه المثل الباكستاني المعروف: إن تعاملنا مع الأميركيين في أفغانستان كتاجر الفحم فهو لا ينال من تجارته إلاّ سواد الوجه واليدين.

ثم برزت طالبان عام 1994  فكانت الأمل بالنسبة لجهاز المخابرات الباكستاني لاستعادة إستراتيجيته  في أفغانستان فدعم الحركة وكان على رأس عملاء الجهاز في هذا الأمر ما اشتهر بلقبه الحركي العميد إمام واسمه الحقيقي أمير سلطان طرار وعين كقنصل عام لباكستان في قندهار ثم في هرات وإمام كان له دور تاريخي في مساعدة المجاهدين ضد الروس في السابق وبعد ذلك قاد عملاء المخابرات الباكستانية لدعم طالبان وأمدهم بالسلاح اللازم لبسط سيطرتهم على جميع أنحاء أفغانستان ووفق بعض المصادر الغربية فقد كان إمام ملتحيا ويتقلد العمامة الأفغانية  .

وتنفي المخابرات الباكستانية دورها في إنشاء طالبان أصلا ولكن لا تنفي دعمها بعد ذلك وهذا ما يثبته قول الجنرال حميد غول مدير المخابرات الباكستانية الأسبق في حديث صحفي له حيث ذكر فيه: إن من الخطأ اعتبار المخابرات مسئولة عن تأسيس طالبان... إنها رد فعل في أفغانستان آنذاك.

وفي أوائل عام 1996 عندما كانت بنازير بوتو في ولايتها الثانية كرئيسة للوزراء أصبحت تشعر بالقلق من صلات باكستان القوية مع طالبان ومن هيمنة وكالة الاستخبارات الباكستانية على السياسة الأفغانية وجرت دعوة اجتماع لكبار مسئولي الحكومة لمناقشة الانسحاب من العلاقة مع طالبان وطالب الجنرال جيهانجير كرامات رئيس القوات المسلحة بإيقاف نشاطات الوكالة داخل أفغانستان. وقال أعضاء مدنيون في الحكومة انه إذا ما سحبت باكستان دعمها فان طالبان ستنتهي وفقاً لعرض موجز قدمه أحد المشاركين في ذلك الاجتماع.

وقد انتصرت وكالة الاستخبارات ولم تنسحب باكستان وفي الأشهر اللاحقة حققت طالبان انتصارات هامة في ميدان المعركة حيث استولت على هرات وجلال آباد والعاصمة كابل بحلول خريف عام 1996. وتقول مصادر غربية أن وكالة الاستخبارات الباكستانية قد قامت بتدريب حوالي ثلاثة وثمانين ألفا من المجاهدين الأفغان بين عامي 1983 و1997.

وفي سبتمبر عام 1999 استدعي المدير العام لوكالة الاستخبارات الباكستانية الجنرال ضياء الدين وشقيق رئيس الوزراء شاهباز شريف إلى واشنطن حيث أبلغهما مسئولون أميركيون أن على باكستان أن ترغم طالبان على تخفيف مواقفها وتسليم بن لادن.

وذكر مسئولون باكستانيون انه عندما عاد المبعوثان أرسل رئيس الوزراء نواز شريف الجنرال ضياء الدين إلى قندهار لإيصال الرسالة الأميركية إلى الملا عمر الذي رفضها.

ولكن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حملت الإدارة الأمريكية تنظيم القاعدة المسئولية عن هذه الهجمات كما حملت الحكومة التي تحميها (طالبان) جزء من هذه المسئولية وبالتالي طال هذا الوضع باكستان أيضا فتعددت الضغوط من أمريكا على باكستان لدرجة أنها هددتها بالمحو من الوجود إن لم تقف معهم فاضطر مشرف إلى التضحية بركيزة من الركائز الثالثة للأمن القومي الباكستاني وهي أفغانستان في سبيل الحفاظ على الركيزتين الأخريين وهما السلاح النووي وقضية كشمير.

وفي يوم 17 سبتمبر 2001 وقبل الضربة الأمريكية على أفغانستان أرسلت باكستان بضغط أمريكي رئيس مخابراتها الجنرال محمود أحمد للقاء الملا عمر في قندهار لإقناعه بتسليم ابن لادن وأصر الجنرال على أن يدخل للمقابلة مع الملا عمر وحيدا وبعد الاجتماع قالت الصحافة الغربية أن محمود طلب من الملا عمر الثبات على موقفه وعدم الخضوع للضغط الأمريكي الأمر الذي أدى إلى اقالته بعد ذلك بناء على نصيحة أمريكية.

ولكن الأخطر ما في هذه العلاقة ما جرى في عام 2010 عندما اعتقلت القوات الباكستانية ما يقرب من نصف قيادة حركة طالبان في افغانستان وهم ما يسمى بمجلس شورى كويتا بما في ذلك القائد العسكري لحركة طالبان أفغانستان الملا عبد الغني برادار وقد فسرت صحيفة نيويورك تايمز هذا الاعتقال حينها بأنه من أجل افشال محادثات سرية أجرتها الحركة مع كابول ونقلت عن مسؤول أمني باكستاني قوله: نحمي طالبان التابعين لنا ولن نتركهم يبرمون اتفاقاً مع الرئيس الافغاني حميد كارزاي والهنود.

وتمضي الصحيفة لتدلل على كلامها فتقول إن أجهزة الأمن الباكستانية قد أطلقت معظم القادة الـ 22 الذي اعتقلتهم بعد أسابيع من توقيف الملا برادر الذي يعيش اليوم بحسب نيويورك تايمز في منزل مريح وفرته أجهزة الاستخبارات الباكستانية.

وبهذا يتضح أن باكستان لها دور كبير في ادارة حركة طالبان ولعلها هي السر في بقاء الحركة صامدة حتى هذا اليوم.