ظهرت البكتاشية، كطريقة صوفية في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، في منطقة الأناضول وآسيا الصغرى، وهي تنسب إلى حاجي بكتاش ولي الخراساني النيسابوري (647- 738هـ)، وسيرته أقرب إلى الأسطورة من الحقيقة المؤكدة، وحظيت هذه الطريقة بالدعم من قبل السلطان أورخان، ثاني سلاطين آل عثمان (726-761هـ)، فقد بنى لها العديد من التكايا، التي كانت تستخدم لإطعام وإيواء المحتاجين، فكان هذا من أهم أسباب انتشارها، بين الأتراك الزاحفين على الأناضول، والقادمين من صحاري وسهوب تركستان (بلاد ما وراء النهر)، والحديثي عهد بالإسلام.  

وبعد وفاة السلطان بايزيد الأول، رابع سلاطين آل عثمان (791– 805هـ) دبَّ النزاع والشقاق بين ولديه محمد تشلبي، وموسى تشلبي، على منصب السلطنة، وكانت زعامة الطريقة البكتاشية، قد آلت، حينذاك، إلى قطب صوفي، يٌدعى الشيخ بدر الدين، فانحاز هذا الشيخ وأتباعه، إلى صف موسى تشلبي، فقربه هذا إليه، وجعله قاضيا للعسكر في جيشه، لكي يستفيد من مريديه الكثرين في حربه ضد أخيه.

وكان الشيخ بدر الدين هذا، قد أنهى دراسته في مدينتي بورسا وقونية في الأناضول، وذهب إلى الشام ومصر، اللتين كانت لا تزال تنتشر فيهما تعاليم الباطنية، لاستكمال العلوم الدينية . وكان مريدا لأحد شيوخ الصوفية في مصر، لمدة من الزمن . وبعد ذلك عاش مدة في إقليم الإسكندرون بين أتباع المذهب المسمى " أهل الحق"، الذين كانوا شيعة غلاة، يعتقدون بإلوهية علي بن أبي طالب، وهم المعروفون حاليا باسم (النصيريين)، ثم سافر إلى تبريز وقزوين من أجل التعرف أكثر على فن تربية المريدين ورعايتهم وزيارة زوايا الشيوخ، وكل ذلك قبل أن يتبوأ زعامة الطريقة البكتاشية، ويصير قاضيا للعسكر في جيش موسى تشلبي أثناء حربه ضد أخيه محمد شلبي على منصب السلطنة.

وعندما انتصر محمد شلبي، وأمسك بزمام الأمور في الدولة العثمانية، وانتهت الفتنة بقتل أخيه موسى شلبي، قام هذا السلطان، بعزل الشيخ بدر الدين من منصبه، ونفاه إلى مدينة في غرب الأناضول تُدعى " أزنيك "، وجعله رهن الإقامة الجبرية، لكنه، مع ذلك، خصص راتبا له ولأسرته، وأبقاه معززا مكرما في بيته، بل إنه ترك له الحرية في تدعيم علاقته الروحية، بمريديه وتوطيدها.

وكان هناك معاونان للشيخ بدر الدين في إدارة الطريقة البكتاشية، أحدهما يسمى "طورلاق كمال " والآخر يدعى " دده مصطفى"، أي الخليفة مصطفى، وكان قد عينهما مساعدين له عندما وصل إلى قاضي العسكر في جيش موسى شلبي . وبعد أن عُزل، انتقل كلاهما إلى غرب الأناضول، الأول إلى منطقة تدعى " مانيسة " والآخر إلى منطقة تدعى " قرة بورن"، وظلت علاقتهما قائمة بالشيخ بدر الدين، بل واستمر كل منهما يدعو لزعامة هذا الشيخ، في منطقته. وخلال إقامته في منفاه بأزنيك قام الشيخ بدر الدين بتدوين عقائده في كتاب أطلق عليه اسم " الواردات "، وكانت طريقة تصوفه خليطا من " وحدة الوجود " عند ابن عربي و " عبادة المسيح " عند النصارى و " تقديس علي " عند أهل الحق)النصيرية(، و " عبادة الأسلاف " عند التتر.  وكان يعتقد أن شيخ الطريقة يحمل روح الله ، وأنه ذات معصومة ومنزهة وواجبة الوجود وواجبة الطاعة، وتدور كل الكائنات في مدار إرادته، ونظام أمر العالم في يده ، وله "الولاية المطلقة" على البشرية.. وأسقط عن أتباعه العبادات كالصلاة والصيام والحج بتأويله الباطني للأحكام الشرعية.  وأباح لهم المحرمات كالخمر والزنا، وغير ذلك.  وكان الأمر الوحيد الواجب في طريقته هو " محبة الإمام علي" و " الطاعة المطلقة للشيخ " و " الجهاد لنشر الدين "حسب فهمه للجهاد طبعا.

وكان خليفته يطلب من الأشخاص الذين يلتحقون بطريقته، حتى يدخلوا في سلك مريديه أن ينسلخوا تماما عن عقائدهم السابقة، وأن يتوبوا عن كل الأعمال التي فعلوها في الماضي، وأن يجعلوا " محبة علي " و " محبة الشيخ بدر الدين" أساس اعتقادهم، وأن يبايعوه على ألا يخرجوا على طاعة الشيخ في أي وقت، وألا يتوانوا عن تنفيذ أوامره، وأن لا يولوا الأدبار عند أي خطر.  وكان أغلب هؤلاء المريدين من الأتراك حديثي العهد بالإسلام، الذين لم يكن لهم اهتمام بالأحكام الإسلامية، وأصبحوا مسلمين بالاسم فقط.

وصنع الشيخ بدر الدين خلال إقامته الإجبارية في أزنيك خطة لاستيلاء البكتاشية على السلطة السياسية في الدولة العثمانية، بمساعدة خليفتيه دده مصطفى وطورلاق كمال، وخرج من مدينة أزنيك في آخر عام من القرن الثامن الهجري، أي سنة 799هـ، بإذن من السلطان العثماني محمد شلبي، بحجة السفر للحج إلى بيت الله الحرام، وذهب إلى منطقة في القسم الأوروبي من الدولة العثمانية المعروف بـ "روملي الشرقية "، وكانت هذه المنطقة قريبة من العاصمة العثمانية، واستقر في ذلك المكان حتى يبدأ ثورته المنتظرة من هناك، وكانت جماعات كبيرة من البكتاشيين من مريديه يقيمون في هذا المكان.

ثار الشيخ بدر الدين ودده مصطفى وطور لاق كمال وأظهروا العصيان والتمرد في ثلاث مناطق في وقت واحد طبقا للخطة التي كانوا قد أعدوها مسبقا، فقتل دده مصطفى قائد أزمير في الحرب، وهزم القوة العثمانية الأخرى التي كانت تحت إمرة أمير صاروخان، وأعمل الغارة والقتل والسلب والنهب في المنطقة.

وحقق طور لاق كمال بدوره انتصارات في مانيسة، وأقام مذبحة للسنة، مثلما فعل دده مصطفى، وبسط يده بالإغارة والسلب والنهب والقتل.

واتسعت دائرة حركة تمرد الشيخ بدر الدين، ضد السلطان محمد تشلبي، وتحولت إلى عصيان عام للشيعة البكتاشية في سائر الأناضول، وشارك فيها الكثير من النصارى واليهود، وفي مقدمتهم عددا من القساوسة والحاخامات، لدرجة أنها كادت أن تطيح بالدولة العثمانية.

أرسل السلطان محمد تشلبي جيشا عظيما بقيادة بكلربك والصدر الأعظم) رئيس الوزراء( والأمير مراد ولده  لمواجهة المتمردين، ونجح هذا الجيش في سحق تمرد دده مصطفى وطورلاق كمال الواحد تلو الآخر مع التضحية بخسائر فادحة، وألقي القبض على دده مصطفى وطورلاق كمال وتم إعدامهما، وانهزم الشيخ بدر الدين بعدهما وألقي القبض عليه.

ونظرا لكثرة أتباعه ومريديه المغترين به، حتى في الجيش العثماني ذاته، فقد أقيمت له محاكمة علنية لكي يظهروا لهم حقيقته، وأنه ليس سوى دجال من الدجاجلة المحتالين.

واتهم الشيخ بدر الدين في هذه المحاكمة بالارتداد عن الإسلام ، وخداع المسلمين، وتضليلهم والتمرد من أجل زعزعة سلطان المسلمين، وحكم عليه بالموت، وشنق في عام 1420م.  وعلى إثر ذلك حظرت هذه الطريقة، وصار أتباعها هدفا للمطاردة، وعُلق الكثيرون منهم على أعواد المشانق، وقام كثيرون من أتباع هذه الطريقة، فيما بعد، بالانضمام إلى الطريقة الصفوية، وصاروا من أتباعها وكانوا وقود حروبها ضد العثمانيين وأهل السنة.