علق المجتمع التونسي ما بعد "ثورة الياسمين" التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2011، في دوامة فساد أضحت تتمدد من طبقة الحكم القديمة إلى جميع أركان المجتمع. تلك الظاهرة التي تسببت في تأخر حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتعطل الحالة التنموية للبلاد و زيادة أعمال عنف لا يمكن أن تتقدم بهذه السرعة دون رعايتها من أباطرة الاقتصاد التونسي الذين احتفطوا  بنفوذهم الكبير على الحالة السياسية في البلاد، سواء من خلال نفوذهم داخل مؤسسات الدولة أو الواجهات البرلمانية التي تمثلهم.

في سبتمبر المنصرم قدم الرئيس التونسي الباجي القايد السبسي مشروع قانون للبرلمان للتصويت عليه، ينص على العفو عن العديد من رجال الأعمال المتهمين بقضايا فساد منذ زمن "بن علي"، ورغم الجدل الذي أثاره القانون إلا أنه يعبر عن حالة العجز التي أصابت أركان الدولة التونسية ففي ظل مبادرات أهلية لإصلاح ما أفسده الدهر، و سخط مجتمعي كبير على أداء الحكومات المتعاقبة، إلا أن صانع القرار الحقيقي المتمثل في حزب نداء تونس يصر على مواصلة نهج لا ينقطع عن أركان الفساد السابقين في الدولة وهذا الأمر يشكل عقبة كبيرة أمام صناعة الاستقرار السياسي في البلاد، ففي عام 2010 وضع مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية تونس في المرتبة 59 من بين 178 بلداً وفي عام 2016 هبطت تونس إلى المرتبة 75 من أصل 176 بلداً، وهذا يعني أن مؤشر الفساد رغم التغييرات الكبيرة التي جرت يزداد صعوداً!.

في تقرير نشره معهد كارنيجي لنحو عقدين من الزمان كان لدى عائلة بن علي والطرابلسي الإحتكار الحصري للفساد في مؤسسات الدولة، سواء من خلال تدقيق الحسابات الضريبة للسيطرة على الناس أو من خلال استغلال موظفي الجمارك كعملاء لها، لكننا اليوم أصبحنا نرى الفساد ظاهرة تشمل كافة شرائح المجتمع وليس حكراً على جهة أو أحد.

 في دراسة للمعهد الجمهوري الدولي(IRI) يتضح أن 17% من التونسيين عانوا من الفساد في المستشفيات، و 13% من شرطة المرور، و 8% من المحاكم،و8%  من المدارس الرسمية، و 6% من الشركات الخاصة، ووفقاً للدراسة فإن 64% من التونسيين يعتقدوا أن إمتلاك شخص على علاقة مقربة وجيدة يمكنه أن يحقق الثراء الشخصي، أكثر من اعتماده على الذكاء.

حيث تقدّر بعض الدراسات أنه في العقد السابق للثورة، خسرت تونس، في المعدل، مبالغ توازي 2 في المئة من ناتجها المحلّي الإجمالي سنويا. هذا علاوةً على أن بيروقراطية تونس المعقّدة واللوائح التنظيمية ثقيلة الوطأة، تكلّف الشركات 13 في المئة من عائداتها.

عقب تشكيل لجنة المصادرة التي استحدثها المرسوم 2011-13 في 14 مارس 2011. استولت هذه اللجنة على 550 ملكية، و48 قارباً ويختاً، و40 محفظة أسهم، و367 حساباً مصرفياً، و400 مؤسسة قٌدِّرت قيمتها بنحو 13 مليار دولار (أي مايوازي 25 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي التونسي في 2011)، وكذلك مبلغ 28.8 مليون دولار كان مُودَعاً في حساب يحمل اسم السيدة ليلى بن علي  في مصرف لبناني.

وعلى الرغم من وجود مبادرات من قبل الحكومة التونسية لمصارحة الجمهور فيما يتعلق ببيانات الاقتصاد إلا أن تلك الحالة خطوة يوضع أمامها عقبات  لإبطاء تأثيرها لا سيما أنها تربك حسابات لوبيات تعمل لنهب ثروات القطاع العام، لا سيما في ظل الضعف  الذي  تعانيه الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بسبب قلة الموارد و الموظفين و تعطل عجلة القضاء وتفاعلها مع التحقيقات التي يتم إنجازها، ففي الفترة بين 2014 و2015، لم تحقّق الهيئة سوى بـ400 قضية من أصل 9000 قضية مُدرجة في جدول أعمالها.

هناك العديد من الإجراءات التي يجب على الحكومة التونسية اتباعها للتخلص من الفساد المتراكم منذ عقود، بدايتها من القضاء على البيروقراطية المتبعة داخل المؤسسسات العامة و إنجاح عملية الرقمنة فيها، بالإضافة إلى تحفيز مؤسسات مكافحة الفساد و مساندتها قضائياً وعدم شخصنة ملفات الفساد، والسعي لتنمية الوعي الاجتماعي بخطورة الفساد على أمن و اقتصاد المجتمع.