في مايو 2000م سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إحياء نفوذ الكرملين في شمال افريقيا، تدعيماً لمصالح بلاده الاقتصادية و جيوستراتيجية واستعادة نفوذ روسيا في الشرق الأوسط الذي تعتبره موسكو ورقة في وجه التغول الأمريكي في العالم.

كان " الربيع العربي" والفوضى التي سادت عقبه، فرصة ذهبية و لعبة زمنية بالنسبة لروسيا والولايات المتحدة على حد سواء لإعادة ترتيب المنطقة بما يتناسب مع مصالح كلا منهما، فهناك شراكات عسكرية كبيرة تقيمها واشنطن في المنطقة بالإضافة إلى مشاريع الطاقة والبنة التحتية  والمصالح الأمنية لكل جهة في الشرق الأوسط.

في ليبيا شجع تقدم خليفة حفتر على الأرض بدعم إقليمي،  روسيا لطرح نفسها كداعم للاستقرار في ليبيا سواء كان هذا الاستقرار سيأتي من خلال حكومة الوفاق بزعامة فايز السراج أو بزعامة القائد العسكري خليفة حفتر، وإظهاراً لشغفها بتعميق العلاقات مع الأطراف الليبية عقدت موسكو صفقات لشراء النفط من المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، تبع تلك الخطوة دعوة حفتر لزيارة موسكو بصورة متكررة حتى رست حاملة الطائرات الروسية " الأميرال كوزنستوف" قبالة سواحل طبرق وعلى متنها وزير الدفاع الروسي، بالنسبة لموسكو فإن ليبيا التي تمتد سواحلها لأكثر من 1700 كيلومتر قبالة حدود أوروبا الغربية ورقة رابحة من الناحية العسكرية في حال سمحت ليبيا لموسكو بإنشاء قاعدة بحرية في تلك المنطقة تعزز نفوذ موسكو في وجه حلف الناتو، والولايات المتحدة في البحر المتوسط.

كذلك حاولت موسكو تدعيم علاقتها بالجزائر منذ عام 2001 عندما وقعت إتفاقية للشراكة الاستراتيجية وعام 2006 وقعت إتفاقية عسكرية بين الطرفين بقيمة 7.5 مليار دولار، كانت تلك الصفقة مقدمة لتعاون أمني غير مسبوق لملاحقة الجماعات "الإرهابية" وتبادل المعلومات الاستخبارية بين الطرفين في شمال افريقيا، وتستفيد روسيا من هذه العلاقة على الصعيد الاقتصادي على اعتبار أن الجزائر من كبرى الدول المصدرة للغاز المسال إلى أوروبا، وقد نجحت رويا في الحصول على عقود للتنقيب عن النفط والغاز هناك.

عقب الأزمة التي شهدتها العلاقات المصرية الروسية إثر انفجار الطائرة الروسية فوق الأجوء المصرية في أكتوبر 2015م، أوقفت روسيا إرسال مواطنيها بغرض السياحة في مصر، وتحولت وجهت الكثيرين منهم إلى تونس التي أشارت إحصاءات محلية إلى أن 600 ألف سائح روسي زار تونس عام 2016م، وهذا العدد كان بالنسبة للحكومة التونسية هبة روسية تنم عن رغبة في تطوير هذه العلاقة بين الجانبين حيث تبعها خطوات أخرى على صعيد التعاون العسكري و الأمني، أما بالنسبة للمغرب فقد استثمرت روسيا الأزمة الدبلوماسية بين الحكومة المغربية و نظيرتها الأمريكية بسبب موقف الأخيرة من قضية الصحراء الغربية، وسعت موسكو لتعزيز علاقتها بالمغرب، فقد زار العاهل المغربي محمد السادس موسكو واجتمع مع الرئيس الروسي فلادمير بوتين في عام 2016م و فتح هذا اللقاء المجال أمام توقيع إتفاقيات بين البلدين في مجالات مثل الزراعة و الطاقة و الأمن.

من خلال تتبع حركة العلاقات الافريقية الروسية فإن روسيا تحاول من خلال تعزيز مجمل علاقاتها في منطقة شمال إفريقيا تحقيق عدة غايات أبرزها إنشاء قواعد عسكرية تحقق لها النفوذ والضغط على الحدود الساحلية لأوروبا الغربية من خلال السيطرة على البحر المتوسط، لا سيما أن دول أوروبا الغربية هي الداعم الأبرز لحلف شمال الأطلسي" الناتو" الذي يواجه موسكو بزعامة واشنطن في أوكرانيا.  لا سيما وأن موقع "I24NEWS" قد نقل في مارس الماضي، عن مصادر أمريكية قولها بأن روسيا أرسلت قوات خاصة لقاعدة جوية مصرية في سيدي براني الواقعة على ساحل المتوسط على مسافة 95 كيلومترا من الحدود المصرية الليبية وعلى مسافة 240 كيلومترا من مدينة طبرق الليبية حيث مستودعات النفط الليبي والمرفأ البحري الضخم. ولا سيتبعد أن تكون تلك الخطوة مقدمة لإنشاء قاعدة بحرية روسية قبالة الحدود البحرية لأوروبا.

و ليقين موسكو بأن منطقة الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكي، فإنها تحاول جاهدة تقليص هذا النفوذ من خلال تدخلها المبكر في سوريا ثم بلدان الشمال الأفريقي، مع الأخذ بعين الإعتبار بأن هذا التدخل غير عالي التكاليف مقابل الصفقات التي تحصل عليها الشركات الروسية في تلك المنطقة على حساب منافستها الأمريكية و الأوربية. أما بالنسبة للحكومات المحلية في تلك المناطق فهي تسعى من خلال استجلاب التدخل الروسي أو الأمريكي لغاية تعزيز شرعيتها الدولية ومواجهة ابتزاز المجتمع الدولي فيما يتعلق بممارسة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والحقوقية.