قام الباحث التركي نور الله غور ومدير قسم الاقتصاد بمركز سيتا للدراسات في اسطنبول بتسليط الضوء على نقاط ضعف نظام الحكم البرلماني الحالي في تركيا في المجال الاقتصادي وأهم ما سوف يقدمه النظام الرئاسي للاقتصاد التركي، ويرى غور أن نظام الحكم الجديد، الذي سوف يتم تطبيقه بشكل كامل في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لن يتيح المجال لتحسينات مهمة  في الجانب السياسي فحسب بل في الإطار الاقتصادي أيضاً، وأن تركيا  إذا استطاعت أن تقود المرحلة الانتقالية خلال السنتين القادمتين بطريقة بناءة وشاملة  فإن مستقبل الاقتصاد التركي سيكون مشرقاً.

ويرى غور أن الاقتصاد التركي لم يصل إلى المستوى المأمول منذ عام 2012 نظراً لجو عدم الثقة السائد بسبب عدم الاستقرار السياسي المفتعل نتيجة أحداث من قبيل مظاهرات "غزي بارك"، محاولة الانقلاب القضائي في 17-25 ديسمبر/ كانون الأول، الهجمات الارهابية ومحاولة الانقلاب في الخامس عشر من يوليو/تموز الماضي. لكن على كل حال فقد بقي الاقتصاد التركي مواصلاً نموه مقارنة بمعظم دول مجموعة العشرين إلا أن هذا النمو غير كافٍ لتحقيق أهداف تركيا في "رؤية 2023.

ويعتقد غور أن تركيا تحتاج لأن تحقق نمو بنسبة 5% على الأقل حتى تتمكن من تحقيق أهدافها الاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد، وفي هذا السياق فإن النظام الرئاسي الذي تم التصديق عليه شعبياً بفارق بلغ 1.3 مليون صوت، يمنح تركيا فرصة مهمة لدفع عجلة التنمية ونموها الاقتصادي.

ويؤكد غور أن الاستقرار لم يتحقق خلال الحكومات الائتلافية، فقد كانت السياسة في ظل هذه الحكومات كانت غير متوقعة فيما كان الهيكل البيروقراطي المرهق معرقلاً للنظام السياسي كما أن الاختناق الاقتصادي في السبعينات وكذلك أزمات 1994 و2000-2001 كلها حدثت في ظل الحكومات الائتلافية. على جهة مقابلة فقد حقق الاقتصاد التركي انجازات مهمة في فترات حكومة الحزب الواحد.

ومن غير الواقعي انتظار أي نجاحات من الحكومات الائتلافية في ظل جو اجتماعي وثقافي محكوم بالنزاعات والاختلافات، وعلى الرغم من أن تركيا محكومة من قبل حزب واحد منذ خمسة عشر سنة، فإن النظام البرلماني الحالي لا يضمن استمرار هذا الوضع لما لا نهاية. والمثال الأقرب على هذه الاحتمالية هو انتخابات السابع من يوليو/تموز 2015. فعلى الرغم من حصول حزب العدالة والتنمية على 41% من الأصوات وبفارق 15% عن أقرب منافسيه إلا أنه فشل في تشكيل حكومة بشكلٍ منفرد. ولذلك فإن النظام الرئاسي يمنح فرصة مهمة للاقتصاد التركي كي يتجنب الأزمات التي تنتجها الحكومات الائتلافية.

كما أنه من غير المنطقي توقع أن العلاقة بين الرئيس ورئيس الوزراء ستستمر بنفس الوتيرة من الوضوح والاتساق في كل الفترات. فلو أن هاتين السلطتين تبنتا سياسات اقتصادية متناقضة اعتماداً على أجندتهم الانتخابية ومستندتين على الشرعية الانتخابية فإن هذا التناقض سيزيد من حالة الغموض وعدم الثقة في الاقتصاد. ومن فضول الكلام الإشارة إلا أن حالة نقص الثقة هذه ستخلف ضرراً كبيراً على الاقتصاد التركي. على جانبٍ آخر، فإن التحريض والتصعيد بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء سيؤدي إلى إشعال أزمة اقتصادية.

أما على مستوى المؤسسات الاقتصادية الكبرى في البلاد فإن النظام البرلماني كان يشمل عقبات ومن أمثلة ذلك ما حدث في عام 2006 فعلى الرغم من وجود مرشحين مهمين للبنك المركزي هما عدنان بيوكدنيز ومحمد شمشيك فإن التعيين تم وفق الاعتبارات الأيديولوجية لرئيس الجمهورية آنذاك. وبشكلٍ مماثل فإن كثير من المشاريع التي وضعت لتنمية البلاد تم تأجيلها بشكلٍ متعمدٍ وغير مقبول لفترات طويلة.

يقول غور أن تركيا قامت بعملٍ مذهل عبر تنفيذ الجيل الأول من الاصلاحات الاقتصادية بعد أزمة 2000/2001. حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للفرد خلال فترة قصيرة من ثلاثة آلاف إلى عشرة آلاف دولار. وقد استطاعت تركيا تحقيق ذلك من خلال ضمان استقرار السياسة المالية  وللانتقال للمرحلة التالي ورفع مستوى التنمية في البلاد كان على تركيا أن تطبق الجل الثاني من الاصلاحات الاقتصادية وسياسات التصنيع الذكية بعد عام 2008، ولكن للأسف فإن الأزمة الاقتصادية العالمية والمخاطر الجيوسياسية وتوتر السياسة المحلية أخرت كتابة قصة نجاح اقتصادي جديدة.  

وبناء على ما ذكره غور فإن تركيا تحتاج لرفع مستوى الانتاجية والتكنولوجيا على المدى الطويل، كما أنها تحتاج لأن تخفض من نسبة اعتمادها على الواردات من الخارج في صناعاتها التحويلية لكي تزيد من نمو القيمة المضافة للاقتصاد التركي ولكي تخفض العجز في الحساب الجاري. ولكي تحقق ذلك، فعلى تركيا أن تشجع البحث والتطوير وتنويع أدواتها المالية  وتحتاج تركيا لأن تقوم بهذه الاصلاحات الهيكلية بأسرع وقتٍ ممكن لكي تصل إلى أهدافها. ولتحقق ذلك فإن تركيا بحاجة لاستقرار سياسي، وجهاز تنفيذي قوي، آلية اتخاذ قرار سريعة وفعالة، وتنسيق أفضل بين مؤسسات الدولة المختلفة. وهذا ما يوفر النظام الجديد فرصة له.

وليس على المستوى الاقليمي فحسب بل إن النظام الرئاسي مهم أيضاً لدور تركيا في الاقتصاد العالمي. ففي بداية الألفية الحالية كانت تركيا في وضع مرتهن لصندوق النقد الدولي. وبفضل الاستقرار السياسي النسبي والتطبيق الحاسم للسياسات الاقتصادية استطاعت تركيا دفع كل ديونها لصندوق النقد الدولي.

ومع التحولات المحتملة المهمة في نظام التجارة الدولي في السنوات القادمة فإن المفاوضات حول مستقبل نظام التجارة العالمي سوف تشتد. ولكي تحصل تركيا على موقع أفضل في المؤسسات الدولية وضمن النظام التجاري العالمي، يجب على تركيا ألا تكون مشغولة بعدم الاستقرار السياسي وألا تقع تحت إرادة سياسية ضعيفة.

ومع تزايد أهمية الطاقة يرى غور أن تركيا تتمتع بمزايا تجعلها تجلس على طاولة المفاوضات مع جميع الدول المنتجة للطاقة مثل روسيا، أذربيجان، إيران وقطر. ولكن بالنظر لكون مشارلع الطاقة هي مشاريع طويلة الأمد فإن ذلك يتطلب ذلك إرادة سياسية متابعة لهذه المشاريع بعيداً عن الشراكة السياسية المؤقتة. هذه المتابعة صعبة التحقيق في ظل الحكومات الائتلافية أو في ظل مناخ يتيح الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.

واختتم غور دراسته بأنه يتوجب على تركيا حتى تصعد سلم التنمية الاقتصادية بشكل أسرع أن تنفذ اصلاحات وسياسات حاسمة بطريقة منهجية، يمكن التنبؤ بها، نظام الحكم البرلماني الحالي والذي سينتهي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لا يمكن أن يوفر هذه الاصلاحات. تركيا هي بلد لا يطمح فقط لزيادة قوته الاقتصادية عبر تسريع عملية التنمية الاقتصادية فحسب، بل أيضاً تطمح لأن تصبح ذات كلمة مسموعة أكثر في المجال الاقتصادي العالمي. ولهذا فإن تركيا بحاجة لنظام حكم جديد لتحقيق هذه الأهداف. والنظام الرئاسي سيوفر فرصة مهمة لتحقيق ذلك.