يعود الصوماليون للشاشة مرة أخرى .. يطلون هذه المرة مبتسمين .. شابكي الأيدي .. يطلقون رصاصهم للأعلى .. باتجاه السماء .. يغنون من البحر الى المحيط .. يرفعون أصواتهم في قنوات التواصل الاجتماعي .. كاتبين بالعربية والصومالية والانجليزية والفرنسية أفراحهم .. لا أخبار عن الجفاف ولا أرقام عن عدد المهددين بالجوع كما تقول تقارير الأمم المتحدة .. ولا ممتعضين من قرارات ترامب الأخيرة .

لا فرحين بانتصار حازه أحد من بني جلدتهم في المنفى، لا محمد فرح وهو يطوق من ملكة التاج البريطاني بلقب السير، لا كنعان وهو يغني في افتتاح كأس العالم، ولا خبرا عن رئيس محكمة العدل الدولية الصومالي في لاهاي، ولا افتخار بالهان عمر التي أقسمت على المصحف في يوم تنصيب ترامب عن ولاية مينسوتا كأول نائبة مسلمة عن المدينة، داخلة بحجابها ومؤدية اليمين الدستورية على المصحف الكبير، ولا أخيرا افتخارا بابنهم الذي كان مقيما في أحد أحياء جدة وحين مل تجديد الاقامة هاجر الى كندا، ليصبح وزير الهجرة والمغتربين .

 لا عن انتصار الصومال على كينيا في قضية الحدود البحرية الشائكة على يد صومالية تخرجت من هارفارد وقررت أن تفرح نجوم المحيط، ولا عن لقاء بين سياسي كبير ووزيرة الخارجية الكينية التي تنتمي لقبائل الوسط في الصومال الكبير، ولا ابتهاجا برواية جديدة لنور الدين فارح .

  لم تعد الأخبار الجيدة تأتي فقط من المنافي الباردة، لقد سأم القوم تلك الاحتفالات التي تقام بعيداً عن البيت، وملوا من كونهم خبرا عاجلا في عدد القتلى ولا وفيات الأمهات لنقص الأدوية، لقد وصلنا في الصومال الى حالة من اليأس لا يسعنا معها إلا التفاؤل، تماما كما قال نور الدين فارح روائيهم الشهير آنف الذكر، لقد  مل الصوماليون اليأس واحترفوا الأمل منذ سقوط آخر حكومة مركزية في عام 1990م

 ستتجاهل وسائل الإعلام العربية خبر انتصار الديموقراطية في بلد الحرب الأهلية والمجاعات الموسمية، ستتحفظ تركيا قليلا ولكن بسياسة الأتراك المهذبة تتابع مشاريعها الطموحة التي سبقت اليها الآخرين .

سيتجه السفير الاماراتي الى القصر كي يكمل مهمته في تدريب الجيش ومتابعة اكتمال مستشفى زايد، لن يعلق السعوديون كثيرا على الخبر فخارجيتهم تحافظ على المسافة الجيدة مع الجميع وسفيرهم وصل للتو, فقط قبل أسبوعين من بدء الانتخابات المصيرية في هذا البلد المهم اسلاميا وجغرافيا، المنتمي الى الجامعة العربية كضيف شرف دائم، وللأمانة فقد كانت تهنئة أبي الغيط قبل الجميع وهو على أية حال دبلوماسي مصري يعرف قيمة الصومال جيدا للمصريين .

في نهاية هذا العام: ستكون صورة العام – على الأقل لأكثر من عشرين مليونا يتحدثون الصومالية حول العالم – صورة تعيد تعريف الديمقراطية وتنغز أرباب التنظير السياسي الذين اخترعوا مصطلح – الصوملة – للتعبير عن حالة فشل الدولة المستمر .

 سيتفاجأ الكثيرون بأن الصومال لا تونس قدمت نموذجا ديمقراطياً باهياً في نضج متأخر بعض الشيء لكن على الدول المتقدمة سابقاً لعموم الدول العربية بلا استثناء واضح .

حافظت الصومال على كونها جمهورية منذ الاستقلال، اختار مواطنوها علما سماويا يرمز للمحيط والسماء الصافية طول العام بنجمة خماسية ترمز لحلم استعادة الصومال الكبير، جيبوتي – الصومال الفرنسي، صوماليلاند – الصومال البريطاني، مقديشو – الصومال الايطالي، ان اف دي – الاقليم الصومالي الذي أهداه المستعمر لكينيا، وإقليم أوجادينيا المتخم بالنفط والغاز والثروة الحيوانية – وهو محتل من اثيوبيا الى اليوم، وحين انضم الشمال الى الجنوب، رفع هذا العلم وبقي هذا البلد قويا غنيا بثروته الحيوانية في الشمال ومزارعه الغنية في الجنوب مع اتساع في المساحة ومعدل كثافة سكانية لاتكاد تذكر، حتى تخاصم الرفاق وحدثت الحرب الأهلية التي اسقطت الدولة وأصابت المجتمع بشرخ كبير، هاجر على اثرها بنوه الى كل منافي الأرض .

 انتقل البلد من حكومة انتقالية الى أختها، حتى سلم الشيخ شريف شيخ أحمد منصب الرئاسة للأستاذ الأكاديمي خريج الهند حسن شيخ محمود السلطة في عرس ديمقراطي لم ينتبه اليه أحد .

استمر النقاش بين الحكماء الصوماليين والمجتمع الدولي لإيجاد صيغة توافقية تعيد الدولة لمجتمع لا تربطه بشكل الدولة الحديث إلا أوراق السفر.

 لطالما كانت تقارير البنك الدولي عن الصومالي مضحكة في نهاية كل عام، دخل الأفراد أعلى بكثير من دخل الدولة الهشة، تحويلات ماليه بحدود الثلاث مليارات في دولة ميزانيتها السنوية لا تجاوز الـ(250) مليون دولارا أمريكيا، نعم، فالحالة الصومالية عصية على الفهم، اقاليم مستقرة واقتصاد واضح على مستوى الأفراد مع فساد يدخر للدولة شرف المركز الأول في مؤشر الفساد العالمي .

انتقال سريع من البادية والريف الى المدينة، مستعمر خرج على عجل ومواطن لم يتلق التعليم الكافي فتستر بالقبيلة، وقبيلة تجاوز المهاجرون سيطرتها لكن بقيت عماد الناس وأساس لحمتهم في الوطن المنكوب، لم تتصالح القبيلة مع شكل الحكومة للآن، لكن الشكل الحالي الخاضع للنقاش على الدوام اقترب من النموذج الأردني في احترام العشائر وتمكين الكفاءات مع ترك المجال مفتوحا للتصورات التوافقية كي يبقى شكل الدولة ملائما للظروف والأحوال .

غرفة للأعيان توصي وتختار ومن خلالها ترضى القبائل وأخرى للأكاديميين ورجال الدولة، مع محاصصة تحافظ على التوازن بين القبائل الأربعة الأساسية والمكونات الأخرى – كما تعرف في أصل الفكرة ويعبر عنها رياضيا بنصف  – كي يختار هؤلاء رئيس الدولة الذي بدوره يختار رئيس الوزراء محافظا على كوتا القبائل في توزيع المناصب .

تبدو معادلة معقدة لكن سهلة الحل عند الفرد الصومالي، لنحكم الجغرافيا بعد ذلك ونتجه للفيدرالية كي نرضى أكثر، ومن ثم بعد نضج التجربة سـتأتي الأحزاب والنقابات ونتحول الى دولة مدنية تحكم الشريعة الاسلامية في كل مناحي الحياة بما لا يتعارض مع كوننا دولة ساحلية تنتمي لافريقيا وتشارك الأمة العربية همومها من الخليج الى المحيط، لسنا عربا ولسنا أفارقة، والصومال للصوماليين كما هو شعار الرجل الذي فاز البارحة بثقة رجل الشارع الصومالي .

تقدم ثلاثون مرشحا مدفوعين بحلم قديم يتربى عليه كل طفل صومالي تلقنه أمه مع نسبه فكرة الأدوار الواضحة في القبيلة منذ الأزل مع امكانية أن يصبح رئيسا اذا كان ذلك يوم حظه.

امتلأت مقديشو بصور المرشحين، وامتلأت شاشات التلفاز بالمناظرات بينهم، ومن ثم اصطلح الجميع على ثلاثة مرشحين حقيقيين بعد أن عاد الآخرون الى بيوتهم بهدوء .

شيخ شريف شيخ أحمد: رئيس المحاكم الاسلامية ورئيس الصومال الذي استلم السلطة من العدم ووضع الصومال على خريطة الدولة ومن ثم سلم الحكم بكل أمانة الى الرئيس الذي جاء بعده، فور تسليم السلطة اختفى شيخ شريف وذهب لتعلم الانجليزية مرتديا بدلا فخمة وواضعا نظارة جميلة الصنع، لكنه اتهم لاحقا ببيع جزء من المياه الاقليمية الصومالية لكينيا وتلك جريمة عند الصوماليين لا تغتفر .

حسن شيخ محمود: أكاديمي خلوق، تسلم السلطة من شيخ شريف، ليفاجأ الصوماليين بطلته الهادئة، قراراته الحكيمة، واعادته السفارات الأجنبية للعمل من مقديشو وليس من كينيا، أعاد افتتاح المطار ووضع قدم الأتراك جيدا في الصومال, نهضوا بالمدينة عمرانيا، وسافر لكل جهات الأرض حاملا الصومال في قلبه الكبير, كان خليفة راشدا ورجل دولة من الطراز الذي يليق بدولة كماليزيا أو الهند, رجلا للسلم والأمانة محنكا ولكن مفهوما في الخارج – غير مرضي عنه تماما ً-  في الداخل، دعم انشاء الأقاليم ولكن الشباب المجاهدين كانوا يقصفون قصره من حين لآخر، كان يحب الصومال العظيم لكن الزمن الضيق وآمال الشعب الطموح والملول جداً كانت بالمرصاد .

محمد عبدالله فرماجو: شاباً وسيماً – في معايير الأمهات الصوماليات – فصيحا في مقاييس البدو الساخطين على كل شيء، متعلما عائدا من نيويورك، ووطنيا جعل رواتب الجنود الصوماليين مستمرة دون انقطاع أيام استلامه لرئاسة الوزراء في سنوات حكم شيخ شريف أحمد، حلماً يراه المحايدون للنهوض بالصومال في جلسات نقاشهم بوسائل التواصل الاجتماعي، قريبا من الناس، مفهوما من الدول المانحة غير العربية.

مرت الجولة الأولى من الانتخابات في قاعدة عسكرية بمطار مقديشو، تقدم الرئيس حسن شيخ محمود وتبعه الرئيس الحالي يومها، اضطر الجميع الى جولة ثانية تفوق فيها فرماجو وتبعه بفارق جيد الرئيس الذي سيكون بعد جولة واحدة رئيسا سابقا ان استمرت الحال على ماهي عليه .

قبل الجولة الثالثة يفاجيء الأستاذ الأكاديمي المحترم حسن شيخ محمود ملايين الصوماليين بإعلان انسحابه وفوز مرشح الشعب المنافس، طالبا من الله أن يعينه على النهوض بالأمة الصومالية وطالبا من الجميع السمع والطاعة والنصيحة للرئيس المنتخب .

جرى كل ذلك في ظرف يوم واحد، صناديق شفافة، وبث مباشر، مراقبون دوليون واقليميون، صحف عالمية وقنوات بث من كل جهات المنفى .

في ساعة واحدة انتقلت عدوى الفرح للأقاليم التي أسسها حسن شيخ محمود، ابتهج الوطن الذي وضعه على الخريطة السياسية شيخ شريف، بدأت احتفالات الصوماليين في كينيا واثيوبيا والسودان، فارق التوقيت جعل مطاعم مينسوتا الأمريكية تفتح أبوابها احتفالا بعودة ابن نيويورك للصومال الكبير .

تماسكت الأيدي، وابتهجت الجموع بمرأى انتقال سلمي للسلطة في الدولة الأكثر فشلا في العالم على حد مقاييس العم سام، صناديق الاقتراع تحتاج لسنة أولى مع فرماجو كي يخرج الصومال من شبهة أكثر دول الأرض فسادا، وأربعة أعوام كي يعود نجوم المحيط ليكونوا أول الخارجين من آثار الاستعمار والحرب الأهلية وحالة عدم الاستقرار والتناحر الداخلي .

من سيأخذ الدور الآن ليفصل عليه مصطلح الصوملة ؟

ومن سيعيد تعريف الديمقراطية بعد النموذج الصومالي الذي لن تناقشه القنوات العربية المحبة لأخبار الدمار ومواسم الصدقة على الصوماليين في كل عام  ؟

ولكن الأكيد : أن الصومال مع فرماجو قادم، لأنه يؤمن بشعبه، ولأنه بدأ قراراته من البارحة بالتخلي عن القوات الافريقية التي تحميه، مختارا حماية الجيش الصومالي، الجيش الذي دحر به حركة الشباب واعتبر اعادة بنائه أولى مهماته .

انتصر فرماجو .. واقتنع الصوماليون أن ذلك ليس يوم حظ فرماجو - مثلما أخبرته أمه ككل الأمهات الصوماليات -  فقط ..

بل يوماً للتاريخ ومرحلة جديدة في عودة الرجل الوسيم الى مكانه القديم، في مفترق المحيطات وقلب العالم القديم، صومالنا الحلم الأزرق والنجمة الخماسية العائدة من كل جهات الأرض .