أعادني فايروس كورونا بنسخته الجديدة  المعروف باسم "فيروس كورونا ووهان" إلى عام 2011 حيث نشرت السينما الأمريكية فيلم "Contagion"  الذي تدور أحداثه عن فايروس قاتل ينمو ليتحول لوباء سريع الانتشار وسط تصاعد المخاوف العالمية منه ومحاولات المجتمع الطبي العالمي للسيطرة عليه، ويشبه إلى حد كبير فايروس "نيباه" الذي ظهر في الهند وماليزيا عام 1998 وكان من أعراضه التسبب بإلتهاب الدماغ وأمراض الجهاز التنفسي، وأظهر الفايروس قدرة على الانتقال من الخفافيش إلى الخنازير ثم الانسان، وقد أشارت المصادر الطبية في حينه إلى أن فترة حضانة الفايروس تصل إلى 14 يوماً وهذا الأمر يتوافق كلياً مع فايروس كورونا الجديد بحسب بيانات وزارة الصحة الصينية. الفيلم الأمريكي تحدث عن سيدة نقلت الفايروس القاتل من "هونج كونج" أثناء رحلة عمل بعد أن وصل إليها عبر وجبة من لحم الخنزير تناولتها في أحد المطاعم الفخمة لتبدأ كارثة صحية تصبح أزمة عالمية.

وقبل الحديث عن تبعات الفايروس والاضطراب الإعلامي الحاصل في تغطية تفاصيل المعركة التي تخوضها الصين للتصدي له يجب أن نستحضر بعض المعلومات عن مدينة "ووهان" التي تعد المصدر الرئيسي للفايروس.

تعتبر "ووهان" مركز سياسي واقتصادي وتحاري وتعليمي لوسط الصين وهي مركز ضخم للنقل يتوسط البلاد إذ تتصل بعشرات المدن عبر شبكة ضخمة من السكك الحديدية والطرق السريعة وقد اصطلح على تسميتها بــ"شيكاغو الصينية" نظراً لأهميتها، كما تقع داخل حدودها أكبر محطة لتوليد الكهرباء في العالم. فقد اختار هذا الفايروس القاتل محوراً مركزياً للصين لإنتشاره، وينظر إليه الآن بصورة عالمية على أنه وحش قاتل يتوسع في دائرة ضحاياه فقد جرى الحديث عن تخطي أعداد الوفيات 636 شخص في الصين وإصابة أكثر من 31000 شخص بحسب بيانات وزارة الصحة الصينية، وبقدر ما يتم التعاطي مع الأزمة في سياق المعالجة الطبية إلا أن هناك من يعتقد أن الأمر يتخطى قدرات وزارة الصحة الصينية ويصل إلى حد بداية صراع بيولوجي ضخم بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية،  إذ أن الفايروس المذكور يمتلك جدولاً عملياً يسير في سياقه، فقد بدأت تبعاته تصل إلى حظر الطيران بإتجاه الصين وفي القريب العاجل سيتم حظر استيراد المنتجات الغذائية الصينية وتم شيطنة كل ما قد يرد من الصين وهذا الأمر مقدمة لكارثة إقتصادية عميقة الأثر ستضرب الصين عجزت أن تسببها الإدارة الأمريكية خلال إندلاع الحرب التجارية بين البلدين منذ صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحتى توقيع الاتفاق التجاري بين البلدين في منتصف يناير الماضي. إن التغطية الإعلامية التي تستهدف فايروس كورونا تؤكد حالة إنكشاف إعلامي صيني كبيرة جداً تشبه إلى حد كبير الفشل العربي والإسلامي عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 وأسفر عن إتهام كل من هو ذو ملامح عربية أو شرق أوسطية بالإرهاب في البلدان الغربية، ووسط هذا التيه فلا يوجد إجابات علنية حول ما إن كان هذا الفايروس إنطلق في سياق حرب بيولوجية منظمة من صنع الإنسان أم عن طريق الخطأ، فكل ما أعلن متعلق بإجراءات رسمية على الصعيد العالمي توجتها منظمة الصحة العالمية بإعلان حالة الطوارئ بعد مرور أكثر من شهر على تفشي المرض. يقول يولين هسوين وهو طبيب باحث في مستشفى بوسطن للأطفال " عندما تنتقل الأخبار بهذه السرعة يكون من الصعب إحتواء تلك المعلومات"، فقد ظهر الفايروس في سوق للمأكولات البحرية في ووهان في بداية يناير الماضي ونشر تقرير في ( (The Lancetوهي مجلة طبية أشار إلى أن 75000 شخص مصاب بالفايروس، وذكر أنه من بين 41 حالة تمت دراستها هناك 13 حالة فقط نقلت الفايروس من السوق، وأشارت الدراسة إلى وجود تباين في مصدر العدوى. وطرحت وسائل إعلام غربية معلومات تفيد بأن معهد ووهان لعلم الفايروسات قد صنع هذا الفايروس كسلاح بيولوجي، وتستشهد المجلة بإفادة الباحث الأمريكي هسوين الذي أشار إلى أن فايروس كورونا "المبتكر" أكثر شيوعاً من مرض السارس الذي انتشر عام 2002 وهو من سلسلة كورونا أيضاً واعتبر "صندوق اسود"، ورغم ذلك لم تعلن منظمة الصحة العالمية عن حالة طوارئ.فقد تجاوز الفايروس الجديد ضحايا السارس الذي بلغ عددهم 8096  إصابة عندما انتشر الوباء المشابه في أكثر من عشرين بلداً، وأسفر عن وفاة 774 شخصًا معظمهم في الصين وهونغ كونغ. تسبب المرض بفرض حجر صحي على ووهان و مناطق يصل مجموع تعدادها السكاني 50 مليون نسمة كذلك تسبب المرض بنزوح 5 ملايين شخص من المدينة، وتم اعتقال نائب المدير العام للمعلومات في الحكومة الصينية، ليجيان تشاو، بسبب نشر معلومات غير دقيقة عن حجم حالات الطوارئ في المستشفيات.

تأتي تلك الأزمة التي يتوقع أن تسبب انكماش الاقتصاد الصيني هذا العام بنسبة  تزيد عن 5% بالتزامن مع إحتفالات الصينيين بعطلة رأس السنة القمرية، وللتخفيف من حدة الكارثة فقد أشار دالي يانغ، المتخصص بالسياسات الصينية في جامعة شيكاغو إلى أن الحكومة ضغطت على أعضائها للحد من إظهار التوتر والتخفيف من أثر هذه الأزمة، بالإضافة إلى النظام البيروقراطي الذي يحكم الدولة وهذا قد يكون سبباً آخر لعدم وجود بيانات حقيقية حول الفايروس، ولكن هذا لا ينكر حجم المعلومات الخاطئة التي يتم نشرها على منصات مثل (TikTok) عبر مقاطع فيديو قد تكون غير حقيقية.  إستثماراً للحدث وقعت عريضة باسم اتحاد يمثل 15000 طيار تطالب برفع دعوى قضائية ضد شركة الخطوط الجوية الأمريكية لمطالبتها بتقييد رحلاتها بين الصين والولايات المتحدة. وتعتزم الشركة وقف رحلاتها من بكين وشنغهاي في فبراير ، كما انخفض الطلب على الرحلات الجوية من أمريكا إلى الصين، مما تسبب في قيام العديد من شركات النقل بإلغاء الرحلات الجوية. كذلك ألغت الخطوط الفرنسية والبريطانية رحلاتها إلى الصين، وكذلك بدأت مطالبات عبر لوبيات على شبكة تويتر للضغط على الحكومة الأمريكية لمنع الصينيين من دخول البلاد وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز.

معهد (بيغن- السادات) وهو أحد المعاهد الحكومية الإسرائيلية نشر مقالة لضابط مخابرات إسرائيلي سابق يدعى "داني شوهام" بصفته خبيراً في الحرب البيولوجية ذكر أن أصل الفايروس خرج من معهد ووهان لعلم الفايروسات أثناء إجراء تجارب عسكرية لتطوير فايروس كورونا. وأشار إلى أن بعض المعاهد الصينية كانت تعمل على مشروع بحثي بهذا الصدد في إطار تطوير الأسلحة البيولوجية الصينية ولا يستبعد أن تكون هي المصدر الأصلي للفايروس.

وهنا نشير إلى حادث ذات صلة، ففي يوليو 2019 طردت كندا مجموعة من الباحثين الصينيين المختصين في علم الفايروسات قسراً من المختبر الوطني الميكروبولجي الكندي (NML) في وينيبيغ حيث كانوا يدريون برنامج خاص بوكالة الصحة العام الكندية، ومن بين التجارب التي تسببت في طرد الفريق الصيني قيامه بحقن مجموعة قردة بأخطر الفايروسات القاتلة على الأرض قبل عملية الطرد بأربعة أشهر، وأظهرت التحقيقات أنه تم إرسال شحنة تحتوي على اثنين من الفايروسات الخطيرة (أيبولا ونيباه) من المختبر الوطني الكندي إلى الصين سراً.

واعتبرت السلطات الكندية الحادث خرق أمني خطير واتضح فيما بعد أن الباحثة الصينية شيانجو تشيو، المولودة في تيانجين هي مصدر هذا الخطر وهي تعمل في جامعة مانيتوبا منذ فترة طويلة، لكن منذ عام 2006 أصبحت متخصصة في علم الفايروسات وأهمها ( ايبوالا)، وقد قامت بشحن فايروسات مختلفة من المختبر الكندي إلى الصين عام 2014 لكنها أولت اهتمامًا كبيرًا بالإيبولا.

تشيو متزوج من العالم الصيني كيدنج تشنج وهو عالم بكتيريا وانتثل إلى علم الفايروسات وانضم إلى المختبر الوطني الكندي ( ( NML وحيتفظ مع زوجته بعلاقة قوية مع الصين ويقومان بزيارات متكررة إذ تولت تشيو تدريب مجموعة متميزة من الطلبة الصينيين من منشآت علمية حكومية في المختبر الكندى على مدار العقد الماضي. ويعتقد أن أحد هذه المنشآت متورطة في تطوير الفايروس الحالي وتضم تلك المؤسسات معهد الطب البيطري العسكري في تشانغتشون ومركز السيطرة على الأمراض والوقايا منها في منطقة تشنغدو العسكرية ومعهد ووهان لعلم الفايروسات ومعهد الأحياء الدقيقة في بكين.

انتهت رحلات تشيو إلى الصين بالتحفظ عليها أمنياً هي وجميع طلابها وتحدث الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ عن وجود شبهة تجسس تقوم بها الصين وتستهدف دولة عضو في (الناتو). أثناء البحث في سيرتها الذاتية اتضح أن تشيو تعاونت مع علماء من معهد البحوث الطبية التابع للجيش الأمريكي بولاية ماريلاند خلال عام 2018، واتضح في مابعد أن تشيو ليست مجرد عالمة فايروسات صينية بل تقود برنامجاً عميقاً بدعم من الدولة يتم خلاله تدريب طلبة من 11 منظمة بحثية صينية.

إن المرحلة السياسية الحالية التي يمر بها العالم تشبه إلى حد كبير مراحل التحول السابقة التي تزامنت مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانقضاض المنتصرين على منطقة الشرق الأوسط وإفراز هوية جديدة للمنطقة توجتها (سايكس-بيكو) ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتزيد بزرع (إسرائيل) كأرخص سفينة حربية أمريكية في المنطقة كما وصفها  نائب الرئيس الأمريكي السابق ومرشح الرئاسة الأمريكي الحالي (جو بايدن) عام 2007 خلال اجتماعه مع اللوبي اليهودي في نيويورك، وكذلك افرزت هيمنة أمريكية على أوروبا عبر تزعهمها لقيادة خطة (مارشال) التي أفرزت الاتحاد الأوروبي الحالي وحلف (ناتو)، واليوم مع زيادة الدين الأمريكي الذي تخطى حاجز 22 ترليون دولار وسط أزمة إقتصادية خانقة دعمها هيمنة الصادرات الصينية على السوق العالمي وأبرزها أزمة شركة (هواوي) التي أصبحت خصم عنيد لشركة (ابل) الأمريكية لا سيما بعد أن اعتمدتها بريطانيا وأوروبا لنشر شبكة الجيل الخامس وفقدان واشنطن القدرة على تمويل حروب جديدة وصعود أقطاب جديدة مثل روسيا وتركيا وتبني الكثير من حلفاء أمريكا سياسيات دفاعية جديدة مثل بريطانيا وفرنسا واليابان فإن واشنطن مجبرة على التعامل مع المعضلة الصينية بعد أن واجهتها دبلوماسياً وإعلامياً في ملف (الأيغور) وكذلك الحرب التجارية الأخيرة، فهل تكون المحطة الأخيرة هي الحرب البيولوجية في ظل إنعدام فرصة حدوث مواجهة عسكرية مقبلة بين القطبين؟!

وهنا يمكن الإشارة إلى تصريح لكريستوفر راي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي اف. بي آي، الذي قال أمام الكونغرس:"إن 1000 تحقيق على الأقل من التحقيقات التي أجريت مؤخرا في سرقات فكرية من مؤسسات أمريكية تشير بإصبع الاتهام إلى الصين".  وقد أظهرت الولايات المتحدة تغييراً كبيراً في سياساتها مع الصين بشكل استراتيجي وفاعل تماشياً مع حالة الخطر والتنافسية الشديدة التي عبر عنها مستشار الأمن القومي سابق جون بولتون، الذي وصف التوسع الاقتصادي الصين على أنه يدار بشكل عدائي إتجاه الولايات المتحدة. ويقول دانيال كليمان، المستشار رفيع المستوى في وزارة الدفاع الأمريكية والمدير الحالي لبرنامج آسيا المحيط الهادي الأمني في المركز الأمني الأمريكي الجديد (CNAS): "ساد شعور بأن التوجه السابق في التعامل مع الصين لم يعد ناجحا". وقد أسفرت استراتيجية جديدة قاد صياغتها الجنرال روبرت سبالدينغ في البنتاغون عن اعتبار الصين أكبر خطر وجودي يهدد الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. وذكر أن درجة خطورتها أنها تستطيع الوصول بقوتها الاقتصادية إلى الحكومات والمؤسسات الغربية بدرجة تتجاوز قدرات السوفييت سابقاً.