• - الموافق2026/06/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
من أبراج المال إلى هندسة النفوذ..  كيف أعادت الدائرة الترامبية تعريف العلاقة بين العقار والسياسة؟

في أمريكا الترامبية لم يعد الطريق إلى النفوذ يمر فقط عبر الأحزاب والجامعات ومراكز الأبحاث، بل أصبح يمر عبر أبراج العقارات أيضاً. فتحوّل مطورو العقارات إلى صناع قرار ودبلوماسيين ومستشارين أمنيين، فما الذي تكشفه هذه الظاهرة عن طبيعة إدارة الرئيس ترامب ومستق


حين دخل دونالد ترامب البيت الأبيض للمرة الأولى، انشغل كثيرون بشخصه بوصفه رجل أعمال اقتحم المجال السياسي، لكن السنوات اللاحقة كشفت أن المسألة كانت أعمق من مجرد انتقال فرد من عالم المال إلى عالم الحكم؛ إذ بدا أن ترامب حمل معه إلى واشنطن طبقة اجتماعية كاملة، وثقافة سياسية مختلفة، ومنظوراً جديداً لفهم السلطة وإدارتها. فخلف الأسماء التي أحاطت به، يمكن رصد ظاهرة لافتة: الحضور الكثيف لرجال العقارات والمطورين العقاريين في قلب دوائر القرار السياسي والدبلوماسي والأمني.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد خلفيات مهنية متشابهة، بل بصعود نخبة جديدة ترى العالم من نوافذ الأبراج الزجاجية أكثر مما تراه من ممرات المؤسسات البيروقراطية. إنها نخبة تشكلت في أسواق الاستثمار لا في مدارس العلوم السياسية، وتعلمت إدارة المخاطر في صفقات الأراضي والمجمعات السكنية قبل أن تدير أزمات الشرق الأوسط أو ملفات الأمن القومي.

العقار بوصفه فلسفة حكم

في التحليل التقليدي، يُنظر إلى العقار باعتباره نشاطاً اقتصادياً، لكن التجربة الترامبية تدفع إلى النظر إليه باعتباره مدرسة ذهنية كاملة. فالمطور العقاري لا يفكر بمنطق السياسي الذي يبحث عن التوازنات، ولا بمنطق الدبلوماسي الذي يراكم التفاهمات، بل بمنطق المستثمر الذي يبحث عن الفرصة، ويقيس النجاح بحجم الصفقة وقيمة العائد.

ومن هنا يمكن فهم الصعود الاستثنائي لشخصيات مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وتوماس باراك. فهؤلاء لم يصلوا إلى دوائر القرار رغم خلفياتهم العقارية، بل بسببها. لقد رأى ترامب فيهم انعكاساً لصورته الذاتية؛ رجالاً اعتادوا التفاوض تحت الضغط، وإدارة المشاريع الضخمة، وتحويل الأزمات إلى فرص استثمارية.

ولعل هذا ما يفسر أن ملفات شديدة التعقيد، كالسلام في الشرق الأوسط أو العلاقات الإقليمية الحساسة، أُسندت إلى شخصيات لم تأتِ من المؤسسات الدبلوماسية التقليدية، بل من عالم العقارات والاستثمارات. فالعبرة في المنظور الترامبي ليست بالخبرة السياسية المتراكمة، وإنما بالقدرة على إبرام "الصفقة الكبرى".

كوشنر.. من إدارة الأبراج إلى إعادة رسم الخرائط

يُجسد جاريد كوشنر هذا التحول بصورة تكاد تكون نموذجية. فالرجل الذي نشأ في بيئة استثمارية عقارية لم يتحول إلى مستشار سياسي فحسب، بل أصبح أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية في عهد ترامب.

والمثير أن دوره لم يكن تقنياً أو استشارياً محدوداً، بل امتد إلى ملفات كانت تُعد تقليدياً من اختصاص وزارتي الخارجية والدفاع. لقد ظهر كوشنر بوصفه تجسيداً لفكرة أن رجل الأعمال يمكن أن يؤدي دوراً يتجاوز السياسي المحترف، وأن مهارات التفاوض التجاري قد تكون في نظر ترامب أكثر فاعلية من خبرات الدبلوماسيين المخضرمين.

ويتكوف وباراك.. الدبلوماسية بصيغة المستثمر

الأمر نفسه ينسحب على ستيف ويتكوف وتوماس باراك، اللذين يمثلان امتداداً للفكرة ذاتها. فكل منهما جاء من عالم الاستثمار العقاري، لكن كليهما وجد طريقه إلى ملفات جيوسياسية تتجاوز كثيراً حدود اختصاصه الأصلي.

وهنا تظهر إحدى السمات الجوهرية للترامبية: تآكل الحدود بين القطاع الخاص والدولة. ففي النموذج الأمريكي التقليدي كانت هناك مسافة واضحة بين رجال الأعمال وصناع القرار، أما في النموذج الترامبي فإن هذه المسافة تتقلص إلى حد كبير، بحيث يتحول المستثمر إلى دبلوماسي، والمطور العقاري إلى مبعوث سياسي، ورجل الصفقات إلى وسيط في النزاعات الدولية.

من السوق إلى الأمن القومي

 الأكثر دلالة أن هذا التوجه لم يتوقف عند الملفات الاقتصادية أو الدبلوماسية، بل امتد إلى المجال الأمني نفسه.

فحين يجد وريث شركة إسكان كبرى مثل ويليام بولتي نفسه على رأس جهاز الاستخبارات الوطنية بالإنابة، فإن الأمر يتجاوز حدود التعيين الإداري إلى كونه تعبيراً عن رؤية سياسية أوسع. إنها رؤية تعيد تعريف مفهوم الكفاءة ذاته؛ فبدلاً من الخبرة الأمنية الطويلة، تصبح القدرة على الإدارة واتخاذ القرار وبناء الشبكات معياراً كافياً لتولي مواقع شديدة الحساسية.

وتكشف هذه الظاهرة عن تحول عميق في فهم الدولة الحديثة؛ إذ لم تعد المؤسسات المتخصصة تحتكر إنتاج النخب، بل باتت المنافسة مفتوحة أمام رجال الأعمال الذين يملكون رأس المال والعلاقات والثقة السياسية.

لماذا يثق ترامب برجال العقارات؟

يكمن الجواب في طبيعة ترامب نفسه. فهو لم يأتِ من المؤسسة العسكرية، ولا من السلك الدبلوماسي، ولا من الحزب الجمهوري التقليدي. لقد جاء من عالم العقارات، وحمل معه شكوك رجل الأعمال تجاه البيروقراطية، وإيمانه بأن النخب التقليدية فشلت في إدارة الدولة.

ومن ثمّ، فإن اعتماده على شخصيات عقارية لم يكن خياراً عرضياً، بل جزءاً من مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل الطبقة الحاكمة الأمريكية. فبدلاً من الاعتماد على خبراء الدولة العميقة، فضّل الاعتماد على رجال يشاركونه الخلفية الذهنية نفسها، ويؤمنون بأن السياسة يمكن أن تُدار بالمنطق ذاته الذي تُدار به الشركات الكبرى.

ما وراء الظاهرة

لكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها مجرد انتقال لرجال أعمال إلى السلطة تبقى قراءة ناقصة. فالأهمية الحقيقية تكمن في الدلالة الفكرية الأعمق: صعود نموذج يرى الدولة مشروعاً إدارياً أكثر منها مؤسسة سياسية، ويرى العلاقات الدولية شبكة مصالح أكثر منها شبكة تحالفات وقيم.

ولهذا فإن الشخصيات العقارية المحيطة بترامب ليست مجرد أسماء متفرقة، بل تعبير عن تحول أوسع في بنية النخبة الأمريكية؛ تحول ينتقل فيه مركز الثقل من الجامعات ومراكز الفكر والمؤسسات البيروقراطية إلى عالم المال والاستثمار والأسواق.

ومن هنا يمكن فهم الدائرة الترامبية بوصفها أكثر من فريق سياسي؛ إنها محاولة لإعادة صياغة مفهوم الحكم نفسه، بحيث تصبح الدولة أقرب إلى شركة عملاقة، ويصبح الرئيس أشبه بمدير تنفيذي كبير، بينما يتحول رجال العقارات والمستثمرون إلى شركاء في إدارة القوة الأمريكية.

وفي هذا السياق، لا تبدو الأبراج التي شيدها هؤلاء مجرد مبانٍ شاهقة في أفق المدن الأمريكية، بل تبدو رمزاً لصعود طبقة جديدة تمد ظلالها اليوم على السياسة الأمريكية ذاتها.

 

انفوجرافيك

أعلى