مجلة البيان - "إسرائيل" الحضارية!!

"إسرائيل" الحضارية!!
"إسرائيل" الحضارية!!


طغت على السطح في السنوات القليلة الماضية في المجتمع المصري وبعض المجتمعات العربية، ظاهرة إعلامية تحاول ابراز الصهيونيين (سكان فلسطين) بأنهم أناس متحضرون في تصرفاتهم ومعاملاتهم بل وأيضا في تسامحهم مع الآخرين.

وبات كثير من النخب البعيدة عن الإسلام، تحاول ترسيخ تلك المقولة وهذا المفهوم في مجتمعاتنا، وللأسف انتشرت هذه الصورة وتأثر بها كثير من عوام المسلمين.

ففي إحدى الجلسات التي جمعتني ببعض كبار السن، ممن هم في منتصف السبعينات وتجاوز البعض منهم الثمانينات، اندهشت من كيلهم المديح لإسرائيل، وأنها واحة الرخاء والتحضر في شوارعها ومواطنيها وأساليب عيشهم المتفوقة الراقية، بل قارنوها بمجتمعاتنا المتخلفة، ولو كانت هذه المقارنات مقتصرة على الشوارع والأبنية والسيارات والرفاهية المعيشية لهان الأمر وكان فيه كثير من الحق في الحديث، ولكن المقارنات تعدت إلى الشخصية الاسرائيلية ورقيها وتحضرها وتعاملها مع الآخرين، في مقابل الشخصية العربية المتناقضة مع نفسها بين تدينها ومعاملاتها البعيدة عن هذا التدين.

فهل بالفعل المجتمع الإسرائيلي بصفة عامة، والشخصية الاسرائيلية بشكل خاص يتمتعان بصفة الحضارة؟

هناك دائما تعريفان للحضارة: التعريف المادي وهو الذي يعني بدرجة التمدن في المظاهر المادية والاستقرار الجغرافي، عكس البداوة والتي تعني بخشونة العيش والتنقل، فالحضارة بهذا المفهوم لها أدواتها المادية والتي تتطور من عصر إلى آخر، أما بالمفهوم الشامل فيضيف إليها علماء الاجتماع الجانب الإنساني في مراعاة الآخر، ووضع معايير وقيم وانسانية يمكن بها التعايش مع الآخر، بدون التنازل عن القيم والمبادئ التي يؤمن بها جميع أفراد المجتمع بل استيعاب الآخر داخل هذه المنظومة القيمية.

وإذا طبقنا المفهوم الإنساني للحضارة على المجتمع الصهيوني في فلسطين، سنجد سجلا حافلا من الحضارة المزعومة على النحو التالي:

في مجال التعليم

وحسب تقرير نشره المركز الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية (مدار)، شهد المنهج الرسمي لجهاز التربية والتعليم الإسرائيلي، وبشكل خاص منذ مطلع سنوات الألفين، تقلبات في التوجهات، خاصة وأنه من أصل ستة وزراء تناوبوا على هذه الحقيبة منذ عام 2001 وحتى الآن، خمسة منهم كانوا من التيار الديني الصهيوني واليمين الاستيطاني، ودأب كل واحد منهم على تعميق دراسة موضوع اليهودية والديانة اليهودية، على حساب التثقيف على الديمقراطية والحريات، منوها أن هذا نهج استفحل أكثر منذ تولي نفتالي بينيت الحقيبة في عام 2015، وتلاه حاليا الحاخام العسكري السابق رافي بيرتس، الذي فرض على المنهاج للعام الدراسي الجديد تعليم قانون القومية، الذي أقره الكنيست في صيف 2018، وهو قانون قائم على أسس عنصرية واقتلاعية، وعلى إلغاء كامل لحق الشعب الفلسطيني في وطنه، ويمنح اليهود وحدهم أفضليات كثيرة، خاصة في مجال الأرض والسكن.

وكأقوى مؤشر على صعود اليمين القومي الديني المتطرف وتسلطه على التعليم الاسرائيلي ففي العام الدراسي الجديد، والذي بدا عام 2019 استوعب جهاز التعليم سبعة معلمين فقط لموضوع الفيزياء، وثمانية معلمين لموضوع الكيمياء، و13 معلما جديدا لموضوع الجغرافيا، أما لموضوع اليهودية بمعنى كتاريخ واعتبارها قومية، فقد تم دمج 477 معلما جديدا.

وفي النهاية تنقل صحيفة هآرتس الاسرائيلية عن وزير التعليم الصهيوني الحاخام رفي بيرتس لقاءه بالحاخام بنتسي غوفشتين، زعيم حركة "لاهفا" الإرهابية التي نفذت عمليات تنكيل وحشية ضد الفلسطينيين في القدس والمدن المختلطة ويصف الوزير أنشطتها بـ "العمل المقدس".

المجال المجتمعي

يمارس الكيان الصهيوني عنصريته "الحضارية" دخل المجتمع في فلسطين على مستويين:

المستوى الأول ضد الفلسطينيين في القطاع والضفة، حيث تم سن قانون يعرف بقانون "هافرادا"، أي إقامة جدار في الضفة الغربية يطلق عليه بالعبرية لفظ "غادر هافرادا" التي تعني الانفصال تماما فالجدار الإسرائيلي يفصل المستوطنات اليهودية عن القرى الفلسطينية، وعادة أيضا يفصل هذه القرى عن أراضيها الزراعية.

وتجليات هذا الفصل العنصري واضحة للعيان في الضفة الغربية، حيث يعيش اليهود الإسرائيليون في مستوطنات بين مدن الضفة بشكل مغاير للمواطن الفلسطيني، حيث يحق لهم استخدام طرق معبدة مخصصة لهم فقط، ويحظون بمميزات أمنية منها حق حمل السلاح الذي يحظر على الفلسطينيين.

أيضًا تقدم الحكومة الصهيونية تسهيلات في عملية البناء، في حين ينازع فلسطينيو المناطق للحصول على تراخيص بناء وتهدم بيوتهم بشكل ممنهج، ويعد الماء أيضًا من أشكال التمييز العنصري المهمة، حيث يحظى المواطن الفلسطيني بـ73 لتر ماء سنويًا وهو أقل من الحد الأدنى للشخص الذي أقرته منظمة الصحة العالمية، في حين يحظى المواطن الإسرائيلي في مستوطنة تبعد أمتارًا عن قرية فلسطينية بنحو 369 لتر ماء، بالإضافة للكثير من الاجراءات والقوانين العنصرية. 

أما المستوى الثاني يكمن في العنصرية ضد الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية، ويعيشون بداخلها، وللأسف لم تأخذ مسألة حقوق فلسطينيي الـ48 حقها إعلاميًا وسياسيًا، رغم القمع والعنصرية الموجهة ضدهم، فمثلاً يحظر عليهم شراء او استئجار الممتلكات الخاصة بالوكالة اليهودية أو الصندوق القومي اليهودي.

وحتى عند صدور حكم قضائي بالسماح لهم بالشراء، بقي القرار نظريًا وقد كتب الصحفي البريطاني كريس مجيل مقالاً في صحيفة "الغارديان" يؤكد أن هناك الكثير من العقارات المحرمة على غير اليهود.

وفقاً لجدول العنصرية الذي نشره مركز “حملة” وهو اختصار المركز العربي لتطوير وسائل التواصل الاجتماعي تبين في السنة الماضي أنه في كل 66 ثانية بالمتوسط، كتب في إسرائيل بوست عنصري وعنيف أو تحريضي ضد السكان الفلسطينيين في إسرائيل أو في المناطق.

ويؤكد الكاتب الصهيوني بن كاسبيت في صحيفة معاريف الاسرائيلية على حقيقة المجتمع الإسرائيلي ونخبته، فيكتب: عندما تستنفر النخبة السياسية الإسرائيلية لمحاولة اقناع ايتمار بن غفير زعيم حركة "المنعة اليهودية"، بإزالة صورة باروخ غولدشتين منفذ مجزرة المسجد الإبراهيمي التي قتل فيه 29 مسلم وهم يصلون، فأنك تعلم عندها مستوى الانهيار الأخلاقي الذي وصلنا إليه.

ولتعلم أي مدى وصل إليه هؤلاء "المتحضرون"، أنه في عام 2015 بث المتطرفون اليهود فيديو نقلته القناة "العاشرة" الإسرائيلية، ظهر فيه متشددون يهود يعبرون عن الفرح لمقتل الرضيع الفلسطيني علي دوابشة (18 شهرًا)، الذي أُحرق حيا مع عائلته بالضفة الغربية، ويظهر الفيديو تصوير حفل قران العريس اليهودي، عضو معروف في "اليمين المتطرف" وسبق استجوابه للاشتباه بمشاركته في أنشطة "إرهابية يهودية"، وبدا في الفيديو حشد من اليهود المتشددين الشباب يرقصون رافعين أسلحة وقنبلة حارقة ويتناقلون صورة للطفل علي الدوابشة ويطعنونها.

ومن المعروف أن المجتمع اليهودي يتكون من أربع مجموعات طبقية رئيسية هي "السفارديم" وهم يهود إسبانيا، والبرتغال الذين طردوا نهما بعد سقوط الأندلس واتجهوا إلى الدولة العثمانية، أما الثانية فيهود المشرق العربي والعالم الإسلامي، أما الثالثة فهي"الأشكناز" ويمثلون 85% من إجمالي اليهود في العالم أجمع وهم الذين جاؤوا من أوروبا وروسيا، أما المجموعة الرابعة فهم يهود "الفلاشا" القادمون من إثيوبيا.

وتتجلى العنصرية الحضارية الصارخة التي يمارسها الصهاينة، ما يمارسونهم من اضطهاد لنفس ديانتهم اليهودية من أصحاب البشرة السوداء من أصول أثيوبية وهم يهود الفلاشا، فلم تتوقف مضايقات الشرطة الإسرائيلية لهم منذ قدومهم إلى إسرائيل، ويعترف اليهود الإثيوبيين بأنهم يعيشون في خوف دائم من العداء المتنامي ضدهم، والنظرة العنصرية، إذ تصنفهم الدولة العبرية تحت بند الغرباء، إلى جانب عنصرية مؤسساتية ممنهجة نظراً للون بشرتهم، رغم أن أعداد اليهود من أصول إثيوبية في إسرائيل تجاوز140 ألف شخص، بينهم أكثر من 50 ألفاً ولدوا في إسرائيل، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية.

هكذا تبدت إسرائيل الحضارية أو الصورة التي يراد من المسلمين والعرب أن يعتبروها النموذج والقدوة والتي جب على لعرب "المتخلفين" أن يحذو حذوها!!!