مجلة البيان - أيُـعـمّر ســوريــا مـن خَــرّبَـهـا ؟!

أيُـعـمّر ســوريــا مـن خَــرّبَـهـا ؟!
أيُـعـمّر ســوريــا مـن خَــرّبَـهـا ؟!


اتفاقات اقتصادية عديدة وقّعَها النظام السوري مع الحكومة الإيرانية طيلة الأعوام الماضية منذ اندلاع الثورة السورية، لكن أغربها كانت تلك الاتفاقات التي تتعلق بمشاريع إعادة الإعمار، تلك التي منح النظام بموجبها امتيازات ضخمة للشركات الإيرانية مقابل دعم طهران له في حربه ضد السوريين. لكن هل مشاريع الإعمار ستتم بصورة بريئة وبقدر الإستفادة المادية منها فحسب؟، أيُعقل أن يُعمّر سوريا من خَـرّبَـهـا؟، واقع الأمر (لا)، فالإيرانيون يخططون لكل شيء، ويقومون بالحسابات تفصيليًا، فهذه المشاريع مجرد جزء من خطة كبرى لتشييع سوريا وجعلها مركزًا إقليميًا تابعًا لطهران، مثلما فعلت في اليمن، وجنوب لبنان، والعراق، ويبدو أن الإيرانيين باتوا مهتمين بالشأن السوري ألان أكثر من أي وقتٍ مضى، بعدما شعروا بأن الدب الروسي يسعى للاستيلاء على الكعكة السورية بمفرده.

دعـم بلا حـدود

يرى بشار الأسد في إيران شريكًا استراتيجيًا، يعتمد عليها في الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، وبالفعل لم تبخل إيران على نظام الأسد بشئ، فمنذ عام 2011 افتتحت إيران خطًا ائتمانيًا بقيمة 5.5 مليار دولار، وقدمت عام 2013 قرضًا للنظام السوري بقيمة مليار دولار، لاستيراد السلع الغذائية ودعم الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي، ثم حصل النظام على قرض ثان من طهران، بعد عدة أشهر من القرض الأول، بلغت قيمته 3.6 مليار دولار، بهدف استيراد المشتقات النفطية، وما زالت إيران تدعم النظام السوري بالنفط، رغم العقوبات المفروضة عليه، وخير دليل على ذلك احتجاز بريطانيا مؤخرًا لناقلة نفط إيرانية، كانت متجهة إلى بانياس عند مضيق جبل طارق.

ليس هذا فحسب؛ فعلى الصعيد العسكري تتولى الخزينة الإيرانية تحمل كلفة تمويل معظم العمليات العسكرية للنظام من أجل إبقاء بشار الأسد في السلطة، فتعمل على مدًّه بالسلاح والذخيرة، ومرتبات الميليشيات المختلفة الموالية لطهران والتي تقاتل في صفوف قوات النظام، واستعمل الإيرانيون الهلال الأحمر الإيراني كغطاء في نقل الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية وحتى رجال استخبارات وعناصر مسلحة إلى سوريا، كما ساعدت طهران النظام السوري في دعمه سياسيًا ودبلوماسيًا بطرق عدّة، في ظل العزلة المفروضة عليه، وسخرت آلاتها الإعلامية للترويج لها والدفاع عنه.

جنيّ الثمار

إيران لا تقدم شيئًا بالمجان، فالدعم الذي قدمته لطالما انتظرت أن تجني ثماره، وإذا كانت قد تمهلت قليلا في فعل ذلك في بدايات الثورة السورية، فإن دخول الروس على خط الأزمة، جعلها تسرّع من وتيرة حصاد ما أنفقته في الميدان السوري، فبدأت تسارع الزمن للاستحواذ على امتيازات واستثمارات اقتصادية في مناطق سيطرة النظام، كمكافأة لدعمها للنظام خلال السنوات الماضية، ولا يستشعر الإيرانيون أن يعلنوا ذلك صراحةً، فرئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى الإيراني "حشمت الله فلاحت بيشه" صرح قبل أيام بأن نظام الأسد مدين بديون كبيرة لطهران، مطالبًا بضرورة مناقشة دفع تلك الديون وإقرارها بشكل قانوني مع دمشق.

من بين أبرز الثمار التي جناها الإيرانيون من نظام الأسد، هى توقيع 11 اتفاقية اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد، في يناير الماضي، استكمالا لاتفاقيات سابقة ترتبط بإعادة الإعمار في سوريا، كما منحت حكومة الأسد شركات وكيانات مرتبطة بالحرس الثوري عقوداً في مجال تشغيل شبكة الهاتف المحمول ومناجم الفوسفات، كما منحتهم أراضي زراعية خصبة ورُخصاً لتطوير فروع جامعات في سوريا. هذا إلى جانب مشروع السكة الحديدية الواصل بين إيران وسوريا عبر العراق، والذي تمهيدًا له قامت إيران باستلام مرفأ اللاذقية الذي سيكون المحطة الأخيرة في مسار السكة الحديدية، بينما ستكون بدايته هو ميناء الخميني في إيران، كما تعمل إيران بالتزامن مع ميليشيا الحشد الشعبي العراقي على السيطرة الكاملة على المناطق السورية العراقية المتجاورة.

تنافس روسي ـ إيراني

رغم التقارب السياسي بشأن الأزمة السورية، وما تعكسه اللقاءات المتعددة في سوتشي وأستانة، إلا ان ثمة تنافس واضح يجمع طهران مع موسكو للفوز بأكبر استفادة من الأزمة السورية، وهو ما يجعل طهران تكثف جهودها لاقتناص مزيدًا من عقود المشاريع العقارية ومشاريع الطاقة بمختلف المناطق السورية، لكن هذا الأمر أفضى إلى تقاطع في المصالح، وهو ما تحول بدوره إلى تضاد، وقد بدأ يتجلى في أكثر من حادثة وتسبب في رفع منسوب التوتر بين قوات البلدين وربما اشتباك بينهما، فالقوات الروسية قامت سابقًا بمنع فصائل حليفة لإيران من التمركز في عدد من المناطق بما في ذلك نقطة حدودية مع العراق، كما قامت بمنع دخول عناصر من حزب الله والحرس الثوري إلى المناطق المحاذية لإسرائيل، في حين سعت روسيا لتشكيل قوات محلية في القنيطرة لمنع التمدد الإيراني في تلك المنطقة القريبة من إسرائيل.

وكانت الصدمة الكبرى للإيرانيون في يناير الماضي حين صرح نائب وزير الخارجية الروسي "سيرغي ريابكوف"، خلال كلمة قصيرة له لتوضيح مسألة التحالف الروسي ـ الإيراني قائلًا: "نحن نعمل سويًا فحسب"، مقللًا من وضع التحالف الذي يجمعهما. أيضا يشكل الوجود الإيراني على البحر المتوسط مصدر قلق بالنسبة لروسيا، التي تريد أن تكون صاحبة القوة الفاصلة على الساحل الشرقي للمتوسط، وهو ما يضمنه لها مرفأ طرطوس الذي إستأجرته لمدة 49 عاما، لكن وجود إيران في مرفأ اللاذقية، الذي حصلت على حق تشغيله التجاري حصراً قد يشكل قلقا للروس، خاصة لقرب المرفأ من قاعدتها العسكرية في حميميم، وهو ما قد يعرّض قواتها للخطر في حال حدوث أي توتر كبير بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة.

المخطط الإيراني الأكبر

إيران لا ترغب في الإستفادة الإقتصادية فحسب، ثمة مخطط أكبر تسعى لانجازه في سوريا، يقوم على أساس الاحتلال الثقافي والديني لسوريا، بإعتبار ذلك عاملًا مؤثرًا في ترسيخ أقدامها هناك، وقد نجحت طيلة الأعوام الماضية في تشييد مؤسسات دينية وتعليمية يشرف عليها مباشرة مكتب المرشد الأعلى "علي خامنئي"، ليس هذا فحسب، بل تقوم بتنفيذ عمليات تغيير ديموجرافي بهدف إعادة تشكيل هوية سوريا، حيث تسعى إلى طرد السُّنَّة من دمشق ومحيطها، وتأمين الطريق الرابط بين دمشق إلى الحدود اللبنانية، وإحلال عوائل شيعية من العراق ولبنان محل العوائل السنية التي يتم طردها، وحتى يتكمل مخططها هذا، فإنها لا ترغب في إنهاء الصراع السوري من خلال الحل السياسي، لأن هذه الطريقة ستتطلب الضغط الدولي لإخراج الميليشيات الإيرانية.

وتحسبًا لوقع ذلك؛ فإن لا تدخر إيران جهدًا في مواصلة وجودها في سوريا على المدى الطويل بأشكالٍ أخرى، وتعزيز وضعها كقوة إقليمية في المنطقة بكل الطرق الممكنة، لذا فإنها لا تكتفي بالحضور العسكري المباشر عبر قواتها على الأرض السورية، بل قامت بتجنيد وتدريب فصائل وميليشيات سورية، وهي تعوّل عليها في أن تكرر بها تجربة حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق، وستكون هذه الميليشيات هى الضامنَ الأول لديمومة النفوذ الإيراني في سوريا. المُستغّرب ألان هو أن إيران التي تحشد وتقتل وتنهب وتغير في التاريخ والجغرافيا السورية، هى التي تسعى إلى مشروعات إعادة الإعمار !