مجلة البيان - أزمة السودان والدور الأمريكي

أزمة السودان والدور الأمريكي
أزمة السودان والدور الأمريكي


في يناير المنصرم نظمت السفارة السودانية في واشنطن حفل استقبال لمحمد عطا الرئيس السابق لجهاز الأمن السوداني بمناسبة يوم استقلال البلاد، كان ذلك الحفل بالتزامن مع الاحتجاجات المندلعة في الخرطوم للمطالبة بإسقاط الرئيس عمر حسن البشير وسط موقف أمريكي مبهم لا يعبر عن رغبة حقيقية بالتغيير في السودان ويتماشى مع السياسة الجديدة التي بدأها الرئيس السابق، باراك أوباما، ويواصلها سلفه دونالد ترامب.  كان عطا ضمن النظام نفسه الذي استمرت واشنطن لعقود بمحاصرته بتهمة إرتكاب جرائم حرب في "دارفور" وطالبت بتسليم البشير ومن حوله لمحكمة الجنايات الدولية.

لكن في تلك الليلة التي وافقت احتفال طاقم السفارة السودانية مع محمد عطا في فندق ويلارد بذكرى استقلال السودان كان وفداً أمريكياً رفيعاً على رأسه، برايان شوكان، مسؤول ملف السودان بالخارجية الأمريكية يحتفل مع عطا في نفس الفندق!. بعد تلك الليلة بشهر سافر كبير مستشاري البيت الأبيض للشأن الافريقي،سيريل سارتور، متوجهاً إلى الخرطوم لبحث مرحلة جديدة من التقارب مع النظام السوداني بما في ذلك إخراج السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب.

وفقاً لتقرير لمجلة "الفورين بوليسي" فإن مستوى التعاون الإستخباري بين الولايات المتحدة والسودان في ما يتعلق بقضايا الإرهاب إرتفع إلى درجة كبيرة، ورفعت مقابل ذلك الإدارة الأمريكية بعض العقوبات عن الخرطوم لدفع عجلة التقارب الدبلوماسي بين الطرفين، وبالتالي نتج عن ذلك حالة صمت أمريكي على ما يجري حالياً في السودان بإستثناء تصريحات متفرقة تندد بالعنف المفرط في قمع المحتجين. حينما بدأت الثورة السورية عام 2011 طرح أحد الصحفيين سؤالاً على وزير الدفاع الصهيوني السابق، أيهود باراك، حول موقف الدولة العبرية من الأحداث في سوريا، أجاب قائلا" شيطان نعرفه خير من ملاك لا نعرفه!". وهذا الأمر جزء من هوية الدبلوماسية الغربية في العالم سواء فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط أو غيرها، ففي بلدان امريكا اللاتينية يوجود الكثير من الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة لكن واشنطن تريد إسقاط فقط نيكولاس مادورو في فنزويلا دون غيره!.

 العلاقة بين واشنطن والخرطوم مليئة بالتناقض والسرية ففي عام 1993م اتهمت الولايات المتحدة الخرطوم برعاية الإرهاب وفرضت عليها عقوبات لكنها كانت تحافظ بهدوء على علاقات قوية مع الإستخبارات الأمريكية. خلال تدخل الناتو في ليبيا عام 2011 قدم السودان معلومات استخبارية إلى الحلف بالإضافة إلى التعاون مع الولايات المتحدة في الملف الصومالي، فالكثير من قادة الجماعات الإسلامية درس في الجامعات السودانية.

يقول الجنرال دونالد بولدوك، نائب المدير السابق ورئيس العمليات الخاصة في قيادة القوات الأمريكية في افريقيا:" سأكون حذراً من أي تعاون مع المخابرات السودانية". لكن بعد أن قطع السودان تعاونه مع المخابرات الأمريكية عام 2015م أرسل إدارة أوباما، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية جون برينان، لإنقاذ الوضع من التدهور ولإعادة الأمور إلى نصابها. فالعلاقة مع السودان تكاد تكون المبادرة الوحيدة من إرث أوباما الذي لم يعبث بها ترامب.

السودان لا يختلف عن غيره من الدول العربية التي تحوم ضمن المربع القومي الذي ورثته المنطقة عن مسرحية التحرر التي قادها القوميين العرب في منتصف القرن الماضي لطرد الإستعمار وهي تجربة فرضت على الإستعمار بسببب المقاومة الشرسة التي قادها شخصيات مثل عمر المختار في ليبيا والبشير الإبراهيمي في الجزائر وعز الدين القسام في سوريا وفلسطين، وإذا تمعنا في التفاصيل سنجد أنفسنا أمام تجربة مكررة في عدة بلدان مثل سوريا وليبيا والجزائر بإستثناء أن النظام في السودان كان يتوائم بنجاح مع الهوية الأيديولوجية في المجتمع ولم يحاول فرض هويته القومية على الدولة نظراً لحاجته لتلك الهوية في حروبه التي ورثها عن الانجليز سواء في الجنوب أو مع الحركات الإنفصالية الأخرى.

يقول تجمع المهنيين السودانيين إن ضحايا الإحتجاجات تخطى حاجز المئة بالإضافة إلى آلاف الإصابات ويحاول حشد الرأي العام خلفه للتأثير على قرارات المجلس العسكري بقيادة عبد الفتاح برهان، لكن تصدير قائد قوات الدعم السريع مؤخراً محمد حمدان دقلو الملقب بــ"حميداتي" للمشهد،  يؤكد أن الحاجة الإقليمية لاستقرار السودان أكثر تأثيراً وإلحاحاً وغلبة على الحاجة الثورية المحلية وطرح الحل الأمني كأحد الخيارات بعد فشل جولات متكررة المفاوضات يؤكد أن الجيش لن يقدم الكثير لقوى اليسار والمعارضة المنطوية تحت ستار قوى الحرية والتغيير.

لذلك بدأت المعارضة بإلقاء ورقتها الأخيرة على الطاولة المتمثلة بإعلان العصيان المدني المفتوح بالتزامن مع إحالة رئيس المجلس العسكري لأكثر من 35 ضابطاً في مناصب رفيعة إلى التقاعد بالإضافة إلى إعلان زعيم حزب الأمة، الصادق المهدي، وهو أحد أبرز أيقونات المعارضة في السودان رفضه للعصيان المدني المفتوح خوفاً من أن يؤدي إلى تزايد العنف، وهي مؤشرات تؤكد أن وجود مرحلة إنتقالية سيكون أمر من المستحيل حدوثه في ظل فقدان عامل الثقة بين الجيش وقوى المعارضة التي تريد الجمل بما حمل وترفض استراتيجية المحاصصة التي يتبعها الجيش. ولا يمكن إخراج السودان عن دائرة النفوذ الأمريكي في المنطقة ففي نهاية المطاف إن الخيارات التي تتركها الولايات المتحدة الأمريكية وهي الوجه الجديد للإستعمار الغربي في المنطقة لأي دولة في العالم الثالث إما أن تكون تلك الدولة خاضعة بشكل كامل لنفوذها وإما أن تعاني من الفشل والحصار والتضييق والفوضى الأمنية.