مجلة البيان - الإمام شامل: بطل القوقاز الباسل

الإمام شامل: بطل القوقاز الباسل
الإمام شامل: بطل القوقاز الباسل


أولا: الغارة الروسية الصليبية على القوقاز

في عهد بطرس الأكبر (1696- 1725)، تحولت روسيا القيصرية، إلى إحدى أكبر الإمبراطوريات في العالم، آنذاك، وسمت لوراثة بيزنطة في حماية الأمم الأرثوذكسية، وأخذت تتطلع للسيطرة على إقليم القوقاز الجبلي، الواقع في جنوبها، والذي يمتد بين البحر الأسود، وبحر قزوين، بطول 1200كم، لفرض الأرثوذكسية على شعوبه، والتي كان أكثرها يدين بالإسلام، وبالتالي، تحقيق حلمها في الوصول إلى المياه الدافئة، في البحر الأسود وبحر قزوين. فشن هذا القيصر، حملة ضخمة، على القوقاز عام 1722، واستولى على مدينة دربند على بحر قزوين، إلا أنه بعد وفاته، تخلى الروس عن الإقليم مؤقتا. ولكن غداة الحرب الروسية التركية، عام 1769، عاودت جيوشهم حملاتها الانتقامية على المسلمين القوقازيين، لوقوفهم بجانب العثمانيين، في تلك الحرب، ونجحت، آنذاك، في احتلال الإقليم. وردا على هذه الغارة الروسية الصليبية، تداعى مسلمو القوقاز للجهاد، وانتظموا تحت قيادة الإمام منصور الشيشاني (1748-1794)، فتفجرت، انتفاضة شاملة في الإقليم، سنة 1783، أسفرت عن إلحاق هزائم متتالية بجيوش الإمبراطورة كاترينا الثانية (1762- 1796)، وتدخل السلطان العثماني سليم الثالث (1788-1807م) فأرسل سنة 1790 بطال باشا واليا، فتابع القتال، إلا أنه توقف عنه، قبل سحق الروس، مقابل عدة صناديق من الذهب، فأخمد الروس الانتفاضة، وأسروا الإمام منصور عام 1791. وخلال العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر، شنت روسيا، أقذر الحروب الصليبية، ضد المسلمين القوقازيين، وفعلت بهم الأفاعيل، من هدم القرى على رءوسهم، إلى إحراق الحقول والغابات، إلى التمثيل بالجثث، إلى استباحة الأعراض، إلى الإبادة الجماعية والتهجير القسري.

ثانيا: الإمام شامل قائدا للمجاهدين

بيد أن هذه الممارسات الروسية الوحشية، لم تزد القوقازيين، إلا إصرارا على الجهاد، ففي عام 1828، تزعم حركة الجهاد القوقازية الإمام غازي مولا، ولما استشهد عام 1832 خلفه الإمام حمزات، ولما استشهد سنة 1834، خلفه الإمام شامل. وكان الإمام شامل المولود في قرية غمري بداغستان، عام 1797م، مجاهدا باسلا مغوارا، وقائدا كفؤا، لم تعرف الساحة القوقازية، مثيلا له، من قبل، وكان قد شارك الإمام غازي مولا، وقائعه ضد الروس، وعندما استشهد الإمام غازي، أصيب شامل، بجراح نازفة، وانسحب إلى الغابة، وظن رفقاؤه أنه فارق الحياة. وبعد أن شفي من جراحه تلك، صار الساعد الأيمن للقائد الجديد، وهو الإمام حمزات، فلما استشهد هذا الأخير خلفه الإمام شامل، في قيادة حركة المجاهدين القوقازية، فتعاظمت قوة هذه الحركة تحت قيادته، وتمكنت من الرد بصلابة، وشجاعة، على الحملات الروسية الصليبية، التي كان القياصرة يبعثونها على شعوب الإقليم، وأوقعوها في العديد من الكمائن، وهزموا الروس مراراً، وأذاقوهم الذل والهوان. وبعد أن استمرت الحرب سجالا لعدة سنوات، بين الجانبين، شنت جيوش القيصر نيكولاي الأول (1825-1855)، عام ١٨٣٧م، هجوماً كبيرا لسحق الحركة الجهادية، في داغستان، إلا أن الإمام شامل وأتباعه ردوها على أعقابها، الأمر الذي زاد من شعبية الإمام شامل. وظل الإمام شامل، وعلى مدى سنوات، الشغل الشاغل للروس، حتى دلهم عليه أحد أمراء الداغستان الخونة، فحاصروه بقوة ضخمة فيها مدافع، ولكنه أفلت منهم، وتمكنت هذه القوة من الاستيلاء على بلدة (أشيلطا)، التي كان يتحصن فيها، فأحرقوها بعد مجزرة رهيبة.

ثالثا: ذروة انتصارات الإمام شامل على الروس

وبسبب هذه الخيانة المؤلمة، وهذه الضربة الموجعة التي تعرض لها الإمام شامل من جهة، ونتيجة لاستفحال النزعات العصبية المقيتة، بين القبائل في داغستان، من جهة أخرى، نقل الإمام شامل مقر قيادته إلى الشيشان، حيث لقي من قبائلها استجابة قوية للجهاد. وهكذا تم استئناف الجهاد ضد الروس، من جديد، بصورة أشد من الأولى، وأخذت حروب العصابات، تقض مضاجع الروس. وفي غضون ذلك، شن الروس على المعقل الجبلي الجديد، الذي كان يتحصن فيه الإمام شامل وأتباعه، والذي عُرف باسم "دارجو"، حملتين كبيرتين، حملة "دارجو الأولى" عام 1842م، ووقتئذ، دارت أشرس معركة بين قوات الإمام شامل، والجيش الروسي، وانتهت بهزيمة نكراء للروس، قبل أن يصلوا إلى هدفهم. ثم جاءت حملة "دارجو الثانية" عام 1845م، وكان قوامها 30 ألف مقاتل، فتمكنت من الوصول إلى دارجو، وتسويتها بالأرض بقصفها بالمدافع الضخمة، دون أن تجابه بمقاومة كبيرة، ولكن في طريق عودتها، انقض عليها المجاهدون، من فوق أشجار البلوط الضخمة، انقضاض الصقور على فرائسها، ورموا جثث القتلى الروس أشلاء مبعثرة على صخور الجبال، وتدحرجت رءوسهم في منحدرات الوديان الثلجية، ولم يعد من تلك الحملة سوى أقل من خمسة آلاف، نصفهم جرحى. وتمكن شامل من اقتحام جميع الحصون، التي كانت لهم في الجبال، وغنم منها العديد من المدافع، وكثيرا من العتاد والمؤن، وأخذ عددا كبيرا من الأسرى. ونتيجة لذلك، اضطر الروس إلى الانسحاب من الشيشان، ومن مناطق شاسعة في القوقاز، بعد أن تحولت جبالها الوعرة المكسوة بالغابات، إلى مقبرة لجيوشهم.

رابعا: إقامة دولة شعوب القوقاز الموحدة

ومن هنا، فقد توج الإمام شامل جهاده، بإقامة دولة قوقازية مستقلة، عرفت باسم "دولة شعوب القوقاز الموحّدة"، وقامت على أساس الشريعة الإسلامية، ولذلك عرف هذا العهد باسم "عهد الشريعة"، وأقام الإمام شامل، محاكم شرعية، في كافة الجهات، التي خضعت لسلطانه، وأخذ في تشييد القلاع ومصانع السلاح والبارود، وإرسال الدعاة إلى كافة القبائل، لحثها على الوحدة والجهاد ضد الروس، وغدا شامل شخصية مرموقة، وطبقت شهرته أنحاء أوروبا. وعندما اندلعت حرب القرم (1853-1856) ، بين العثمانيين والروس، وقف شامل إلى جانب العثمانيين، فاستشاط الروس غضبا من ذلك، وأنزلوا قواتهم بعد عام إلى إبخازيا لمناوشة قواته، والإعداد للقضاء عليه، إلا أن قواتهم أخفقت في تحقيق هدفها. بيد أنه بعد أن توقفت حرب القرم، والتي هزمت فيها الجيوش الروسية، أمام الجيوش العثمانية والإنجليزية والفرنسية المتحالفة، وتنكر هؤلاء الحلفاء لوعودهم للإمام شامل، أصبح الطريق مفتوحاً، أمام جيوش القيصر الكسندر الثاني (1855-1881)، لاجتياح الإقليم، وشرع الروس يعدون العدة لحملة انتقامية كبيرة على الإمام شامل للقضاء عليه، ولتحطيم دولته الإسلامية الوليدة. وأثناء ذلك، كان الإمام شامل منشغلا، بتأديب بعض قبائل القبرطاي وغيرها في شمال القوقاز، نتيجة لخيانة زعمائها له، ولكنه خسر حملته عليها، كما فت في عضده انشقاق بعض أصحابه عنه، وانضمامهم للروس، إما حسدا، أو لأجل بريق الذهب الروسي. وكان على رأس هؤلاء، الحاج مراد، زعيم قبائل الداغستان، والرجل الثاني في الحركة، بعد الإمام شامل، وكان انشقاقه ضربة قوية لحركة الجهاد القوقازية، وطعنة نجلاء لشامل في ظهره.

خامسا: التواطؤ الدولي

هذا فضلا عن وقوع الحركة الجهادية في هذا الإقليم، كبش فداء للتسويات الدولية، التي تمخضت عنها معاهدة باريس، سنة 1856، والتي أنهت حرب القرم. إذ لم يهتم بقضية شعوب القوقاز أحد، وتُركوا لمصيرهم، ولذلك، فقد حشد القيصر الكسندر الثاني، جيشًا قوامه 280 ألف مقاتل، ووجهه إلى الإقليم لسحق مقاومة أهله إلى الأبد، بقيادة الجنرال الكبير بارتنسكي، وقام هذا القائد بتطويق الإقليم، وإغداق الأموال على زعماء القبائل، فاكتسب بذلك ولاء العديد منهم، وبعد ذلك، بدأ الجيش الروسي هجومه الكاسح على الإقليم من الشمال، وتقدّمت الكتائب الروسيّة ببطء في الجبال مستهدفة الشيشان، القلب النابض للحركة الجهادية القوقازية، فتصدت القبائل الشيشانية بقيادة الإمام شامل لهذا الهجوم ببسالة، ونشبت بين الطرفين العديد من المعارك الضارية. ولم تنكسر المقاومة، إلا بعد عامين من القتال، وبعد أن أرتكب الروس أبشع المجازر ضد المسلمين، واستطاع الروس أخيرا أن يلحقوا الهزيمة بالإمام شامل، بصورة حاسمة، في أبريل 1859، ولم يكن قد تبقى حوله سوى خمسمائة مجاهد، واستمر الروس في مطاردته، حتى أطبقت عليه، قوة ضخمة منهم في كوينب، شمالي داغستان، بعد أن كان قد تقلص عدد جنوده إلى مائة، وبعد أن نفد ما لديه من سلاح ومؤن، فنزل على إرادة أصحابه، واستسلم للروس في 6 سبتمبر 1859، بعد جهاد بطولي ضدهم استمر ربع قرن. وظل الأمام شامل محتجزا لدى الروس، لمدة تسع سنوات، ولم يمسوه خلالها بسوء، ثم إنه استأذن في الحج، وقد صار شيخا كبيرا، فأذنوا له، فحج سنة 1287هـ/1871م، ثم ما لبث أن توفي في المدينة، عن 75 عاما.

سادسا: النتائج والعبر والعظات

وبعد خضوع الإقليم لسيطرتهم، انقلب الروس وحوشا ضارية في ثياب آدمية، فتم هدم المساجد، وسحل الشيوخ، وتدمير القرى، ومارسوا عمليات تهجير وإبادة منظمة ضد القوقازيين، استمرت لمدة سبع سنوات، وبعدها أعلنت روسيا نهاية حرب القوقاز عام 1864. ولم يمض عام من توقف حرب القوقاز، حتى سقطت طشقند في أيدي الروس، وبعد ذلك، وقعت سائر بلاد التركستان، فريسة للاحتلال الروسي، فقد كان إقليم القوقاز، هو خط الدفاع الأول، عن هذه الأمة، في وجه الحملات الروسية الصليبية، ضد الإسلام، وبانهيار هذا الجدار أصبحت جميع البلدان الإسلامية في آسيا الوسطى، مكشوفة أمام الدب الروسي الجامح. لكن الروس بالمقابل، لم يكسبوا الجولة، دون ثمن، فقد خسروا الكثير في هذه الحروب، فقد كانوا يرسلون إليها الجيش تلو الجيش، ولكن إلى الفناء! فقد كان الإقليم مقبرة الجيش الروسي، ويقال أن القياصرة دفعوا إلى هذا الإقليم 1,5 مليون جندي، ما بين تولي كاترين العرش سنة 1762، وحتى سنة 1864، وما رجع منهم أحد، حتى قال أحد القواد الروس الذين قاتلوا الإمام شامل وأسروه "لولا وقوف هذا الشعب المقاتل في طريقنا لكنّا وصلنا إلى النيل غربا، وإلى بحر اليابان شرقا". وبالرغم من ذلك، فلم تسقط راية الجهاد، حتى يوم الناس هذا، وظل الإمام شامل حاضرا بقوة في الوعي الجمعي للقوقازيين، باعتباره الرجل الذي قهر الروس، وباعتباره أيضا مثلا أعلى للتضحية والفداء، والذي تحذو حذوه الأجيال، في جهاد أعدائها، ونسجت حوله الكثير من الملاحم، في التراث الشعبي القوقازي، والتي تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة.