مجلة البيان - القراصنة في الصومال...الرواية الكاذبة!!

القراصنة في الصومال...الرواية الكاذبة!!
القراصنة في الصومال...الرواية الكاذبة!!


في الصومال يدور صراع ضخم منذ سقوط حكم العسكر عام 1991م واندلاع الحرب الأهلية، هذا الصراع متعدد الأطراف ما بين الأقاليم التي تحاول الاستقلال مثل "أرض الصومال" أو الحكومة المركزية التي تحاول التصالح مع الجميع باعتراف دولي وتعزيز مكانتها أو القبلية التي تحاول الاحتفاظ بقوتها وكيانها داخل هذا البلد المنهك. 

وفقاً لحسابات الاقتصاديين فإن الصومال تمتلك ثروات نفطية ضخمة لم يكشف عنها، لكنها أيضاً تمتلك ثروات سمكية أضخم على طول ساحل يمتد لمسافة 3330 كلم، ولإيمان آخر رؤساء الصومال قبل الحرب الأهلية محمد سياد بري بأهمية هذه الثروة فقد أسست حكومته شركات لتنمية هذا القطاع، منها مشروع تأسيس شركة (صوم-روش) المشتركة لصيد الأسماك وتطوير مرافق التخزين الباردة وإنشاء أسطول صناعي، لكن الأطماع الخارجية ومحاولات بري لاستعادة إقليم أوغادين الذي سلمته بريطانيا لأثيوبيا المسيحية عام 1954م، جعلت طموحاته تتحطم أمام الحرب والتدخلات الأجنبية التي أفسدت على الصومال استقرارها.

يقول تقرير نشره موقع "صومالي تايمز" إن كميات الصيد المحلية لا تتجاوز 10 آلاف طن في السنة، بينما تصل الثروة الحقيقية إلى 300 ألف طن، وهذه الأرقام ستذهب بنا لمعرفة قصة "حراس الساحل" التي أشهرتها الصحافة الغربية بـعنوان آخر هو " القراصنة"، فقد أرسلت الولايات المتحدة وحتى الصين بوارج حربية بداعي حماية حركة سفنها في بحر العرب، أمام هجمات القراصنة الصوماليين، لكن التحقيق في الأمر يظهر رواية مخالفة تماماً للرواية التي ساقها الإعلام الغربي إلينا.. يقول حسن محمد روبل رئيس تعاونية الصيادين في مقديشو إن ظاهرة القرصنة لم تظهر إلا بعد أن بدأت سفن الصيد الأجنبي التي تسرق الثروة السمكية الصومالية تتغول على الصيادين المحليين، وتغرق سفنهم وتطلق النار عليهم، بل إن بعضها كان يقوم برش الماء البارد على قوارب الصيد الصغيرة.

الصحفي الكندي جاي بهادور في كتاب أصدره بعنوان "العالم الخفي لقراصنة الصومال: مجرمون أم ضحايا؟! "  نشر كتاب في عام 2011 أكد فيه أن بلدان لصوص السمك روجت لروايات وأكاذيب غير واقعية بشأن "القراصنة".

في كتابه يستعرض لقاء مع عبد الله أبشير الشهير ب"بويا" وهو من أبرز  القراصنة على ساحل قريته إيل. يقول "بويا" إنه هاجم 25 سفينة من مختلف الأحجام تنتمي إلى عدة جنسيات. "بويا" وفريقه يطلقون على أنفسهم "رجال إنقاذ البحر" وهو مصطلح يترجم في الاعلام الغربي بـ"حراس الساحل".

كان "بويا" يغوص في أعماق البحر بساحل قريته لصيد جراد البحر أو اللوبستر. وكان من خلال عمله في البحر يلحظ انخفاضا حادا في أعداد اللوبستر بسبب تسلل سفن الصيد الصينية والتايوانية والكورية في الظلام وسرقة السمك واللوبستر من المياه الاقليمية للصومال. كان بحارة السفن الأجنبية يستخدمون شباكا محرمة دوليا في عمليات الصيد مما أدي في النهاية الى استنزاف الثروة السمكية بسبب صيد الذريعة من هذه الأسماك في الظلام لم يعد هناك لوبستر. يضيف إنه بدأ مع فريقه برد هجمات سفن الصيد الأجنبية، باختطاف ثلاث سفن بين أعوام95 و1997 وصادروا الأسماك المسروقة عليها وفرضوا غرامة مالية علي الأطقم قبل الإفراج عنهم. تصور "بويا" مع رفاقه بأن السفن ستردع ولن تعود لسرقة أسماكهم، لكنها غارت مجدداً وزاد عددها فما كان أمامهم إلا مواصلة دفاعهم عن ثرواتهم.

يقول البروفيسور عبدي إسماعيل سمتر في جامعة منيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية:" "هناك أربعة أشكال من القرصنة وأكثرهم تكلفة ليس الصوماليين الذين يختطفون السفن، وإنما الايطاليون والأسبانيون والبلجيكيون والصينيون والهنود والتنزانيون، والمصريون، وغيرهم ممن ينهبون ثروات السواحل الصومالية، تخيل كم يكسبون كل سنة؟َ!، سمك بالمجان ونصف بليون دولار سنويا، مما يعني أن هذه الدولة ستوفر حياة رغيدة لمواطنيها إذا أديرت بكفاءة لكن المجتمع الدولي و الدول المجاورة للصومال أن تقوم لها قائمة."

هناك أكاذيب كثيرة حاول الغرب الترويج لها بشأن الصومال، كانوا يحاولون ابتكار صورة ذهنية تشبه ربط الإسلام بــ"داعش"، إنهم يصنعون أيديولوجيا تضع الناس في أقفاص فكرية يستطيعون من خلالها تصنيفهم كيفما شاءوا، فقد حاولوا ربط ظاهرة القرصنة بالإرهاب، وهذا الأمر جاء عقب قيام اثيوبيا بإرسال جيشها إلى الصومال لمحاربة اتحاد المجلس الاسلامي وهي حركة إسلامية سياسية فرضت سيطرتها علي العاصمة مقديشيو ومعظم أقاليم الجنوب من الحكومة الفيدرالية الانتقالية وعدد من قادة الجيش المنافسين لها في الحكم. وقد تسبب الغزو الأثيوبي المدعوم أمريكياً في أن تلجأ القيادات الاسلامية إلي الخارج بالتزامن مع انشقاق مجموعة منهم و انضمامها لتنظيم "القاعدة". يضيف الصحفي الكندي "أمام التآمر الأمريكي علي الصومال أعلن الشباب الاسلامي في مارس2010 رسميا ارتباطه بالقاعدة، رغم ذلك فإن الحقائق تعكس رفض الشباب الاسلامي لعمليات القرصنة لتعارضها مع تعاليم الاسلام." وقد أغلقت جماعة الشباب المسلمين مراكز تدريب وتجمعات القراصنة في إيل أهم مدن الشمال وكانت تعد عاصمة القرصنة في الصومال. وبالرغم من الخسارة الفادحة في العائدات للإقليم الا أن الشباب أصروا علي تحريم هذه العمليات ومحاكمة من يقومون باختطاف أي سفينة.

ووفقا لتقارير صومالية فإن الصيد غير المشروع  بالمياه الإقليمية الصومالية يأخذ 132 ألف طن متري سنويا من الأسماك بقيمة 306 ملايين دولار، في حين يشكل الصيد المحلي ثلث تلك الكمية بتحقيقه نحو أربعين ألف طن متري سنويا بقيمة 58 مليون دولار.

بخلاف الغطرسة و السرقة الغير المشروعة التي تقوم بها سفن صيد من 15 دولة منها إيران وباكستان والصين وإسبانيا، هناك ملفات ضخمة من الفساد تتعلق بهذا الملف مرتبطة بالحكومات المنشقة عن الحكومة الفدرالية مثل "بونت لندا" في شمال شرق الصومال وإدارة "أرض الصومال " في شمال البلاد، بالإضافة إلى الحكومة المركزية إذ تقوم تلك الأطراف بمنح تراخيص لبعض السفن الأجنبية مقابل مبالغ مالية زهيدة للصيد في المياه الإقليمية الصومالية!