مجلة البيان - ماذا تنتظر واشنطن في سوريا؟َ!

ماذا تنتظر واشنطن في سوريا؟َ!
ماذا تنتظر واشنطن في سوريا؟َ!


السفير الأمريكي السابق في سوريا روبرت فورد في يوليو 2011 استفز النظام السوري بزيارته لمدينة حماة أثناء وقوع إحتجاجات في المدينة مطالبة بإسقاط النظام السوري، عقب تلك الزيارة أغلقت واشنطن سفارتها في دمشق لأسباب أمنية. لكن واشنطن عادت إلى سوريا عبر بوابة "داعش" في صيف 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة " الإرهاب" وانتشرت بحسب الخارطة التي وضعت "داعش" حدودها، ونشرت 2000 موظف مدني وعسكري في الأراضي السورية بخلاف وجودها في العراق، لتكون بذلك بداية لعملية تمركز أمريكي في سوريا أكدتها واشنطن بنشر 14 موقعاً وقاعدة عسكرية أغلبها في الشمال السوري.، وفقاً لإحصائية نشرتها وكالة اسبوتنك الروسية.

في أكتوبر م2015 بدأت واشنطن بإنشاء مشروع قوات سوريا الديمقراطية وهي مليشيات كردية خالصة كانت الغاية من تشكيلها طرد تنظيم "داعش" من الشمال السوري وإعادة رسم خارطة المنطقة من خلال تصفية الوجود العربي هناك وتعزيز الهوية الكردية من دير الزور شرقاً وحتى البحر المتوسط شمالاً بالتوازي مع الحدود التركية. يقول الناطق الرسمي السابق باسم "قوات سوريا الديمقراطية"، طلال سلو، في تصريحات سابقة نشرتها وكالة أنباء الأناضول التركية،  " كانت القوات الأمريكية تجبرنا على التوقيع على وثائق لإستلام أسلحة بكميات ضخمة، كانت تذهب إلى شخص يدعى "صفقان" وهو قيادي لدى "بي كا كا" من أكراد تركيا، وهو كان يرسلها إلى مكان لا يعرفه أحد غيرهم، كان المشروع عبارة عن أكاذيب هدفها التأثير على الأكراد في تلك المناطق".  الدعم الأمريكي للمليشيات الكردية أغضب تركيا و صنع أزمة حادة بين الطرفين حولها فيما بعد إلى مواجهة أسفرت عن إطلاق تركيا عمليات عسكرية بدأتها بــ"درع الفرات" ثم "غصن الزيتون" ونجحت من خلالها في تحدي السياسية العسكرية الأمريكية في سوريا وأنهت طموحاتها بإنشاء شريط كردي على الحدود التركية. لكن سعي واشنطن لتعزيز قوة الأكراد كمليشيات يمكنها استخدامها لتحجيم تحرك تركيا في الشمال السوري جعلها تحاول السيطرة على شرق سوريا التي تتمتع بموارد نفطية لا بأس بها، لكن تلك الخطوة أجبرها على الخوض في مناوشات عسكرية مع المليشيات التابعة للنظام السوري و المدعومة من روسيا، ففي 7 فبراير الماضي كشفت مصادر روسية عن مقتل وإصابة أكثر من 200 عسكري روسي من المرتزقة المتعاقدين مع شركة "فاكنر" المتخصصة بتجنيد المرتزقة بعد قصفهم من طائرات أمريكية خلال محاولتهم السيطرة على قاعدة عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية كانت تستخدمها قوات أمريكية في دير الزور شرق سوريا.

يقول روبرت فورد السفير الأمريكي السابق في سوريا، ما جرى في دير الزور حدث لا يستهان به، موسكو لم تردّ بقوّة على هذه الحادثة تحديداً، لكن طالما أن وسائل الإعلام الروسية تسلّط الضوء على الضحايا الروس، لا أعتقد أن الموقف الرسمي الروسي سيلتزم مجدّداً ضبط النفس في حال حدوث اشتباك آخر مماثل.و لا يستبعد أن يواصل الروس صمتهم تجاه قتل رعاياهم، و لا نستطيع فهم الآلية التي يتّبعها الروس في بلورة واتّخاذ القرارات المتعلّقة بردود فعلهم السياسية في سوريا.

تظهر الاحداث بحسب فورد أن واشنطن لا تمتلك استراتيجية خروج واضحة المعالم في سوريا، فقد فوتت فرصة للخروج عقب إعلان إنتصارها على "داعش" عام 2017م والانسحاب من هناك، لكنها اختارت استمرار البقاء وتأزيم الوضع مع تركيا بدلاً من التوافق معها على وضع آلية لإغلاق حدودها في وجه جماعات المعارضة مقابل وقف دعم الأكراد.  هناك إحتمالات متصاعدة مع تصاغر حجم البقع الجغرافية المتصارع عليها، ولا يستبعد أن تتحول المواجهة الدائرة بين الجماعات السورية المعارضة من جهة والنظام السوري وروسيا من جهة أخرى، إلى مواجهة تستثمر كل الأطراف فيها مواردها ضد الوجود الأمريكي في سوريا لا سيما أن واشنطن صنعت لها أزمات مع الروس والأتراك والإيرانيين.

اليوم تركيا تتجه بأنظارها إلى منبج بعد طرد حلفاء واشنطن من عفرين، وصرح بذلك أكثر من مسؤول تركي في نبرة تحدي صلبة تجاه واشنطن، فرئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي حليف حزب العدالة والتنمية الحاكم قال في تصريح له:" إن 20 مليون فيتنامي في "حرب فيتنام" جعلوا 200 مليون أمريكي يعانون، مضيفا أن تركيا ستجعل الولايات المتحدة تمر بـ5 أضعاف ما عايشته في فيتنام"، وفسرت تصريحاته على أنها رسائل غير مباشرة من أردوغان للأمريكيين. بالإضافة إلى تركيا فإيران التي يعتقد أنها خسرت العوائد المادية في سوريا بسبب التدخل الروسي تحاول التمسك بالعراق و الوجود الأمريكي في المنطقة لن يكون في صالحها لذلك يقول فورد"  يسهل تخيّل الطرق التي يمكن أن تمارس من خلالها سوريا وإيران ضغوطاً متنامية على الموقف الأميركي.يؤكد السفير الأمريكي السابق في سوريا، إن "بالنظر إلى رغبة الجمهور الأميركي القوية في عدم الغوص عميقاً في المستنقع السوري، أشكّ في القدرة الأميركية على البقاء على المدى الطويل، إذا ما تكبّدت الولايات المتحدة خسائر بشرية".

خلاصة القول إن المعارضة المسلحة التي تقاتل النظام السوري معارضة إنطلقت وفق خطاب أيديولوجي سني ولا يمكن التغاضي عن ذلك، فهي لن تتوقف إن أنتهت الإشتباكات في الغوطة وسيطر النظام عليها أو تمكن من طرد هيئة تحرير الشام من ادلب، ما يجري اليوم هو معركة بين اللاعبين الكبار بعيداً عن المعركة الحقيقة بين أغلبية سنية و أقلية علوية جلبت الدعم الخارجي لحماية حكمها، وبعد كل جرائم القتل التي استهدفت السوريين السنة لن يتوقف القتل هناك ولن تتوقف عملية مقاومة النظام السوري حتى بعد مضي سنوات، ولنتمعن قليلاً ما يجري في الأراضي الفلسطينية فهو نفس الصراع لكن بصورة أخرى. هناك ملفات ضخمة يجري الحديث عن فشل وضع حلول لها مثل ملف اللاجئين السوريين والنازحين وملف الإعمار فالجهات المانحة اليوم بدأت بالتمعض وإظهار علامات الإرهاق وشح التمويل. وعليه يُرجّح أن تطول معاناة السوريين.