مجلة البيان - المتشاكسون

المتشاكسون
المتشاكسون


بعد مرور أيام على إعلان مقتل علي عبد الله صالح ما زالت الروايات حول مقتله تتضارب، فمن قائل إنه قتل في بيته وهو يحمل السلاح ويقاتل بكل شجاعة، ورواية الحوثي أنه قتل على يد زعيم حوثي يقدس حسين الحوثي بعد اعتراض موكبه ومحاولته الفرار من سيارته، وحيث إن الصور المتوفرة لم تؤخذ فور مقتله وكون موكبه الذي تم اعتراضه مكوناً من سيارة وحيدة مما يضعف رواية الحوثي، وبالتالي فكل الروايات مشكوك فيها والمؤكد فقط أنه قتل. فما هي قصة علي صالح مع الحوثي وما هو تأثيرها على أوضاع اليمن الحالية والمستقبلية؟ ولا يخفى أن ما سنذكره مجرد عناوين توجه القارئ الكريم لأهميتها ودفعه للاستزادة منها.

لقد وصل علي صالح إلى السلطة في مرحلة دقيقة من التاريخ اليمني شهد فيه شقاه الشمالي والجنوبي سلسلة اغتيالات للزعماء، فقد اغتيل زعيم الشمال القوي إبراهيم الحمدي، وتبعه سلفه الغشمي الذي قتل في عملية مزدوجة حيث تم قتله بتفجير قنبلة كان يحملها مندوب لرئيس الشطر الجنوبي سالم ربيع علي الذي تم إعدامه في عدن، وفي هذه الظروف الحرجة وصل علي عبد الله صالح للحكم وهو شاب صغير السن تمرس مع الوقت على السير بين الألغام والرقص مع الأفاعي والثعابين، وممن رقص معهم زعماء الشطر الجنوبي، وتم توحيد اليمن بعد رقص سياسي وحرب ضروس انتهت، وانتهى إحساسه بالحاجة إلى حلفائه من زعماء القبائل والإسلاميين ودخل في مرحلة بناء دولة آل صالح من حزب ينتمي له وجيش أيضاً ينتمي له فقط واسمه الحرس الجمهوري، أما الجيش الوطني فقياداته موالية له ولكن لها ولاءاتها القبلية والفكرية، ولذا مارس معها الرقص إلى النهاية. بعد فشل محاولة الانفصال كانت الملفات الأهم هي العلاقات مع دول الجوار والتحكم في الداخل الذي برزت فيه حالتان مقلقتان إحداهما تعرض المجتمع الزيدي لمحاولة استقطاب من طرفي نقيض هما التياران السلفي والحوثي، والأخرى الحراك الجنوبي. كما هي العادة حاول احتواء التيارين الحوثي والسلفي بالدعم والمضايقة بصورة تبادلية وكانت النتيجة مخيبة للآمال حيث إن التيار السلفي المشيخي تم تحجيمه في صورة مدرسة شرعية مفتوحة لا تحمل رؤية سياسية مستقبلية، وأما التيار الحوثي الذي يحمل فكرة تغيير سياسي جذري مع توفر دعم خارجي لا محدود له فقد كبر وتمدد وتغير اسمه وطرحه، وهنا دخل معه في صراع مسلح ووقع في خطأ قاتل حيث إنه نظر إلى الصراع مع الحوثيين نظرة قاصرة وبالتالي حاول عن طريقهم احتواء الجيش وحركة الإصلاح ودفع الجيش للمواجهة مع الحوثي الذي كان يتلقى الدعم بالسلاح من الحرس الجمهوري، وكانت النتيجة إنهاك الجيش في صعدة وتحجيم الحوثي، ولكن حصل ما لم يكن بالحسبان بالنسبة لصالح وهو مقتل القائد الميداني للحركة وابن زعيمها حسين بدر الحوثي وخاض الجيش خمس دورات صراع كان فيها صالح حريصاً على عدم حسم الصراع. كانت فكرة الحوثي الرئيسة هي أن الإمامة لا تكون إلا لنسل الحسن أو الحسين وهذا يعني استبعاد علي عبد الله صالح من الحكم وبالتالي كان الصراع وجودياً وليس فيه حلول وسط ويضاف إلى هذا أن دم السيد حسين الحوثي في رقبته ومن هنا نستغرب كثيراً كيف تم إقناع صالح أو لنقل دفعه لتبني التعاون معهم وتقليل خطورتهم.

الحقيقة أن الحراك الشعبي في اليمن في إطار ما يسمى بالربيع العربي وتبني آل الأحمر والإصلاح وكثير من الإسلاميين له قد أفرز اصطفافاً جديداً للمتضررين منه وهم علي صالح ودول المحيط والغرب والحوثي والقاعدة والحراك الجنوبي، وكان التحرك المضاد بدأ باقتراح حكومة انتقالية اختير لها نائب الرئيس هادي وهو شخصية ضعيفة ليس لديها قوة تسندها، وكانت الخطة استغلال الفترة الانتقالية بإدخال أكبر قدر ممكن من الكيانات والأحزاب والتوجهات من أجل تذويب القوى التي وقفت خلف الحراك الشعبي وتمييع مطالبهم، وأحضر الحوثي كأحد مكونات الوطن التي لا يمكن استبعادها وأصبح رقماً مهماً في الحوار، والأخطر أن هناك من قرر وأقنع دول الجوار بل وأقنع علي صالح أن العدو الرئيس هم من وقفوا مع التغيير وأن الحوثي عدو فرعي يسهل التعامل معه ولذا يجب استخدامه رأس حربة في مواجهة الربيع اليمني، ومن صعدة إلى صنعاء تم تعبيد الطريق أمامهم وفتحه بمشاركة الجميع فقد تمت إزالة العائق الأول في دماج بأمر رئاسي من هادي وسلمت لهم صعدة بعد تصفية قيادات الجيش في صعدة ومنهم حميد القشيبي وابنه بعملية حوثية شارك فيها وزير دفاع الحكومة الانتقالية الذي فر إلى إحدى دول الخارج، واستمر التمدد إلى صنعاء بطريق يعبد أمامهم وتم من خلاله تصفية القيادات القبلية وتفجير بيوتهم تعبيراً عن انتهاء مشيختهم، وكان دور رجال صالح في الجيش بارزاً وتم حشر القائد القوي والمنافس لصالح وهو علي محسن الأحمر وكل آل الأحمر وزعماء حركة الإصلاح، وكان دخول الحوثي لصنعاء يوماً مشهوداً برز فيه أنهم يبدون واجهة لصالح وأداة لانتقامه، ولكن مع انسحاب علي محسن والإصلاح تم نسيان مطالب الثورة والانشغال بترتيب البيت، وحاول الحوثي انتهاز الفرصة لقطف الثمرة والاستئثار بها فقدم للرئيس قائمة مطالب طويلة بتعيين رجالهم في مناصب عليا بالدولة، وكان مستعداً للموافقة لولا أن لمح اسماً لمنصب مستحدث وهو نائب الرئيس فرفض لأن معناه الجلي هو أن وجوده على قيد الحياة هو المانع الوحيد لاستلامهم السلطة العليا، وبعد فراره من السجن الذي وضع فيه إلى عدن تحولت الحكومة الانتقالية إلى حكومة شرعية ودخل اليمن في صراع جديد بين قوى جديدة لا تمت إلى من قام بالحراك الأول، وكان وقود الحرب قوات علي صالح، أما الحوثي فقد استغل الفرصة لبناء قواه الذاتية بأموال الدولة والدعم الخارجي غير المحدود، وكانت قوى صالح تتبدد إما بالحرب أو بالاحتواء من الحوثي، وفي النهاية اكتشف صالح أنه الخاسر الكبير فحاول القيام بالرقصة الأخيرة ولكن الوقت فات وقتله من رباهم وقواهم ورضي أن يكون وسيلة وأداة لوصولهم لمرحلة ستتلوها مراحل، فمن البديل الجديد الذي سيركبوه؟

وفي الختام أذكر القراء الكرام أن حال اليمن اليوم تحكيها لنا الآية الكريمة في سورة الزمر وهي قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْـحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29]، نسأل الله أن يهيئ لليمن يداً واحدة مصلحة تقودها إلى بر الأمان.