مجلة البيان - الحج والقرامطة الجدد

الحج والقرامطة الجدد
الحج والقرامطة الجدد


في هذه الأيام حيث تصبح مكة المكرمة محط أفئدة ملايين المسلمين الذين توافدوا إليها لأداء فريضة الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، ينبغي لنا أن نستكشف معالم هذه الظاهرة الفريدة من نوعها وقدرتها على وحدة الصف والكلمة للمسلمين في جميع أنحاء العالم. فقد كتب العقيد "احتياط" الدكتور مردخاي كيدار مقالة نشرها موقع "معهد بيغن-السادات" "أن الحج بوصلة لمركز قوة العالم الإسلامي، ومحط أنظار القوى الإسلامية المتصارعة، ومثار خلاف سياسي كبير على مستوى بلدان العالم الإسلامي، لأن ذلك الحدث يحدد من يحمل راية القيادة في العالم الإسلامي".

منذ نشأة المملكة العربية السعودية عام 1352 (1932م)، وبدء الملك عبد العزيز رحمه الله تثبيت أركان حكمه كان يولي الحج إهتماماً خاصاً كون المملكة جعلت الدين عصب الحكم فيها، وإلى يومنا هذا يمارس أنجاله هذا الدور من خلال حماية الحرمين الشريفين وتأمين طرق الحجاج وتوفير الطعام والشراب لضيوف الرحمن، وأماكن المبيت والنقل والمواصلات. لكن ومنذ الثورة الخمينية بدأت إيران تحاول التصادم مع السعودية في هذا الحدث ومنازعتها في هذا الأمر باعتباره أحد رموز السيادة في العالم الإسلامي، ومن الشواهد الموثقة على حقيقة ما تسعى إليه إيران عدة حوادث أبرزها، حينما قام حجاج إيران في الحادي والثلاثين من يوليو (تموز) عام 1407 (1987م) وهم يحملون صور المرشد الإيراني الخميني وأعلام إيران، بمظاهرات حاشدة أثناء موسم الحج، أّدت إلى قطع الطرقات وقتل بعض الحجاج، والمواطنين ورجال الأمن. وفي العاشر من يوليو عام 1409 (1989م)، دّبر تنظيم "حزب الله الكويت" وبتعليماٍت من محمد باقر المهري وبالتنسيق مع دبلوماسيين إيرانيين ­ تفجيراٍت في المشعر الحرام؛ الأول: في أحد الطرق المؤدية للحرم المكي، والآخر: فوق الجسر المجاور للحرم المكي.

وخلال موسم الحج عام 1436 قام قرابة 300 حاٍج إيراني خالفوا تعليمات التفويج الأمر الذي تسبب في مقتل 720 من الحجاج، بينما زّورت هوّية سفيٍر لها ضمن الحجاج٬ مخالفة بذلك القوانين والأنظمة المدنّية المّتبعة في كل الدول. تلك الأحداث المؤسفة استثمرتها إيران في تحويل ملف الحج إلى قضية مثار جدل وتنازع سياسي في العالم الإسلامي، وجعل البعض يتجرأ على المطالبة بتدويل الحج و جعله ورقة من أوراق المجتمع الدولي في وجه العالم الإسلامي، ولا شك بأن هذه الدعوات التي تطلق بين الفينة والأخرى فيها مساس واضح بأعظم شعائر المسلمين ورمز من رموز وحدة الصف و الكلمة لهم، ففي الوقت الذي يرفض فيه الإحتلال اليهودي لفلسطين أي مطالب دولية بتدويل القدس وفتحها أمام جميع الأديان وإخضاعها لوصاية الأمم المتحدة، يتطوع من يحسبون أنفسهم على الإسلام لإشراك الأمم المتحدة في إدارة موسم الحج!.

في عام 1437هـ وعقب رفض إيران للسماح بحجاجها المشاركة في الحج بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة العربية السعودية، على خلفية مهاجمة السفارة السعودية في طهران، أفتى علي خامنئي المرشد الإيراني بجواز الحج إلى كربلاء، عقب ذلك بأيام أعلنت الحكومة العراقية أن مليون إيراني دخلوا الأراضي العراقية لأداء ما سمتها بــ"زيارة عرفة" عند مرقد الإمام الحسين في مدينة كربلاء. تلك البدعة الإيرانية التي جاءت امتداداً لثقافة دينية شيعية ترسخ التبرك بالقبور وتضفي القداسة على بعض الشخصيات في التراث الديني الشيعي، جعلت الكثير من علماء أهل السنة والجماعة ينتقدونها ويتهمون المرشد الإيراني بتعميق الانشقاق في العالم الإسلامي. إن قضية الحج هي أحد الإنقسامات الكبيرة بين الشيعة والسنة في العالم الإسلامي، وإذ يمثل الشيعة ما يعادل 10% من المسلمين حول العالم من أصل 1.62 مليار مسلم فإن الرغبة الشيطانية لدى إيران دفعتها لخوض حروب في العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان بهدف محاولة الحصول على النفوذ الأكبر في المنطقة.

 وإذا أردنا أن نستذكر مواقف ونوايا الشيعة تجاه مكة المكرمة وموسم الحج والصراع على الوصاية الدينية بين السنة والشيعة في العالم الإسلامي فإننا يجب أن نستحضر فتنة قرامطة البحرين الذين أغاروا على المسجد الحرام وقطعوا طريق حجاج بيت الله وسرقوا الحجر الأسود بغية إجبار الناس على الحج إليه في القطيف! لذلك ينبغي على جميع الأطراف إدراك مكانة الحج كرمز لوحدة الأمة وقوة كلمتها، فهو المناسبة الدينية الأضخم على مستوى العالم بأسره، وكذلك فإنها شعيرة ذات أهمية عظيمة لمليار وأكثر من نصف المليار مسلم حول العالم، منهم العربي ومنه الأفريقي ومنهم الأوروبي، ولذلك فإن الحفاظ على أمن الحجاج وتوفير سبل الراحة لهم وسيلة غايتها مرضاة الله والفوز بجنته بالنسبة لكل مسلم.