مجلة البيان - الكنيسة الكاثوليكية في رواندا... تاريخ ملطخ بالدماء

الكنيسة الكاثوليكية في رواندا... تاريخ ملطخ بالدماء
الكنيسة الكاثوليكية في رواندا... تاريخ ملطخ بالدماء


تؤكد الشواهد التاريخية أن الصراعات العرقية التي شهدتها بعض البلدان الإفريقية خلال القرن الماضي، لم تكن لتصل إلى مستوى حروب الإبادة الجماعية بحق عرقيات بعينها، إلا إذا توفر لإحدى الطائفتين المتصارعتين داعمون من الخارج يقدمون المال والسلاح للتخلص من الطائفة أو الإثنية الأخرى، ومؤسسة دينية توفر غطاء وتتدخل كلما استدعى الأمر.

كعادة بعض البلدان الغربية، لم تجد فرنسا أي غضاضة في تمويل وتدريب آلاف العناصر المسلحة من إثنية "الهوتو" المتشددين، والمشاركة بجيوش من المرتزقة لقتل نحو 800 ألف من إثنية "التوتسي" في روندا خلال النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، وهي واحده من أبشع وأكبر حروب الإبادة الجماعية التي شهدتها القارة الإفريقية خلال التاريخ الحديث، فدموية العشرات من الساسة والعسكرين الفرنسيين الذين تورطوا بشكل مباشر في تلك الجرائم، صاحبَها نشاط كاثوليكي لا يفهم إلا لغة العنصرية والقتل، فالأب "أتانازي سيرومبا" رجل دين كاثوليكي لم يتوان عن إعطاء تعليماته بهدم كنيسته فوق رؤوس نحو 2000 لاجئ من "التوتسي" في جنوب غرب روندا عام 1994، حتى أنه أمر ميلشياته بملاحقة من تبقوا على قيد الحياة والتخلص منهم بدم بارد.

اختلط الصراع السياسي بالديني بالقبلي في تلك الدولة الإفريقية ذات الغالبية السكانية النصرانية، فوفقاً لإحصاءات غير رسمية، فإن نسبة الكاثوليك وصلت في تسعينات القرن الماضي إلى 46% غالبيتهم من "الهوتو" بينما وصلت نسبة البروتستانت آنذاك إلى حوالي 26%، أغلبهم من "التوتسي"، أما المسلمون فكانوا أقلية، لكنهم استطاعوا خلال ثلاثة عقود مضت تغيير ذلك الواقع وأصبحوا يمثلون نحو 15% من عدد السكان. ولعل ما يميز الإسلام في هذا المقام، أنه لم يفرق بين التنوع العرقي، فأعداد كبيرة من "التوتسي" وكذلك "الهوتو" دخلوا الإسلام، وخاصةً أن المسلمين كانوا قد لعبوا دوراً إنسانياً كبيراً في إنقاذ الآلاف من الموت وحمايتهم في المساجد خلال عمليات الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا.

في لمحة سريعة على تاريخ ذلك البلد الواقع شرق إفريقيا، سنلاحظ أن الاستعمار الأوروبي كان قد عمل على ترسيخ ذلك الطابع القومي والقبلي داخل السكان، فمنذ عام 1930 فرض المستعمر البلجيكي بطاقة الهوية الشخصية على سكان رواندا مع الإشارة بشكل إجباري لما يُسمى الأصل الإثني "هوتو – توتسي" الأمر الذي كان له نتائج كارثية في الصراع بين المكونات السكانية تجلت بشكلها الدرامي عام 1994.

ولعل ما زاد من حالة الاحتقان وبث مشاعر الكراهية داخل نفوس السكان، هو سيطرة ونفوذ الأقلية "التوتسي" على الحكم حتى عام 1961، وهو ذلك العام الذي شهد مجازر جماعية ارتكبتها عصابات "حزب انعتاق الهوتو" بحق "التوتسي"، وقد وصل الأمر إلى عزل الملك وإبعاده خارج البلاد، وإعلان تلك الجمهورية الشكلية عام 1962، وذلك بعد نجاح ما سُميت بالثورة الاجتماعية الزراعية، الجدير بالذكر أن إثنية "الهوتو" كانت تعيش على الزراعة، بينما تعيش إثنية "التوتسي" على تربية الحيوانات، وربما لهذا السبب أطلق "التوتسي" على ثورتهم هذا المسمى.

لم تتوقف المجازر بحق "التوتسي" خلال الأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد في سبعينات القرن الماضي، وذلك بدعم فرنسي كاثوليكي، حتى أن الحكومة كانت تستخدم "التوتسي" كبش فداء، ما دفع الكثيرين منهم إلى الهجرة خارج البلاد، لكن حالة عدم الاستقرار التي فرضت نفسها، دفعت وزير الدفاع "جوفينال هابياريمانا" إلى الانقلاب العسكري عام 1973، بحجة فرض الاستقرار، وقد لجأ إلى تطبيق تلك المعايير الديمقراطية العربية القائمة على النجاح بنسبة 99% في الانتخابات.

هذا الأمر لاقى استحساناً فرنسياً، عكس بكل تأكيد طبيعة المبادئ الغربية المرتبطة بالمصالح، بل وصل الأمر إلى أبعد من ذلك حينما دعمت الحكومة الفرنسية تلك الإجراءات الاستئصالية التي اتبعها الرئيس الرواندي الجديد بحق "التوتسي" عام 1982، ولم تنقطع في ذلك الوقت زيارات الرئيس الفرنسي الاشتراكي "فرانسوا ميتيران" وابنه "جان" وما قدموه من مساعده للنظام الجديد.

في هذه الأثناء نجحت كثير من النخب والطلاب الروانديين خارج البلاد من "التوتسي" في تشكيل ما عُرفت بالجبهة الوطنية الرواندية عام 1988، وقد خرجوا في 8 يناير عام 1990 بأعداد كبيرة تجاوزت الـ 100 ألف متظاهر للاحتجاج على سياسة الحكومة القمعية بحقهم، وهو ما قابلته الحكومة الرواندية بالقمع والزج بهم في السجون، وذلك أيضاً بمساعدة فرنسا التي أرسلت قواتها المظلية بحجة حماية رعاياها.

تمخض عن المساعدة الفرنسية للحكومة الرواندية، تعيين قائد القوات الفرنسية في البلاد "شوليه" مستشاراً لرئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ومستشاراً لقائد أركان الجيش، وقد توالت المجازر بحق "التوتسي"، فمنطقة "غيزني" شهدت واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية التي نفذتها ميليشيا مسلحه تابعة "للهوتو" عام 1992، بغطاء ديني تقوم عليه الكنيسة الكاثوليكية دون أي تقصير من فرنسا التي قدمت كثيراً من الدعم المالي والعسكري.

رغم إجراء عدة جولات تفاوضية بين الحكومة الرواندية والجبهة الوطنية التي اضطرت لتشكيل جناح عسكري في وقت سابق للدفاع عن "التوتسي"، ورغم الوصول إلى تفاهمات بين الطرفين، تقضي بإدخال عناصر الجبهة المسلحة داخل الجيش ودمج العديد من قيادتها السياسية داخل الحكومة، إلا أن الوصول إلى اتفاق سياسي حقيقي، ظل بعيد المنال بفعل المعارضة الشديدة من قبل حزب الرئيس الرواندي، ولم تفلح اتفاقيات "أروشا" عام 1993 في وضع حد لهذا الصراع الدموي، فتعاظم المساعدات العسكرية الفرنسية للرئيس الرواندي، ووصول مصروفات الجيش على السلاح إلى 100 مليون دولار لتصبح رواندا أكبر ثالث دولة إفريقية من حيث الإنفاق على السلاح، كان كفيلاً باستمرار تغول "الهوتو" الحاكمة على "التوتسي"، وخاصةً أن الدعم الكاثوليكي كان يتم بالموازاة مع الدعم الفرنسي.

عشرات التقارير نشرتها منظمات حقوق الإنسان تتحدث عن تورط شخصيات سياسية فرنسية ورجال الكنيسة الكاثوليكية في عمليات القتل والإبادة بحق "التوتسي"، لكن ذلك لم يضع حداً لهذه المأساة، التي بلغت ذروتها عام 1994، حينما استغل الجيش الروندي والميليشيات المسلحة التابعة "للهوتو" المدعومة من الكنيسة الكاثوليكية، استهداف طائرة الرئيس الرواندي ونظيرة البورندي في أبريل من ذلك العام - التي أدت إلى قتل كلِّ من على الطائرة - في ملاحقة كل من ينتمي إلى "التوتسي" والمتعاطفين معهم من المسلمين وغيرهم من الديانات الأخرى، وقد عملت الكنيسة الكاثوليكية آنذاك على تشويه المسلمين الذين حاولوا إنقاذ المستضعفين وحمايتهم من بطش المتطرفين الذين استخدموا كل أنواع السلاح، وكل أشكال القتل والاغتصاب والتعذيب، ووفقاً لتقارير حقوقية أكدت في ذلك الوقت، أن حوالي ربع مليون شاركوا في تلك المأساة التي راح ضحيتها نحو 800 ألف من "التوتسي" التي اعتنق كثير منها الدين الإسلامي في ما بعد.

كانت القوات الفرنسية قد انسحبت من البلاد قبل عام واحد فقط من تلك المأساة، وعملت على إجلاء معظم رعاياها، وتخلصت السفارة الفرنسية في العاصمة الرواندية "كيغالي" من كل الوثائق التي يمكن أن تثبت تورط بعض سياستها وقياداتها العسكرية في تلك المجازر، وبالرغم من دخول بعثة الأمم المتحدة إلى البلاد قبل أشهر قليلة من جرائم الإبادة الجماعية التي استغرقت 100 يوم فقط، إلا أنها لم تحُل دون الرغبة في القتل والانتقام التي سيطرت على العناصر المسلحة من "الهوتو" ومن خلفهم ضغائن الكنيسة الكاثوليكية، ووفقاً لإحصائيات حقوقية فإن معدل عمليات التصفية الجسدية كان يصل إلى خمسة أشخاص في الدقيقة الواحدة.

تورط رجال الدين الكاثوليك في القتل والتحريض عليه تم إثباته في معظم التقارير الأممية وكذلك تقارير مؤسسات حقوق الإنسان، التي أكدت على أن الكنيسة عملت على تسهيل وشراء كثير من صفقات السلاح وتوزيعها على المتطرفين من "الهوتو". وقد وصل الأمر إلى تدخُّل رجال الكنيسة في شراء نحو500 ألف ساطور ودفع ثمنها من المساعدات الخارجية وتوزيعها على الفلاحيين، وذلك من خلال فروع المؤسسة الخيرية الفاتيكانية المنتشرة في البلاد، والتي ساعدت على جعل الساطور هو السلاح الأكثر استخداماً في تلك الإبادة الجماعية.

حالة المد والجزر التي فرضت نفسها على ما كان يوجه من اتهامات لفرنسا ورجال الكنيسة الكاثوليكية ظلت تراوح مكانها، إلى أن أكدت محكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة في مدينة أروشا في تنزانيا  عام 2000 تورطَ الكنيسة وتوفيرَها غطاءً لعمليات القتل، وقد حكمت بالسجن على رجل دين كاثوليكي يُدعى "الأب أتانازي سيرومبا"  بمدة 15 عاماً بسبب ضلوعه في القتل والطلب من العناصر المسلحة بهدم كنيسته على رؤوس نحو 2000 من "التوتسي" الذين لجؤوا إليه هرباً من الموت.

ورغم ما سجلته لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة من ملاحظات حول دور الكنيسة الكاثوليكية الدموي في رواندا، إلا أن هذه الأخيرة ظلت ترفض الاعتراف بما اقترفته من جرائم بحق الشعب الرواندي الأعزل، لكن نكرانها لم يدم طويلاً واضطرت في 21 نوفمبر 2016 إلى الاعتراف في بيان رسمي، بأن أعضاءها خططوا وساعدوا ونفذوا كثيراً من جرائم الإبادة الجماعية في رواندا.

اعتذار الكنيسة جاء على طريقة اعتذار سابق للحكومة البلجيكية التي شاركت هي الأخرى في قتل الآلاف من الشعب الرواندي أثناء استعمارها للبلاد، ومشاركتها في حروب الإبادة الجماعية، لكن الأهم من ذلك أن مثل هذا الاعتذار وإن كان متأخراً يمهد الطريق أمام الحكومة الفرنسية للاعتراف بجرائمها في روندا وغيرها من الدول الإفريقية، في الوقت ذاته يوضح اعتذار الكنيسة حقيقة الحملات التبشيرية العنصرية التي اتبعتها في رواندا وبلدان إفريقية أخرى، وهذا ما يدفع إلى القول: إن جرائم الإبادة التي شهدتها القارة الإفريقية خلال عقود طويلة من القرن الماضي لم تكن ذات طابع قبلي أو سياسي فقط كما كان يروج إعلامياً، بل كان للجانب الديني النصراني دور كبير في قتل الملايين من سكان هذه القارة.