مجلة البيان - الـدم الـسُّـنـي الـمـسـفـوح

الـدم الـسُّـنـي الـمـسـفـوح
الـدم الـسُّـنـي الـمـسـفـوح


تتعاظم أوجاع الأمة الإسلامية على طول هذه الخريطة الجغرافية المتسعة يوماً وراء آخر كلما ابتعدت عن المسار الصحيح وتجاوزت النظم السماوية وتهافتت إلى الصراع الداخلي وتركت العدو يسرح ويمرح في كل الأرجاء.

يفتح الناظر عينيه فيجد الدم السني مراقاً في كل مكان من صنعاء إلى بغداد مروراً بحلب وليس انتهاء ببيروت وطرابلس، فالدم السني يهدر خارج الحدود العربية في ميانمار وبنغلاديش وهناك في أقصى الغرب يحبس المسلم نفسه فقد أصبحت تهمة الإرهاب تلاحقه في كل مكان.

وكما قيل فقد تغيرت خريطة العالم والمسافات لم تعد واقعية، فصعدة اليمنية أصبحت أقرب إلى إيران من السعودية، وطريق القدس يمر من حلب عبر الطائرات الروسية، وبغداد أصبحت مدينة إيرانية، وأنقرة تواجه الحرب العلنية، ودبي تعيش في السكرة الدنيوية، وبينهما يموت المواطن السني برصاصة شيعية مدفوعة الثمن من الدول الغربية.

هو المشهد إذن يتشكل على هذا النحو الدامي، فكبرى العواصم السنية تتعرض لهزات وضربات موجعة، وحلب السورية باتت في حكم الشيوعية الروسية، أما الموصل فقد وقعت بين فكي كماش داعش وميليشيات الحشد الشعبي الطائفية، وفي اليمن تقف تعز صامدة أمام عنف وحصار الميليشيات الحوثية، أما بغداد وصنعاء وبيروت ودمشق فقد وصلتها الثورة الخمينية، وأعلنت طهران ضمها إلى الهلال الشيعي الإيراني، بمباركة غربية. أما الفلوجة وحمص وإدلب فقد عوقبت على رفضها للطغيان الإرهابي الميليشياتي، في حين تعيش القاهرة في خوف وتوجس من مصير مجهول.

 قد يبدو الوضع سوداوياً للقارئ الكريم وقد أبدو متشائماً للغاية من سوء ما وصلنا إليه، لكنه واقع يجب أن يطرحَ بهذه الطريقة حتى تعيد هذه الأمة حساباتها وترتب أولوياتها وتميز أصدقاءها من أعدائها، وحتى تعرف أنها تسير في الاتجاه الخاطئ وأن الزمن يسابقها.

آخر تقرير صادر عن دوائر غربية نشره المستشرق الصهيوني إيال زيسر يؤكد أنه منذ عام 2003 أي منذ تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق تم اقتلاع أكثر من 16 مليون سني من حوضي دجلة والفرات في سوريا والعراق من أصل 20 مليون. ويقول المستشرق إن هناك تواطئاً وتوافقاً أمريكياً، روسياً، إيرانياً، على تفريغ الكتلة السكانية السنية الحرجة من دجلة والفرات.

وهذا الأمر يفسره حجم الدمار والخراب الذي أحدثته القوات الغربية في العراق وسوريا خصوصاً المدن ذات الأغلبية السنية من أجل عدم ترك المجال لأهاليها للعودة إلى ديارها في حال توقفت الحرب، بل حرصت على توطين ميليشيات شيعية طائفية مكانها من أجل ضمان التصفية الشاملة.

إنها حرب شاملة لتصفية أهل السنة من مناطقهم على أيدي عربية شيعية طائفية معززة بميليشيات إيرانية وأفغانية تدين بالولاء لطهران، فقد اجتمعت كل القوى من أجل إعلان الحرب على أهل السنة.

ويبدو جلياً أن الدول الغربية قد أعطت لإيران المجال للتحرك بكل أريحية، وما عجزت عن تحقيقه ميليشياتها الطائفية تقوم الطائرات الغربية والروسية بإكمال المهمة على وجه السرعة، وعندما تحاول المدن السنية الدفاع عن نفسها ستكون تهمة الإرهاب جاهزة لإلصاقها على كل من يدافع عن دينه ووطنه وعرضه.

متجر البيان

لقد أعلنها الرئيس الأمريكي السابق "بوش الابن" حرباً صليبية على الإسلام، وأعلنها رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي "قادمون يا حلب، قادمون يا رقة، قادمون يا يمن"، وها هي قوات بوتين تدخل مدينة حلب لتفتح الطريق لميليشيات إيران لكي تزرع خبثها في الأراضي البيضاء.

وفي اليمن لربما كان الوضع أكثر سوءاً لولا تدخل عاصفة الحزم التي أنقذت أغلب المدن من الاحتلال الحوثي ودمرت الطائرات التي كانت بحوزة الحوثي والتي قصف بها على مقر الرئيس الشرعي هادي في مدينة عدن ولو بقيت في يده لقصف بها تعز وعدن ومأرب والمحافظات المحررة، فصواريخه وصلت إلى قرب مكة المكرمة.

أما تركيا فكلما حاولت أن تدفع بثقلها للدفاع عن أهل السنة في العراق وسوريا واجهت صدمات وعقبات ولدغات سامة في الداخل التركي، فقد تعرضت تركيا لعميات إرهابية خلال عام 2016 تساوي عدد العمليات في شتى الدول الغربية وأكثر، ومع ذلك لم تحصل إلا على تضامن بارد عكس ما حدث في فرنسا عندما توجه قادة الدول العظمى لمساعدة الرئيس الفرنسي وتعزيته على حادثة "صحيفة شارلي إيبدو" الشهيرة.

إن هذا الاستهداف الواضح والتصفية الممنهجة لأهل السنة في منطقة الشرق الأوسط على وجه خاص وفي العالم على وجه العموم، يفرض على أهل السنة أن يضعوا حداً لحجم خلافاتهم الهامشية وأن يلتفتوا إلى حجم الخطر الذي يسعى لتصفيتهم بشكل شامل بعيداً عن انتماءاتهم واختلافاتهم الفكرية والسياسية.