مجلة البيان - النفوذ التركي في إفريقيا

النفوذ التركي في إفريقيا
النفوذ التركي في إفريقيا


لم يكن العام 2005 بداية العلاقات التركية الإفريقية بل كان موعد اطلاق خطة انفتاحية كبيرة على القارة السمراء، حيث بدأ الاهتمام يتبلور بشكل عملي في العام 1998 ومع وصول حزب العدالة والتنمية زاد الاهتمام بشكل كبير وخاصة في مجال الإغاثة والمجال الاقتصادي، وقد انعكس الاهتمام على تزايد النشاط الدبلوماسي والاقتصادي التركي في القارة الإفريقية حيث أصبح لتركيا 39 سفارة في أفريقيا كما وصل حجم التبادل التجاري إلى 25 مليار دولار. وأصبحت الخطوط الجوية التركية تصل إلى حوالي 40 مدينة في القارة الأفريقية وتضاعفت العلاقات بين مؤسسات المجتمع المدني من الطرفين. ومؤخرا فقد نظمت تركيا أول منتدى أعمال تركي أفريقي سيجمع بين رجال الأعمال من مختلف أنحاء القارة السمراء ونظرائهم الأتراك نظم تركيا يومي الثاني والثالث من نوفمبر 2016. وتم الدعوة عبر وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي إلى إعلان عام 2017 سنة التجارة الحرة بين تركيا وأفريقيا، وضرورة الاستنفار الفوري لتحقيق ذلك في خطوة تؤكد على مضي تركيا في طريقها نحو علاقات وتعاون أكبر مع أفريقيا وأيضا على استخدام المجال الاقتصادي كمدخل للعلاقات الأخرى.

وقد جاء التوجه التركي نحو أفريقيا  بناء على إدراك لأمور مهمة منها أن أفريقيا تضم 54 دولة وهي ثاني اكبر قارة من حيث المساحة وعدد السكان، كما أن أفريقيا معروفة بامتلاكها للموارد والثروات، وهي القارة الأكثر شبابا في العالم، حيث أن متوسط الأعمار فيها 18 سنة وهذا يرتبط مباشرة بملفات مثل القوى العاملة والأسواق وغيرها، أما الأمر الذي لا يقل أهمية فهو نمو الاقتصاد حيث أن أفريقيا هي صاحبة الاقتصاد الأسرع نموا خاصة منطقة غرب أفريقيا ولذلك أصبحت هي ومنطقة شرق أفريقيا جاذبة للاستثمار الأجنبي.

وفي ذات السياق فإن تركيا التي أصبحت تركز على عناصر القوة الخشنة بعد فترة طويلة من اعتمادها على القوى الناعمة تدرك أهمية الممرات المائية والجزر التابعة لدول القرن الأفريقي وأن المنطقة هي منبع لنهر النيل الامر الذي يحمل انعكاسات أمنية وتنموية كذلك الحال وجود تنافس كبير بين القوى الإقليمية والدولية على الاستفادة قدر الإمكان من القارة الإفريقية.

أما فيما يتعلق بالجانب الأمني فتحاول تركيا أن يكون لها دور أمني يحافظ على مقدراتها  وانجازاتها السياسية والاقتصادية ولا يكون أقل من دول أخرى تعمل في القارة الافريقية مثل العدو الصهيوني وفرنسا وغيرها ومن الجدير بالذكر أن عددا من التفجيرات حصلت في محيط البعثة التركية في الصومال كان أحدها خلال جولة الرئيس التركي إلى افريقيا وعملت تركيا على تطوير وجودها وتعاونها الأمني مع عدة دول أفريقية مثل كينيا واوغندا وتنزانيا وفي هذا السياق فإن خبرة الأتراك الأمنية والعسكرية التي اكتسبوها من وجودهم الطويل كثاني أكبر قوة من حيث العدد في حلف شمال الأطلسي الناتو قد أحسن استغلالها في تطوير مجال التدريب الأمني وهو يعتبر كشكل من اشكال الصادرات التركية وقد تم  التعاون في هذا مع عدد من الدول الافريقية.

وعلى الجانب العسكري سعت تركيا لتأسيس قاعدة عسكرية لها من أجل تدريب الجيش الصومالي المكون من 10 آلاف و500 جندي وهو العدد الذي سمحت به الأمم المتحدة وقد أفيد أن انطلاق هذا المشروع سيكون على دفعات متتالية قوام كل منها 500 جندي. وتأتي هذه الممارسات كما ذكرنا سابقا من أجل  تأمين تركيا لمشاريعها الكبيرة في الصومال مثل ميناء مقديشيو الاستراتيجي التي تقوم  عليه منذ 2011، وتتكفل بصيانته وتديره شركة التركية بشكل كامل، فضلا عن استثمارات تركية تصل إلى 600 مليون دولار أمريكي في قطاعي الصحة والتعليم.

ولكن الانفتاح التركي على افريقيا يعمل بشكل واضح مختلف عن الاخرين وخاصة عن  الدول الاستعمارية التي استغلت ثروات القارة وحقوقها ولهذا فإنها تركز على مجالات الاغاثة  والتنمية وبناء المدارس والمساجد وترميم الاثار في دول مثل الصومال وتحاول البناء على العلاقات التاريخية الجيدة الموجودة في مناطق شمال وشرق أفريقيا وعلى طول ساحل البحر الأحمر منذ عهد الدولة العثمانية ولهذا فإن كل من الصومال وجيبوتي واريتريا وكينيا واثيوبيا هي في قلب الاهتمام التركي. وقد قال أردوغان في أحد زياراته للصومال أن البعض جاء إلى افريقيا لأجل الذهب لكن تركيا أتت إلى افريقيا لتضمد الجراح. كذلك ربما يعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر رئيس من خارج القارة الأفريقية نظم زيارات للدول الإفريقية حيث قام منذ  عام 2002 بقرابة 30 زيارة لدول القارة وكان أول رئيس يزور الصومال.

ومن الأمور المهمة التي لا ينبغي اغفالها في هذا السياق هو وجود نفوذ جماعة غولن الكبير في القارة الافريقية حيث تشير عدد من المصادر التركية أن الجماعة قد سبقت الدولة في التواجد في افريقيا بل أصبح لها نفوذ وعلاقات أكبر من الدولة في بعض الدول وبالرغم من أن الدولة نجحت بعد فشل المحاولة الانقلابية التي نفذتها الجماعة في 15 تموز 2016 في اقناع عدد من الدول  ومنها دول افريقية في اغلاق مدارس ومؤسسات جماعة غولن كما حدث في اثيوبيا على سبيل المثال فإنها مازالت تواجه صعوبات في فعل ذلك في دول مثل تنزانيا وغيرها.

بالفعل تمتلك تركيا مزايا تتقدم بها على عدة دول فلديها مشتركات دينية وثقافية مع عدد من الدول الافريقية كما أنها أقرب جغرافيا من عدد من المنافسين مثل الصين والبرازيل وغيرهم من الدول النشطة في أفريقيا وهناك فرص كبيرة لتركيا للنجاح في أفريقيا في مجالات التنمية والتبادل التجاري والاستثمارات والعمل الأمني والعسكري ويمكن أن تؤسس ذخرا مفيدا لها طالما لم تواجه عقبات كبيرة ولم تقف أمام جهودها في أفريقيا دول كبرى  تؤثر على استقرار علاقاتها في افريقيا وهي حتى هذه اللحظات تتطور بشكل جيد، وكما نجحت في تمتين علاقاتها في شمال وشرق أفريقيا فإن تركيا تعمل الان على توثيق علاقاتها مع دول جنوب الصحراء  كما أن وجودها بالفعل  يتزايد في الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغانا ومالي والسنغال.

 ملف تركيا والصعود المأمول