مجلة البيان - السمح بن مالك الخولاني في الذاكرة الإسلامية

السمح بن مالك الخولاني في الذاكرة الإسلامية
السمح بن مالك الخولاني في الذاكرة الإسلامية


يحظى السمح بن مالك الخولاني، على نحو أو آخر، بأهمية كبيرة في الذاكرة الإسلامية المشتركة، أو هذا ما هو متوقع إزاء شخصية إسلامية وتاريخية، من قادة الفتوحات الإسلامية في الجناح الغربي، وأحد أمراء الأندلس البارزين في عصر الولاة، وأحد النجوم الزهر، بين القادة الاستشهاديين. فيذكر التاريخ للسمح بن مالك الخولاني، أنه كان أحد أبرز الشخصيات الخالدة من بني خولان، وأحد أبرز الوجوه، التي صعدت باسم هذه القبيلة إلى القمة، في التاريخ الإسلامي، فصار اسم هذه الشخصية، بالتالي، من أشهر الأسماء التي تتداعى إلى الذاكرة، وتمرّ بالذهن، عندما يُذكر اسم هذه القبيلة العريقة.

فقد كان السمح أحد أمراء الأندلس البارزين، في عصر الولاة، (95-138هـ)، وهو العصر الذي اشتهر فيه أيضا العديد من الأمراء القادة الغزاة الشجعان، من أمثال عنبسة بن سحيم الكلبي (103-107هـ) ، وعبد الرحمن الغافقي (112-114هـ) ، وعقبة بن الحجاج السلولي (116-122هـ). والذين ربما شاركوا السمح في بعض أو كل المميزات التي امتاز بها، ومنها:

· التقوى والورع وحسن السيرة والعدل.

· حب الجهاد في سبيل الله والشجاعة والعزيمة.

· الشخصية القوية ذات الصبغة الإدارية والعسكرية.

· الحرص والأمانة على الدولة الإسلامية وأهلها.

· النشاط العسكري الجهادي الفاتح وراء جبال البرت، أي داخل فرنسا.

كما كان السمح أحد قادة الفتوحات الإسلامية، في العهد الأموي، في الجناح الغربي للدولة الإسلامية. ويذكر له في هذا الصدد، وهذه هي المعلومة الأهم، التي ربما يعيها الكثير، من شباب المسلمين، الذين درسوا، تاريخ الفتوحات الإسلامية، عامة، وتاريخ الأندلس خاصة، أنه كان رائدا للفتوحات الإسلامية، في جنوب فرنسا، في مستهل القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، تلك الغزوات والفتوحات الخالدة، التي حفرت لها، في جبين التاريخ ذكريات مشتركة، تذكي الحماس، وتغذي المشاعر الوجدانية، لأفراد الأمة المسلمة، على مر الزمان، والتي تعتبر محل فخر، واعتزاز المسلمين، في كل عصر، وفي كل مصر.

فيذكر للسمح أنه فتح مدينة نربونة المهمة، لؤلؤة الساحل الفرنسي الجنوبي، وجميع مدن مقاطعة سبتمانيا، في جنوبي فرنسا، سنة 102هـ، وأنه حصنّها، وحشدها بالرجال والمؤمن، وجعلها قاعدة إسلامية هناك، وبذلك استطاعت أن تصمد صمودا اسطوريا في وجه هجمات الفرنجة العنيفة بعد معركة بلاط الشهداء. ويذكر له أنه بذل روحه رخيصة من أجل عقيدته، ولم يبذل عقيدته من أجل روحه، فمات مجاهدا في ساحات الوغى، وسقط مضرجا بدمائه، وخسر روحه وربح الشهادة، دون أن يسقط سيفه من يمينه، ودون أن يترك خلفه درهما ولا دينارا، ولا أرضا ولا عقارا.

كما يذكر التاريخ للسمح أنه ممن ساهموا في مسيرة الخليفة عمر بن عبد العزيز، الإصلاحية العادلة، وأنه كان، من خيرة الأمراء، والولاة، الذين حكموا الأندلس، فضلا وصلاحًا وكفاءة وقدرة؛ وأن له القدح المعلى، في إصلاح أمورها، وتنظيم شئونها. فيذكر له التاريخ: أنّه كان إداريا حازما، سار على طريق تقسيم تخميس أرض الأندلس، خطوات واسعة مثمرة.

ويذكر له أنه أول من تصدى، لإرساء قواعد الإدارة السليمة في الأندلس، وبأن منجزاته الإصلاحية، كانت حجر الزاوية، فيما عرفته هذه الولاية، من نظم إدارية وعمرانية، واقتصادية. ويذكر له، أن أنه كان منشئا عظيما، وأن له آثار في البناء والتشييد، تتمثل في قنطرة قرطبة، تلك القنطرة الخالدة التي لعبت دورا محوريا في نهضة قرطبة، خلال تاريخها الإسلامي، وسور قرطبة الغربي، وفي تحصين نربونة، وغيرهما من المدن الأندلسية والفرنجية.

كما يحتل اسم السمح بن مالك الخولاني، مكانا بارزا في وعي وذاكرة الأمة الإسلامية، كغيره من القادة الفاتحين، والغزاة الاستشهاديين، ويحاط بهالة من التمجيد، والإعزاز، في أرجاء كثيرة من العالم الإسلامي، عامة، وفي بلاد العرب خاصة. ومنذ 1300 عام، وإلى اليوم، وصدى هذا الاسم، يتردد في ذاكرة الأمة الإسلامية، في كل مكان، وسيظل كذلك إلى أن يشاء الله.

وذلك باعتباره واحدا، من الأمراء المسلمين البارزين، من التابعين، المنتمين لجيل القدوة، والتأسي، جيل خير القرون، وهو القرن الأول الهجري، ومن أبطال الإسلام، الذين حفروا بأظافرهم، وسط الصخور، ليكونوا أمجادا، ويحققوا انتصارات، ويجعلوا كلمة الله، هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ومن القادة، الذين تمتزج سيرتهم بالخبرة الإدارية والمالية والعسكرية، وبالبطولة والتضحية والحرص على الشهادة.

وقد وصفه الوزير المغربي، محمد بن عبد الوهاب الغساني، في كتابه (رحلة الوزير) فقال: "وكان السمح بن مالك الخولاني هذا من خيار أهل زمانه ثقة وعدالة". ويكفي شاهدا على ذلك، أنه كان أحد ولاة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. "وقد صرَّح كثيرٌ من الأئمةِ بأنَّ كلَّ مَن استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة"، كما أثنى عليه المؤرخ المغربي، ابن عذاري، وقال أنه امتثل، ما أمره به الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، من القيام بالحق، وإتباع العدل، والصدق، أثناء ولايته على الأندلس.

على أن هناك من يعتقد، أن هذا القائد الفاتح البطل الشهيد، ليس معروفا بالقدر الكافي، وبخاصة لدى المواطن المسلم العادي، ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور، يحيى هاشم حسن فرغل، عميد كلية أصول الدين في الأزهر سابقا، والذي ينعى على الجيل الحاضر، الجهل بتاريخه وحضارته، فيقول: "وفي مجال التاريخ السياسي، يعرف الكثيرون منا معرفة غائمة، شيئا عن الإسلام في الأندلس، لكن هل يعرف المسلم المعاصر شيئا عن فتح الإسلام لنصف فرنسا الجنوبي، في القرن الثاني الهجري، بهدف تنويرها إسلاميا، ثم انحسارهم عنها لظروف من الميل لعرض هذه الحياة الدنيا؟ لقد سبق إلى محاولة فتح فرنسا السمح بن مالك الخولاني، الذي أقامه عمر بن عبد العزيز، واليا على الأندلس (100هـ/719) ، حيث قام بحملة شاملة على فرنسا اخترقت جبال ألبرت من الشرق .. وسيطر على عدد من القواعد، هناك واستولى على سبتمانيا، وأقام حكومة إسلامية، جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وفقا للرسالة الحضارية، التي جاء بها المسلمون إلى الأندلس آنذاك في هذا الوقت المبكر، واتخذ من " أربونة "قاعدة للجهاد وراء البرت، ثم استشهد في معركته مع قوى الظلام، عند تولوز، في يوم عرفة من سنة 102هـ/721، وفقدت فرنسا بذلك من ثم أول فرصة للتنوير الإسلامي، عرضت لها".

ولقد خلد المسلمون في الأندلس، أسم السمح بن مالك الخولاني، فصار اسمه مقترنا باسم قنطرة قرطبة، الشهيرة، أو قنطرة الدهر، التي تربط بين ضفتي نهر الوادي الكبير، والتي كان السمح هو أول من بادر بتشييدها وإعادتها إلى الوجود مرة أخرى، بعد الفتح. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها باسمه، فهي قلما تذكر إلا مقترنة باسمه على مر الزمن. وذلك بالرغم من تعاقب الإصلاحات عليها، في عهود الإمارة والخلافة.

وفي العصر الحاضر، تم إطلاق اسم السمح بن مالك الخولاني، على العديد من المعالم، كالمدارس والمساجد والشوارع الرئيسية وغيرها، في عدد من عواصم الدول العربية، وذلك اعترافا بفضل هذا القائد الشجاع البطل الشهيد، وتخليدا لذكراه بين الأجيال. ومما أطلعت عليه، في هذا المجال:

·  مدرسة السمح بن مالك المتوسطة في حي بدر بمدينة الرياض.

· شارع السمح بن مالك الخولاني بمدينة الرياض أيضا.

· مسجد السمح بن مالك الخولاني في بلدة داريا، القريبة من دمشق، معقل خولان بالشام.

· مدرسة السمح بن مالك الخولاني في حي الميدان، بدمشق.

· قاعة مسرع السمح بن مالك الخولاني في دمشق أيضا.

· شارع السمح بن مالك الخولاني في مدينة الدوحة، عاصمة قطر.

· مدرسة السمح بن مالك الخولاني في صنعاء، حاضرة اليمن.

· مدرسة السمح بن مالك الخولاني، في خولان الطيال، في شرقي صنعاء.