مجلة البيان - لا تعوّلوا على حكومة إسرائيلية.. أيا كان رئيسها !

لا تعوّلوا على حكومة إسرائيلية.. أيا كان رئيسها !
لا تعوّلوا على حكومة إسرائيلية.. أيا كان رئيسها !


على مرّ عقود؛ عاش الجميع في انتظار زيف ما يُعرف بـ"الشريك الإسرائيلي" في عملية السلام الشاملة، حكومات تعقبها حكومات، وشخصيات تَخلُف شخصيات في رئاسة حكومة الكيان الصهيوني، فيما بقيت القضية الفلسطينية في محلها دون تغيير يّذكر في شقها المتعلق بالسلام، بينما حقق الإسرائيليون مكاسب كبيرة في صالحهم على مدار تلك السنوات، في شقّ القضية المتعلق بالجغرافيا والسياسة والاقتصاد وكل الجوانب الأخرى. فطيلة الأشهر القليلة الماضية؛ كان الجميع يتابع الأزمة السياسية التي تشهدها إسرائيل والتي تعدّ فشلًا سياسيًا غير مسبوق، وكالعادة كان تعويل مناصري القضية منقسمًا بين رئيس الوزراء المؤقت "بنيامين نتنياهو" وخصمه السياسي "بيني غانيتس"، كل فريق يرى في أحدهما الشخص المُخَلِص لأزمة القضية الفلسطينية، لكن منذ متى كان التعويل على هوية الحكومة الإسرائيلية أو رئيسها يجدي نفعًا في تغيير الواقع البائس لحال القضية الفلسطينية؟

فمن السذاجةِ السياسية التعويل على شخص رئيس الحكومة الإسرائيلية، وحتى بعد أن اتفقا الخصمان "نتنياهو" و"غانيتس" على تشكيل حكومة طوارئ تضمن تقاسم المنصب بين الطرفين، فإن التعويل عليهما يبقى نوعًا من الوهم، فطوال تلك السنوات ـ منذ أن زُرِعَ الكيان الصهيوني في عام ١٩٤٨ وحتى الآن ـ لا يوجد اختلاف جوهري بين اليمين واليسار، بين المتدينين "الحريديم" والعلمانيين، وحتى معسكر السلام في الداخل الإسرائيلي لا يختلف كثيرًا عنهم في مواقفه بخصوص المطامع الإسرائيلية في أرض وخيرات فلسطين، فالعقلية الصهيونية قائمة على الاستحواذ المطلق فقط، فحزب "أزرق ـ أبيض" الذي قدّم نفسه على أنه ائتلافٌ وسطي ليبرالي، ما هو إلا صورة أخرى من حزب "الليكود"، فقد جاء من رحم نفس الساحة السياسية التي أنجبت كل الأحزاب الأخرى التي مارست، وتمارس، شتى أصناف الاضطهاد البغيض والتمييز العنصري ضد الشعب العربي الفلسطيني، ومهما اختلفت السياسات المعلنة للحزب فإنه لن يكون بديلًا إيجابيًا أو مغايرًا لـ"الليكود" أو "العمل" أو "شاس" أو "إسرائيل بيتنا" أو غيرهم. بل على العكس فلو دققنا النظر قليلًا إلى حزب "أزرق ـ أبيض" سنجد أنه قد أُنشئ على عجل لخوض الانتخابات بالرغم من تباين فصائله وعدم القدرة على اعتماد مواقف واضحة، هو فقط كان مجرد ملتقى لاستقطاب جميع المؤيدين لإسقاط نتنياهو.

إن كل الصدامات التي شهدتها الساحة السياسية في إسرائيل لا تخرج عن كونها مناوشات في إطار الصراع السياسي الداخلي بين مختلف الأحزاب والكتل السياسية، وهذا أمر متعارف عليه في مفردات اللغة السياسية في إسرائيل، ومهما اصطدم أو اختلف الخصوم السياسيون، فإن هذا الاختلاف يظل في حدود الأهداف المسموح بها، وفي نطاق الثوابت المتعلقة بالموقف من حقوق الفلسطينيين أو وضع مدينة القدس المحتلة أو وضعية الأراضي العربية السورية واللبنانية، فعلى سبيل المثال.. فإن هضبة الجولان السورية المحتلة بالنسبة لمختلف الأحزاب الإسرائيلية هى أرض إسرائيلية، لذا فمن النادر أن نجد من يتحدث من هذه الأحزاب عن عدم مشروعية احتلالها أو ضمّها للكيان الصهيوني أو مخالفة ذلك لقرارات الشرعية الدولية في هذا الصدد، وستثبت الأيام قريبًا أن الحكومة سواء تحت قيادة "نتنياهو" خلال الثمانية عشر شهرًا الأولى أو بقيادة "غانيتس" خلال الثمانية عشر شهرًا الأخرى، ستسعى إلى توسيع المستوطنات، بما يؤدّي إلى تسارع وتيرة ضم الأراضي في نزعةٍ قائمة منذ سنوات طويلة، فيما سيتم الإبقاء على حصار غزة التي تشهد كارثة إنسانية تتصاعد يوميًا.

التاريخ يخبرنا أن الأحزاب الإسرائيلية بقيت جميعها ـ وعلى اختلاف انتماءاتها الأيديولوجية ـ ملتزمة بالأهداف الاستراتيجية للكيان الصهيوني وبنفس النهج في التعاطي مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فاليسار الإسرائيلي تاريخيًا هو من خطط ونفذ أفظع الجرائم بحق الفلسطينيين، ابتداءً من جرائم نكبة 1967، تحت قيادة رئيس الوزراء، آنذاك، "ليفي أشكول" اليساري، حيث أسفر ذلك عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية، إضافة إلى الحرب الإجرامية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في عام 2014 تحت إسم "الجرف الصامد"، والتي أشرفت عليها حكومة يديرها اليسار ويسار الوسط، والأمثلة الأخرى كثيرة لكن المستغرب أنه حتى الآن لا تزال هناك آمال كبيرة من بعض التيارات الفلسطينية والعربية على هذا اليسار، أما اليمين.. فحدث ولا حرج عن جرائمه، فهناك خصوصية لمفهوم اليمين واليسار في إسرائيل، فالأمر لا يعني فقط توزيعًا منتظمًا للأدوار متفق عليه، بل هو أيضا تطور طبيعي تكاملت فيه المهام وفق متطلبات الأوضاع، فإن اختلفا في الرؤى نحو الداخل، خاصةً فيما يتعلق بمؤسسات الدولة، المحكمة العليا، الشرعية السياسية للمشروع الصهيوني، الحريات في الحيز العام، كما الحقوق المدنيّة، لكن في النهاية فإنهما يتفقان تمامًا في اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني ومصادرتها، فاليمين واليسار في إسرائيل وجهان لعملة واحدة، مثلما قال رئيس الكنيست الأسبق "أبراهام بورغ" فإن "اليسار يدعم الأفكار، واليمين ينفذها".

إن جوهر السياسية الإسرائيلية التي تنكر وجود شعب فلسطين، وترى العرب إرهابيين، وتبرر تصفيتهم، ولا تعطيهم أي حق بالوجود فوق تراب وطنهم، تؤمن بأن يهود إسرائيل ضحايا للمقاومة الفلسطينية، وأن كل عدوان إسرائيلي هو عملية عسكرية عادلة ومبررة، كما أنها تبرر قتل الفلسطيني لمجرد عدم انتظامه في الطابور على حواجزهم العسكرية. لقد آن الأوان أن ندرك أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي لن ينتهي باتفاقيات أو نوايا طيبة من الطرفين أو التعويل على شخص وهوية من يحكم هذا الجانب أو ذاك، فهو ليس نزاعًا يمكن أن تحلّه التفهمات أو التنازلات، بل صراع لا يمكن أن ينتهي إلا بانتهاء أحد الطرفين، وكل ما يُطرح الآن هو مجرد تجميد أو تأجيل للصراع الحتمي الذي سيقع يومًا ما، لا محالة، والتعويل يجب أن يكون أولًا وأخيرًا وقبل كل شيء على الإرادة الفلسطينية والعربية وعلى إعادة الروح للعمل الفلسطيني المقاوم والسياسي.