مجلة البيان - إسرائيل.. بين سندان كورونا ومطرقة الإقتراع الرابع

إسرائيل.. بين سندان كورونا ومطرقة الإقتراع الرابع
إسرائيل.. بين سندان كورونا ومطرقة الإقتراع الرابع


بعد 3 جولات من الانتخابات في الكيان الإسرائيلي؛ في أبريل 2019 ويوليو 2019، ومؤخرًا في مارس 2020، والتي أسفرت بدورها عن نتائج يَصعُب من خلالها تشكيل حكومة أغلبية مما يزيد من احتمالات اللجوء إلى انتخابات رابعة، لكن هذه المرة ستكون الانتخابات تحت وطأة فيروس كورونا المستجد، فبحسب آخر البيانات المعلنة فإن عدد الإصابات بالفيروس قد بلغت نحو 126 حالة مؤكدة، فيما يقبع أكثر من 32 ألف شخص حاليا في الحجر الصحي، منهم حوالي 2500 من أفراد الطواقم الطبية، هذا الوضع الجديد لن يجعل الذهاب إلى صندوق الإقتراع من الحلول المتاحة في الوقت الراهن، وبات السؤال الذي يتردد الآن: هل ينجح كورونا في تحقيق ما أخفقت السياسة عن تحقيقه؟

لقد كانت نتائج الانتخابات الأخيرة، والتي تعدّ ثالث اقتراع في أقل من عام، مخيبة لآمال الطامحين في الوصول إلى سدة الحكم في الكيان الإسرائيلي؛ فحظوظ زعيم حزب أزرق ـ أبيض، "بيني جانتس"، لتشكيل الحكومة الجديدة، تراجعت كثيرًا، خاصة مع بروز أصوات في معسكره ترفض فكرة حكومة أقلية برئاسته، كما أنه يحتاج إلى دعمٍ من حزب "يسرائيل بيتنا" برئاسة "أفيجدور ليبرمان" الذي لا يقبل الجلوس في حكومة تعتمد على القائمة العربية المشتركة. وفي المقابل لا أمل لرئيس الوزراء الحالي "بنيامين نتنياهو" بتجنيد 61 نائبًا لصالح حكومة يترأسها بعد حصول كتلة اليمين التي يقودها، على 58 صوتًا فقط في الانتخابات، وهناك عدم وافق بينه وبين الأحزاب العربية في الكنيست، وحتى إمكانية التحالف مع "أفيجدور ليبرمان" غير ممكنة في ظل تحالف "نتنياهو" مع أحزاب يمينية متشددة، بينما يرفض "ليبرمان" تاييد حكومة يجلس فيها المتدينون اليهود، إضافةً إلى تعمق الفجوة بين "نتنياهو" و"ليبرمان" مؤخرًا، وتبادل الاتهامات بينهما على خلفية تصريح "ليبرمان" بأنه يدعم سن قانون في الكنيست يمنع مِن مَنْ يواجه تهمة جنائية بتشكيل حكومة، والمقصود هنا هو منع "نتنياهو" من تشكيل الحكومة، إضافة إلى توجه "نتنياهو" الى المستشار القضائي للحكومة لفتح تحقيق ضد ليبرمان بادعاء أنه ارتكب مخالفات جنائية أثناء وجوده في منصب وزير الدفاع، وبالتالي فإن تشكيل حكومة جديدة في ظل هذا الوضع القائم أمر يكاد يكون مستحيلًا.

لكن في ظل تواصل انتشار فيروس كورونا المستجد في الكيان الصهيوني؛ فإن ثمة أصوات تطالب بتجاوز الخلافات السياسية، وتشكيل حكومة وحدة من أجل مجابهة الفيروس، على سبيل المثال فإن وزير الداخلية وزعيم حزب "شاس" اليميني "آرييه درعي"، قد صرح بالقول: "يجب تشكيل حكومة طوارئ من أجل مجابهة فيروس كورونا"، ودعا الطرفين إلى "عدم القيام بألعاب عندما تكون حياة الناس على المحك". ويبدو أن "نتنياهو" استحسن الفكرة ووجد في الفيروس المستجد، حبل نجاة من أزماته المتعددة، فلجأ إلى خيار تشكيل "حكومة طوارئ" لمواجهة الفيروس، وقد وجد هذا الأمر تجاوبًا معه، من "غانتس"، بالرغم من معارضة بعض رفاقه في حزبه، للشرط الذي وضعه "غانتس" لقبوله المشاركة في حكومة كهذه، وهو أن تشارك فيها كل الكتل البرلمانية، بما فيها القائمة المشتركة للأحزاب العربية، معتبرًا أنها جزء لا يتجزأ من معسكر الوسط واليسار، لكن رد "نتنياهو" على ذلك، أعاد الأمور إلى نقطة الصفر مجددًا، حيث قال أنه "يرفض أن يشارك في الحكومة أي حزب يؤيد الإرهاب، لا في الأوقات العادية أو أوقات الطوارئ".

وعلى خلفية تفشي كورونا؛ تم اتخاذ عدة خطوات احترازية جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، منها إغلاق الجامعات والمدارس، ومنع التجمعات لأكثر من 100 شخص، وتكريس ميزانية كبيرة لتعويض المتضررين اقتصاديًا خاصة فرع السياحة الأكثر تضررًا، في ظل إغلاق 200 فندق حتى الآن، وتوقف شركات طيران إسرائيلية عن العمل بعد إغلاق الأجواء، ورفض استقبال زوار من الخارج. وليس ببعيد عن حالة الفزع التي يحدثها كورونا في الأراضي المحتلة ومحاولات الساسة لتوظيفها سياسيًا بدهاء؛ فإن ثمة حالة من الاعتداءات والسلب والنهب تتم على قدمٍ وساق للمقدرات الفلسطينية، فممارسات الاحتلال اليومية لتطبيق بنود "صفقة القرن" لا تتوقف، وخاصة اتساع وتيرة الاستيطان، وموافقة سلطات الاحتلال على شق طريق شرق القدس المحتلة خاص بالفلسطينيين، إضافةً إلى الاعتداء بشكل صارخ ومتعمد على حرمة المسجد الأقصى، حيث قامت مجموعة من اليهود باقتحام باحات الأقصى قبل يومين، ووضعوا لوحة للهيكل المزعوم وأداوا صلوات تلمودية علنية قرب باب الرحمة، وذلك في إطار الاقتحامات المتواصلة ومظاهرها الاستفزازية التي تهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى، فبينما ينشغل العالم كله تقريبا بفيروس كورونا، وهو أمر يستحق الانشغال به من باب حماية الانسانية، تقوم السلطات الاسرائيلية بتنفيذ سياسة التهويد بخبث، خاصة في مدينة القدس ومدينة الخليل.

لكن بالرغم من هذا التعقيد السياسي وحالة الهلع المنتشرة خوفًا من "كورونا"؛ إلا أن طرفي الأزمة يتمسك كل منهما بطموحاته السياسية، في ظل صراع محض على السلطة، ولا علاقة لها بمبادئ أو اختلافات أيديولوجية، فحتى رئيس حكومة الاحتلال "نتنياهو" الذي ستبدأ محاكمته بعد أيام قليلة، بتهم الرشوة والاحتيال وإساءة استغلال السلطة، لا يزال يجاهد من أجل الوصول إلى رئاسة الوزراء مجددًا، حيث يجد في ذلك سبيلًا لإنقاذخ من المحاكمة، فهو لا يهمّه "كورونا" بقدر ما يهمّه أن يستغل الأمر لمصالحه الشخصية، وكان هذا جليّا حين أظهر استعداده المسبق لخوض جولة انتخابات رابعة، تجرى في أقل من 16 شهرًا، ولكي يؤمّن نفسه، دعا لجنة النظام الداخلي بحزب الليكود، إلى اجتماع لإعفائه من السباق الحزبي الداخلي، من خلال إلغاء الآلية التي تفرض على الحزب قبل كل انتخابات عامة، أن يُجري سباقًا لاختيار مرشحه لخوض الانتخابات وترؤس الحكومة. لكن السؤال هنا: هل سينقذ فيروس كورونا "بنيامين نتنياهو" بعدما ضاقت عليه الدوائر وتراجع خيار حكومة الوحدة، أو حكومة الطوارئ كما يحلو له تسميتها؟

لقد علّل "نتنياهو" دعوته لخصومه لتشكيل هذه الحكومة، اعتمادًا على استشراء كورونا في العالم، وبأن الأمر يحتاج لقرارات قيادية، لقد كان "نتنياهو" محط سخرية كثيرين خلال الأيام الماضية، وهو يرشد يهود إسرائيل عن كيفية العطس والسعال واتباع وسائل النظافة، خلال مؤتمر صحفي درامي، ووسط محاولات لترهيبهم برسم سيناريوهات قاتمة، وكل ذلك من أجل جني مكاسب سياسية ودعائية في أيام تمتاز بالضبابية وعدم الوضوح وقلق من المستقبل المجهول. حتى أن "نتنياهو"، قد عقد اجتماع حكومة الاحتلال الأسبوعي عبر الفيديو خوفًا من كورونا. لقد بات "نتنياهو" يواجه محاكمة قضائية، وإقصاء من الحياة السياسية، ومؤخرًا فيروس كورونا!، لكن هل سيحل فيروس كورونا الوبائي معضلة "نتنياهو"، حتى لو بشكل مؤقت، أم ستستمر حالة الشلل السياسي، وتذهب الأمور نحو الإقتراع الرابع؟