مجلة البيان - الذئاب المنفردة.. الارهاب الأبيض في ثوب جديد

الذئاب المنفردة.. الارهاب الأبيض في ثوب جديد
الذئاب المنفردة.. الارهاب الأبيض في ثوب جديد


"الأمر رهيب جدا...ما عاد أي مسلم آمنا في مكان عبادته"

هذا ما رواه أحد مسلمي بريطانيا لقناة سكاي نيوز يوم الخميس الماضي، في أعقاب دخول إرهابي أبيض البشرة وهو يركض مسجد ريجنت بارك وسط لندن أثناء صلاة العصر وطعن المؤذن في العنق، وقال شاهد إن ساحة المسجد كان بها نحو مائة من المصلين وقت الهجوم، وإن نحو 20 منهم تصدوا للمهاجم، وقال مقداد فيرسي المتحدث باسم المجلس الإسلامي البريطاني، إنه من المقلق للغاية أن نرى أن رجلا أبيض قد دخل مسجد ريجنتس بارك وقت الصلاة، وطعن المؤذن في رقبته، وأضاف فيرسي أنه ينتظر تحقيقا مستقلا في الهجوم.

يأتي الهجوم على مؤذن مسجد لندن المركزي بعد يوم واحد من حادثي إطلاق نار في مدينة غربي ألمانيا، الذي أدى إلى قتل ما يقرب من 11 شخصا أغلبهم من المهاجرين الأتراك، وكانت إذاعة محلية ذكرت أن الرصاصات الأولى أطلقت في حانة للشيشة بوسط مدينة هاناو، وأفاد شهود عيان بسماع ثماني أو تسع طلقات، وأوضحت هذه الإذاعات أن مطلقي النار توجهوا على متن مركبة بعد ذلك إلى حي كيسيلشتات غربا، قبل أن يعاودوا إطلاق النار على حانة أخرى للشيشة.

وتحدثت السلطات الألمانية عن احتمال أن يكون كره الأجانب هو الدافع وراء الاعتداء، مضيفة أن المنفذ ينتمي إلى أقصى اليمين، فيما عثرت الشرطة الألمانية على جثتي مرتكب الهجوم وأمه في منزله في أعقاب الحادث.

وبعد سلسلة هذه الحوادث الإرهابية، عاد الحديث مجددا مرة أخرى عن استراتيجيات اليمين المتطرف الأبيض، ففي أعقاب حادثة مسجدي نيوزيلاندا العام الماضي والذي اشتهر بحادثة كرايستشيرش، تم الكشف عن الأوراق الخاصة بالمعتدي والذي تبين أنه يحمل فكرا عنصريا دينيا متطرفا، وأنه قد ذهب إلى أوروبا والولايات المتحدة، والتقى بنظرائه من المتطرفين الإرهابيين، ثم عاد ليكتب على الانترنت، ثم يبث مباشرة من موقع المسجدين أثناء ارتكابه للمذبحة، وقد سبق وأعلن أن عمله سيكون ملهما لغيره، مما دفع الخبراء إلى التحدث عن استراتيجية جديدة لهذا اليمين المتطرف، أطلقوا عليها الذئاب المنفردة.

وقد انتشر مصطلح الذئاب المنفردة في وسائل الاعلام الغربية خاصة والعالمية بصفة عامة، كتعبير عن نوع من العمليات يقوم بها أشخاص منفردون أو بتوجيه من تنظيمات أو مجموعات فكرية، وقد جرت العادة على استخدام هذا المصطلح في الاعلام الغربي، والاشارة بأصبع الاتهام ناحية المسلمين التابعين لمجموعات إرهابية كداعش ونحوها، ممن يتحركون بعيدا عن التنظيم، ويستهدفون تجمعات مدنية في الغالب، بالتفجير أو القتل أو حتى الطعن.

بينما في المصادر الرسمية الغربية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، فتعبير الذئاب المنفردة يعرفونه بأنه أي شخص يمكن أن يشن هجوما مسلحا، بدوافع عقائدية أو اجتماعية أو نفسية أو مرضية أو سياسية، فالمقصود بهذا المصطلح الاستخباري هم الأفراد الذين ينفذون عمليات قتل بشكل انفرادي دون وجود بنية تنظيمية توجهها وتخطط لها، أو يتحركون بتأثير من دعاية تنظيم ما، ولكنهم ليسوا مكلفين بهذه المهمة من قبل قيادتهم بأي طريقة، وغالبا ما يكون هؤلاء أشخاصا عاديين لا يثيرون ريبة في حركاتهم وسلوكهم.

في النهاية يمكننا تعريف ظاهرة الذئاب المنفردة، بأنها عمليات تتم من أشخاص لا يوجد اتصال بينهم وبين رأس محرك في الخارج خاملة في الداخل مشبعة بالأفكار المتطرفة، وتتحرك بشكل مفاجئ بناء على قرار شخصي، حيث لا يمكن تتبعها أو رصد تحركاتها إلا وقت وقوع الحادث.

وكما أسلفنا فقد كان هذا المصطلح يشار به تجاه بعض الجماعات الإسلامية، التي تتخذ من هذه الاستراتيجية سبيلا لها كداعش أو غيرها، ولكن في الآونة الأخيرة باتت تطلق أيضا تجاه بعض جماعات اليمين المتطرف الغربية.

ويرى الباحث الأمريكي دانيال بايمان في مقال له نشر في دورية فورين أفير: إنه على عكس كثير من التحليلات التي تربط ظاهرة الذئاب المنفردة في الوقت الحالي بالمتطرفين الإسلاميين، فإن هذه الظاهرة منذ بداياتها الأولى مارستها كل الحركات المتطرفة من جميع الانتماءات والمشارب، ففي عام 1995 قام العنصري الأبيض تيموثي ماكفي بشن أعنف هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية قبل الحادي عشر من سبتمبر، عندما قصف مبنى ألفريد مورا الفيدرالي في أوكلاهوما سيتي، مما أسفر عن مقتل 168 شخصاً وجرح المئات، وفي 2010 قام جيمس لي الذي يحمل مشاعر عدائية للمهاجرين باحتجاز ثلاثة أشخاص كرهائن في ولاية ميريلاند، كما قتل العنصري الأبيض ديولن رووف تسعة من الأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية في الكنيسة التاريخية للسود بتشارلتون بولاية ساوث كارولينا عام 2015.

وما لم يذكره بايمان أن العنصري الأبيض لويس بيم، قد قام بالتنظير لظاهرة الذئاب المنفردة منذ عام 1983 عندما دعا إلى مقاومة بلا قيادة للحكومات الاتحادية، حيث إن الجماعات التنظيمية التقليدية أصبحت فريسة سهلة للاختراق الحكومي من وجهة نظره، لذا شجع الجماعات الصغيرة والأفراد على العمل بشكل مستقل.

ولكن البعض يرجعها إلى قبل ذلك بكثير، وبالتحديد الى نهاية القرن التاسع عشر داخل الحركات اليسارية الفوضوية، لينتقل تدريجيا فيما بعد منتصف القرن الماضي الى أوساط اليمين المتطرف الأمريكي المعادي للسود، من خلال رفع شعار مقاومة دون قائد للناشط القومي المتطرف لويس بيم.

ولكن ما أسباب ظهوره في المجتمعات الغربية؟

يجيب على هذا السؤال الدكتور والباحث في مركز الأبحاث بشأن التطرف في جامعة أوسلو بالنرويج جايكوب رافندال في مقال له بمجلة فورين بوليسي الأميركية، حين ذكر أنه من المستحيل استمرار مجموعة يمينية متطرفة وبطموحات إرهابية في الديمقراطيات الغربية، بسبب الرقابة وانعدام الدعم الخارجي وانعدام الملاذات الآمنة، الأمر الذي يضطر المتطرفين اليمينيين إلى العمل السري كذئاب منفردة.

وعزز رافندال وجهة النظر القائلة، باستحالة نجاح لعمل الإرهابي الجماعي داخل الديمقراطيات الغربية بفشل مجموعة اليمين المتطرف البريطانية المسماة مجموعة العمل الوطني (ناشونال آكشن) التي يقضي قادتها ونشطاؤها أحكاما بسنوات طويلة من السجن في بريطانيا حاليا، لذلك قال إن المفتاح لفهم التهديد الإرهابي اليوم هو البحث عنها تحت الأرض.

في عام 2013، قام المركز الدولي لأبحاث الإرهاب التابع لجامعة بينسيلفانيا الأمريكية بتحليل بيانات 119 إرهابيًّا كانوا كلهم تقريبًا من الرجال، وفي حوالي ثلثي الحالات كان أقاربهم أو أصدقاؤهم ومعارفهم يعلمون بتورط الجناة في أيديولوجيات متطرفة معينة، وفي 64 في المائة من الحالات كان أقارب وأصدقاء لهم على علم بنية الجناة في تنفيذ أو المشاركة في نشاط إرهابي بعدما أخبروهم شفهيًّا بذلك.

وبحسب بيانات المكتب الاتحادي لحماية الدستور الألماني، فإن عدد أعمال العنف ذات الدوافع اليمينية المتطرفة وكراهية الأجانب ارتفعت في المانيا من 774 في عام 2017 إلى 821 في عام 2018.

بينما ذكرت دراسة للمعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة في لندن، والتي صدرت نتائجها ضمن تقرير بعنوان مكافحة إرهاب الفاعل المنفرد إن المتطرفين اليمينيين في جميع أنحاء أوروبا يمثلون تهديدًا كبيراً لا ينبغي تجاهله، ويذكر التقرير بالتفصيل حالة 94 شخصًا قتلوا و260 أصيبوا إثر هجمات شنها إرهابيون يمينيون متطرفون من تلقاء أنفسهم في الفترة ما بين بداية العام 2000 وحتى نهاية العام 2014.

ولذلك يجب على المسلمين في أوروبا، تجهيز استراتيجية لمواجهة هذا المد القومي المتطرف، والذي بدأ يدخل في طور مسلح ...استراتيجية سلمية تقوم على تعزيز روابط مع المعتدلين من اهل الغرب، وتعزيز التعاون الأمني مع السلطات، التي تريد انهاء هذه الظواهر المسلحة والمهددة للوجود الاسلامي في أوروبا.