جميع البيانات والمعلومات الواردة في ملحمة رحلة أبراهام برواياتها الثلاث (الهروب إلى العاصفة, بشارات هائمة, كهولة قبل البلوغ) صحيحة ودقيقة، سواء ما جاء فيها عن الأديان والمذاهب والمؤسسات، أم عن أسماء رموزها ومنظريها وآرائهم. وينحصر خيال الرحلة فقط في ترتيب مسارها، وفي أبطالها، وصياغة أنشطتهم وتفاعلهم مع محيطهم الافتراضي. بل حتى ذلك الخيال نفسه، يستند في كثير من الأحيان إلى أحداث واقعية جرت معي شخصياً، أو إلى تجارب مروية عن بعض الشخصيات العامة، بعد أن أعدت صياغتها، لتتناسب مع الإيقاع الروائي في هذا العمل. وعلى الرغم من جدية الطرح الفلسفي الجدلي في هذه الرحلة، وربطها بين الفكر والتطبيق، وبين النظرية والواقع، إلا أنني حاولت في الوقت نفسه، ألا تخلو أحداثها من شيء من الإثارة والتشويق، بسياق قصصي ممتع؛ وذلك كي لا يملها القارئ، وليجد فيها متنفساً، بين الحين والآخر، يهضم من خلاله وجباتها الدسمة.

ولقد جهدت في إضفاء الحيادية والواقعية والإنصاف في صياغة آراء الأبطال الخياليين أنفسهم؛ كلٌّ حسب المعتقد الذي يمثله، تبعاً لبيئته وظروفه، وحسب خصوصيته الفردية المفترضة في هذه الرحلة، بل حسب المراحل الافتراضية التي يمر بها عبر مسيرة تطور -أو حتى انحطاط- وعيه. ولكنني في الوقت نفسه، لم أسمح لحرصي على إنصافهم بأن يجرني إلى ظلم العقل والمنطق.

وقد أملت علي الأمانة العلمية، التي حاولت الالتزام بها، ألا ألجأ إلى معتقداتي ووجهة نظري الخاصة في تمحيص تلك الآراء والأفكار في حينها؛ حرصاً على إعطاء أبطالها الفرصة الكاملة لتقمص منطق أساطين الاتجاه الذي يمثلونه، والدفاع عنه وفقاً لطريقة تفكيرهم، وبمصطلحاتهم الخاصة، بل بمفرداتهم اللغوية الشائعة كلما أمكن ذلك، محاولاً التجرد، وفقاً لما سلف، في نقلها وإظهارها حسب رؤيتهم لها، وقصدهم من ورائها، دون أدنى إهمال لأي من مبادئهم الرئيسية السامية، أو حججهم السائدة، ودون أي تحيز لفكرة معينة، إلا فيما يحتمه السياق الموضوعي لهذه الرحلة وحبكتها الروائية.

كما قمت بجمع المادة العلمية التي بنيت عليها أحداث الرحلة على الوتيرة نفسها، من أمهات الكتب والموسوعات المتخصصة بالدراسة الأكاديمية للتاريخ وللعقائد المختلفة، ومما استخلصته من أبحاث ومقالات وتحليلات متفرقة قام بها كبار المفكرين والباحثين الموثوقين من جميع أنحاء العالم، من جميع التوجهات الدينية والسياسية والفكرية[1]. ولا ريب أن القارئ المتتبع لأي جانب من المواضيع المطروحة في هذه الرواية، سيجد فيها الكثير من العبارات المألوفة التي مر عليها سابقاً.

وعلى استعصاء المواضيع الشائكة التي تناولتها في هذه الرحلة وتعقيدها، إلا أنني توكلت على الله تعالى واستجمعت جميع قدراتي ومخيلتي كي يخرج هذا العمل بأفضل شكل ممكن من السهولة والانسيابية في التعبير والقرب من الإدراك العام. وقمت بإجراء التعديلات تلو الأخرى على صياغة كل فكرة من أفكارها، وتخيرت الألفاظ الأكثر ملاءمة لإيصالها بسلاسة ويسر، وأعدت ذلك مراراً وتكراراً عبر مختلف مراحل تأليفها التي تجاوزت الثلاثة أعوام، كما دأبت على عرض الفصول المنتهية منها على من أثق برأيهم، فلم يبخلوا علي بنقدها أو إرشادي إلى مواطن التقصير فيها وأثروني بأفكارهم النيرة وملاحظاتهم الثاقبة، التي لم تفدني فقط من جهة ترطيب المادة العلمية الجافة فيها، وتقريبها إلى غير ذوي الاختصاص، بل كان لها أكبر الأثر أيضاً في مساعدتي على تعديل الأحداث الروائية لتصبح أكثر قرباً من واقع الحياة العامة.

وقد هدفت من وراء هذا العمل إلى مساعدة القراء المسلمين على فهم أكثر واقعية وتجرداً لطبيعة الآخر، وعلى الخصوص أهل الكتاب، دون حكم مسبق عليهم. وإلى تصحيح بعض المفاهيم المفتقِده إلى الدقة عنهم، من منطلق رؤيتها من الداخل، وبمنظورهم الخاص، ثم نقدها بالمنطق العلمي، دون أن أتجاهل حقيقة أن كثيراً من متدينيهم يعتقدون –مخلصين- بأن دينهم هو الأجوبة الصحيحة لما يظنون بأنه المطالب الإلهية، وأن احتقار اعتقادهم هذا لا يخدم الإسلام في شيء، بل ربما على العكس تماماً. وبالإضافة إلى ذلك، حاولت أن أزيل بعض الغموض عن حقيقة العلاقة بين اليهود والمسيحيين (الأصدقاء اللدودين)، وتفصيلها لدى كل طرف على حدة، في الظاهر المعلن أو الباطن المخفي، وأين تلتقي ومتى تفترق، وحجم تأثير كل منهما في الآخر وسيطرته عليه.

كما هدفت أكثر إلى مساعدة القراء الكتابيين على فهم الإسلام انطلاقاً من كتبهم المقدسة نفسها، بالإضافة إلى ما اكتشف حديثاً من أسفارها الأخرى التي ظلت مخفية ردحاً طويلاً من الزمن. وكذلك انطلاقاً من المقارنة بين مختلف طوائفهم وفرقهم الرئيسية، وحتى بعض تفرعاتها المهمة. بعد تمييز كل منها على حدة، وربطها بأصولها العقدية العتيقة، ثم قياس مدى تأثير تلك الأصول في توجهاتها المعاصرة.

ولم يفتني بالتأكيد أن أتوجه إلى القراء العلمانيين من منطلق اكتشافات العلم الحديثة، والنظريات المادية الصرفة، لأصل معهم إلى تأكيد الحقيقة الأخروية بالمنطق الدنيوي الذي يتبنونه، ولا سيما أن زمننا هذا يشهد تنامياً مضطرداً في أعدادهم، حتى بين أتباع الأديان السماوية نفسها، وذلك بعد أن شطت بعض فرقها وطوائفها ومذاهبها عن الأصول، وهجنت بين قشور الدين والإلحاد المبطن بطرائق ملتوية، حتى رفض بعض أتباعها الدين جملة وتفصيلاً، وأخضعوا كل شيء لسلطان العقل وحده، غير مدركين أنهم قد اتخذوا بذلك إلى الشيطان سبيلاً مباشراً؛ ومع أن تلك "الصرعة" قد نشأت أساساً في الغرب، إلا أن صداها في العالم، وعندنا خصوصاً للأسف الشديد، كان مدوياً. فقد بلغ تأثرنا بالغرب ومحاولة تقليده، أنهم إذا دخلوا جحر ضب دخلناه مثلهم.

وأخيراً فقد هدفت أيضاً من وراء هذا العمل إلى التطرق بإيجاز إلى سبر مقدار معرفة كل هؤلاء بديننا، وكيفية رؤيتهم لنا، ومنطقهم في انتقادنا، بل وجهة نظرهم بمذاهبنا المختلفة.

وفي الختام أود أن أعتذر للقارئ الكريم عن طول الرحلة وتعدد جولاتها، وتنوع محطاتها، وكثرة مواقفها. وعذري أني تحريت، قدر الإمكان، ألا تكون كالأعمال التي تطلق النقاش دون أن تنهيه، بل حاولت أن أصل إلى إجابات مقنعة عن مختلف القضايا التي طرحتها، ولكن بالطبع دون أن أحاول الادعاء أنني قد أحطت بجوانبها كافة، فما أكثرها، وما أشد تعقيدها.

بعد الحديث عن اليهودية والأديان الوضعية في رواية الهروب إلى العاصفة, وهي أديان لا تدين بها شرائح معتبرة من مواطني الدول العربية، فإن بطل الرحلة يتجه مباشرة في بشارات هائمة نحو استكشاف الدين المسيحي. والمسيحية وإن كانت دين مستعمرينا السابقين, الذين نهبوا ثرواتنا وزيفوا تاريخنا وغرزوا الكيان الصهيوني في قلب عروبتنا, ولا يزالون حتى الآن يمدونه بكل وسائل البقاء والاستمرار, بناء على دوافع دينية في الأساس؛ إلا أننا لا نستطيع تجاهل حقيقة أن المسيحية هي أيضاً دين شركائنا في الوطن من الكتابيين العرب الذين يقفون معنا في خندق واحد. لذا فقد أمعنت في تحري المزيد من الدقة والتفصيل في تناولي لهذا الموضوع الحساس, دون أن أكتفي بمجرد بسط الحقائق, وإنما بإعطائها حظاً أكبر من التحليل والتمحيص, عن طريق مناقشتها بالمنطق والحسنى.

والنقاش بطبيعة الحال لا يشترط أن يكون بين المتفقين, وإلا فقد الكثير من معناه! والأحرى أن يكون بين المختلفين, ولكن على أساس احترام الرأي الآخر, وعدم محاولة فرض رأينا بالقوة. وكما يمنعني ذلك الاحترام من أن أهوي إلى مساقط السب والتخطيء والتجريم, وتحري نقاط الاختلاف والاصطدام مع المسيحيين, فكذلك ينبغي أن يمنعني أيضاً من النفاق والتزلف, وتضييع الوقت في البحث عن نقاط التشابه والاتفاق بين ديننا ودينهم. والأجدر أن تسمى الأمور بأسمائها الأصلية, بغض النظر عن أي اعتبارات ظرفية آنية, أو توجهات سياسية عرضية.

والإسلام في واقع الأمر ينطلق من الاعتراف بالتعددية وحتميتها, بل يعتبر الاختلاف سنة إلهية تركت بصمتها على جميع الخلق. وهو لا يجعل مجرد المخالفة في الدين سبباً يحمل على القطيعة، وإنما جعل العداء سبباً مانعاً للتواصل والموالاة. لذا فإن صراحة هذا العمل وجرأته لا يعنيان بأي شكل من الأشكال معاداة لأهل الذمة الذين يشكلون ركيزة أساسية من ركائز مجتمعنا المتسامح, كما رسم مخططه رسولنا الأكرم صلوات الله وسلامه عليه.

وعليه, فلا مصلحة لنا في ذم الشرائع والمعتقدات الأخرى, أو تسفيهها وتشويهها, ليخرج الإسلام منتصراً في معركة وهمية مع طواحين الهواء، فهذا غبن للإسلام نفسه, كما هو غبن للحق المنزل من الله تعالى على إخوة خاتم الرسل من الأنبياء من قبله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم، والذي لا تزال بقاياه ماثلة عند أهل الكتاب, ومميزة لهم عن غيرهم. كما أننا لا نحتاج إلى ذلك أصلاً؛ فبالإضافة إلى تسامح ديننا, فإنه يوفر لنا أيضاً, وبسخاء منقطع النظير, إمكانية مقارعة الحجة القوية بحجة أقوى, والمنطق السليم بالمنطق الأسلم. دون اللجوء إلى تقزيم الآخر أو احتقاره أو التقليل من شأنه, باعتباره شراً مطلقاً, أو أنه ليس على شيء.

وكما لا يعد انتقادنا في الرواية السابقة للصهاينة وكيانهم, انتقاداً للدين اليهودي الذي نحترمه, أو معاداة للسامية التي نحن أكبر شرائح تقسيمها العرقي في واقع الأمر؛ فكذلك لا ينبغي أن يعد انتقادنا للمسيحيين المتصهينين وللصليبيين الجدد في هذه الرواية, انتقاداً للمسيحية التي نكن لها أيضاً بالغ الاحترام والتقدير, أو معاداة لشركائنا قي الوطن الذين كان لكثير منهم مواقف بطولية مشرفة في سبيل تنقية المسيحية من المفاهيم الغربية المستوردة, والحفاظ على اللحمة الوطنية الأصيلة مع مواطنيهم المسلمين.

ولما كان الغربيون حالياً يعتبرون أنفسهم أخبر منا بأمور ديننا, ويدعوننا إلى ترك العقائد التي "شوهت" الإسلام, كما يردد الرئيس جورج بوش وغيره, ويسمحون لأنفسهم بمناقشة "الجمود" في ديننا وكيفية "تطويره", ويطالبوننا بتغيير مناهجنا الدراسية ومبادئنا غير المتناسبة مع مفاهيم عصرهم، دون أن يعتبروا أنفسهم متجاوزين للديمقراطية ومبادئ حرية المعتقد, وحق التعبير عن الرأي التي ينادون بها؛ فإنه يحق لنا أيضاً مناقشة نظمهم الفكرية وما نعتبره سلبيات ممارستهم لدينهم وتأويلاتهم الجديدة فيه, دون أن نحاول أن نفرض عليهم إلا ديمقراطيتهم ومبادئهم التي يدعون إليها ليل نهار. وبالتأكيد دون أن نتعدى حدود مبادئ ديننا العظيم نفسه, أو نتعارض مع سماحته وواقعيته.

في رواية كهولة قبل البلوغ سوف نحاول تتبع تاريخ تشكل "اللاهوت" وتطوره في الدين ذي الأتباع الأكثر عدداً في العالم (اسمياً على الأقل), كما سنحاول تعرف أصل بعض المسائل الكتابية, وإجلاء بعض الشبه لأولئك الذين هم عرضة لدعايات المبشرين وتأثيرهم, وخاصة "الفضائيين", الذين بالغ كثير منهم بالتلبيس والتدليس دون ضابط. وربما لم يكن لهذا الغوص في بواطن الأمور من داع في الماضي, حيث كان "الإعلام التقليدي"[2] يخضع بطبيعة الحال للكثير من الضوابط المحلية, سواء من جهة الحكومة, أو الدين, أو اللباقة, أو حتى من جهة الأعراف والتقاليد في المنطقة المحدودة التي يتبع لها، إلا أن التقدم التكنولوجي المذهل الذي نعيشه اليوم قد أفرز ما اصطلح على تسميته بـ"الإعلام الجديد"[3] الذي تحرر من كل الضوابط السابقة بسلبياتها وإيجابياتها، ولم يعد محصوراً بقوانين منطقة جغرافية أو سياسية بعينها, بل تخطى الصحاري والجبال والمحيطات, ملغياً الحدود التي كانت تفصل سابقاً بين المحلي والعالمي, ليصبح العالم بأسره أشبه بقرية كبيرة, فتحت أزقتها على مختلف الأفكار والمشارب المتضاربة، فاختلط الحابل بالنابل, وصدق الكاذب, وكذب الصادق, وخون الأمين, واستؤمن الخائن, وتكلم الرويبضة[4].

ومما زاد من حدة التخبط أن ذلك الإعلام الجديد المتحرر من الرقابة ومن القيود كافة قد خيم بظلاله على مختلف أمور الحياة اليومية, لدرجة أن أصبح المصدر الرئيسي (إن لم يكن الوحيد) للمعرفة عند السواد الأعظم من الناس في عصرنا هذا فامتلأت الأرض ظلماً وجوراً, لم يكن ليسكت عنه الناس لولا الإعلام وآلاته الدعائية المتعددة, التي جمّلت وزوّقت, بل زيفت ودلست, وفي النهاية شوشت وخدرت, لتلهي الناس بصغائر الأمور عن كبرياتها, ومحدثاتها عن أصولها. فرضوا بالظلم الواقع عليهم, وبالتشويه لتاريخهم, والتمثيل بدينهم, ولبِّست عليهم الأمور, وظهرت على غير حقيقتها, فسكتوا عن كثير من حقوقهم التي بدأ يساورهم الشك بها, وسلموا بما ظهر وكأنه حقوق لظالميهم, بعد أن أصبح ذلك أمراً واقعاً لا مفر من الاعتراف به والتعامل معه.

وخرج علينا فرسان الإعلام الرويبضيون بمصطلحات مستحدثة مثل: "سلام الشجعان" (ويقصدون منه الاعتراف بالكيان الغاصب كأمر واقع شئنا أم أبينا, وحصر الخلاف في المفاوضات حول الأراضي التي احتلها سنة 1967 فحسب, بل واستمرار العملية السلمية إلى أن تدخل معظم أراضي الـ67 في نطاق الأمر الواقع أيضاً)، و"نشر الديمقراطية" (ويقصدون منها دق إسفين بين شعوب المنطقة وأنظمتها الحاكمة, وتهديد أصحاب الكراسي غير الخاضعين تماماً, وإثارة الأقليات, وتأجيج نار الفتنة, ونشر الأسلوب الغربي للحياة)، و"حقوق الإنسان" (ويقصدون بالذات تلك التي تؤدي إلى الاختلاط والحرية الجنسية, وحرية التعبير في انتقاد مقدسات بعينها دون مجرد التفكير بالاقتراب من غيرها), و"الإرهاب" (ويقصدون به مطالبة المقهورين بحقوقهم المشروعة ودفاعهم عن أرضهم السليبة)، و"الإسلاموفوبيا" أو الخوف من "الإسلام المتشدد" (ويقصدون ما ينعتون الإسلام به من همجية وفاشية وتأخر وجمود).

وفي المقابل تربع على عرش الإعلام الجديد في بلادنا ثلاثة مناهج رئيسية في التعاطي مع تلك المستجدات الخطيرة. قام أولها على ذم الكتابيين كافة ولعنهم دون تمييز, (باعتبار أن القوى الاستعمارية والمحتلة هي نتاج الحضارة اليهومسيحية الصهيونية المستحدثة) منتقياً من كتب بعضهم, وتصريحاتهم, كل ما من شأنه إثبات وجهة نظره المسبقة عنهم، ليجد فيها الكثير مما يؤجج نار الفتنة, فهم في النهاية بشر, فيهم الصالح والطالح، كما انتقى من مصادر التشريع الإسلامي بعض الآيات والأحاديث التي تسوغ له محاربتهم, حسب اجتهاده في فهمه لها, في حال حسن النية، أو حسب جهده في تطويعها, في أحوال أخرى كالشعور بالاستهداف والظلم والاضطهاد, من قبل قوى مسيطرة منتسبة إلى ذلك الدين، أو في سبيل إثارة الحمية ضد عدو محتل للأرض ومنتسب إلى الدين الآخر.

ومع الاتفاق الكامل مع أصحاب هذا المنهج على ضرورة الرد على الاستهداف والظلم والاضطهاد, وعلى حتمية مقاتلة المحتل, والتنبيه على أخطار التحالفات الموجهة ضدنا، إلا أن وضع أعيننا على هذه النقاط المهمة, لا ينبغي أن يعمينا عن المشهد الأوسع, الذي لا يقل أهمية عنها؛ وهو المنهاج الذي وضعه ديننا الحنيف, في تنظيم علاقتنا مع أهل الكتاب، حتى لا نأخذ البريء بجرم المذنب, بحجة انتسابهما إلى نفس الدين. وهذا المنهاج غير خاضع للمواقف أو التحالفات السياسية الآنية, ولا يجب أن يتغير بتغير الظروف.

في حين قام المنهج الآخر, وفي رد فعل معاكس, على تبني القيم الليبرالية الغربية نفسها, والادعاء بنبذ التعصب الديني, ليصل الأمر في النهاية إلى تهميش الدين نفسه، فجعل الصداقة والعداء على أسس دنيوية محضة, كأن التفاهم بين أصحاب الشرائع المختلفة لا يستقيم على أسس دينية. وبالغ في إبراز المساهمات الجليلة التي قام بها بعض المنتسبين إلى أحد الأديان, من المتفقين معه بعقيدته السياسية, كائلا ًلهم كل أصناف المدح, والتدليس، وصاباً في الوقت نفسه جام غضبه على المختلفين معه في المعتقد السياسي سواء كانوا من الآخرين, أم حتى من إخوته في الدين. مستبدلاً بالتعصب الديني الذي أعلن نبذه, ومحاربته، تعصباً آخر, يتخذ أشكالاً أممية, أو قومية, أو حتى قطرية ضيقة في بعض الأحيان، وتحت أسماء براقة, كالعلمانية, والليبرالية, والمواطنة, والمجتمع المدني...إلى آخره من وجوه الحق التي أريد بها باطل.

أما المنهج الثالث فقد اتفق مع الأول بانتقائيته في الدين, إلا أنه انتقل إلى الاتجاه المعاكس, مؤثراً النصوص التي يغلب عليها التسامح واللين, فارتكب الخطأ نفسه في عدم إدراك حكمة تكامل النصوص, وفهم ظروف كل منها, وآلية تطبيقه وشروطه، متجاهلاً أن الدين "كمه"[5] لا ينبغي لها أن تجزأ وفق الأهواء والمصالح. كما اتفق مع الثاني في مجاراة المبادئ العصرية الوافدة, إلا أنه جاهد في إضفاء طابع ديني تجديدي عليها, ليجعلها أكثر قبولاً في مجتمعنا الذي لا يزال يحتل الدين فيه موقعاً متقدماً.

وبالطبع ادعى كل من تلك المناهج الرئيسية الثلاثة احتكاره للحق, مستغلاً وسائل الإعلام الجديد للترويج لأفكاره, في محاولة لبرمجة الوعي العام وفقاً لمصالح رعاته الخارجيين, أو أهواء دعاته الداخليين, مما أصابنا, نحن عموم المسلمين, بالحيرة والالتباس. ولكن, ألا يجب بدلاً من ذلك كله أن نسترجع مبادئ ديننا الحنيف كاملة, ونسمي الأمور بأسمائها حسب شريعة رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه, بغض النظر عن أي اعتبارات ظرفية خاصة؟! ألا يجب أن نضع النقاط على الحروف, ونحاول التعمق في بواطن الأمور لسد أبواب الفتنة كافة؟!! فإن كنا فعلاً نؤمن بأن الإسلام صالح لكل الأزمنة, وأن رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم يترك شيئاً به خير إلا ودلنا عليه، فالأوجب هو النقل عنه, والاقتداء به, لا الزيادة على منهاجه, ولا التنقيص منه. فالإيمان ليس ما وقر بالقلب فحسب, بل وما صدقه العمل أيضاً.

وما يعنينا في هذه الرحلة هو منهجه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الكتابيين في عصره. فهو لم يحارب لا اليهود ولا النصارى لمجرد أنهم كذلك؛ بل توسم الخير في الصالحين منهم, ووجه الهجرة الأولى للمستضعفين من أتباعه إلى أرض ملك نصراني[6] "لا يظلم عنده أحد" حسب تعبيره صلوات الله عليه، وأكرم السكان اليهود في الدولة الإسلامية الفتية فور قيامها، فأقام معهم عهداً حفظ حقوقهم, ونظم واجباتهم. ولم يقاتلهم حتى خرقت إحدى قبائلهم العهد، فكانت الحرب عليها وحدها, ولم تتعدها إلى القبيلتين اليهوديتين اللتين بقيتا تنعمان بالأمن وحسن الجوار في المدينة المنورة, ولم تؤخذا بجريرة غيرهما، ثم فعل الشيء ذاته مع القبيلة التي غدرت منهما, وأبقى على التي لم تبدر منها بادرة خيانة بعد.

كما حاجج نصارى نجران بالحسنى, ودعاهم إلى عبادة الله تعالى ربنا وربهم دون أن نشرك به أحداً. حتى عند معاندتهم, فقد كان أقصى رد منه هو تذكيرهم بأصول دينهم, ثم دعوتهم إلى المباهلة لتكون لعنة الله على الكاذبين منهم, دون أن يحاربهم أو يستخدم العنف والإجبار معهم بأي شكل من الأشكال, مع أن ميزان القوة كان في كفته آنذاك وفق كل المعايير. وكان ذلك شأنه دائماً عليه أفضل الصلاة والتسليم, وكان ذلك شأن خلفائه من بعده. فها هو ذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتوجه بنفسه إلى القدس تلبية لشرط أسقفها "صفرنيوس" الذي لم يعد يملك, لا هو ولا قومه, أي ثقل في ميزان القوى, بعد هروب الحامية الرومية منها. ليستلمها منه سلماً, مع استطاعة قادته احتلالها قسراً، بل ويعاهد النصارى على الأمان لأنفسهم, وأموالهم, وألا تسكن كنائسهم, ولا تهدم, ولا ينتقص منها, ولا من صلبانهم, ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم, ولا يضار أحد منهم[7]. ويشهد التاريخ على أنه لم تراعَ حقوق وحرمة اليهود أو النصارى (أهل الذمة) كأقلية, تحت حكم أي دولة على مر العصور, كما روعيت في دولة الخلافة, خصوصاً وهي في أوْج قوتها, عندما كانت لا تزال تسير على نهج رسولها الأعظم.

وكما نرى فإن المخالفة في الدين لم تمنع الرسول عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح من أن يقسطوا في أهل الكتاب أو أن ينصروهم في حال قوة الإسلام, ولا أن يستنصروهم عندما كان الإسلام ضعيفاً. كما أن قسط الرسول عليه الصلاة والسلام وسلفه الصالح مع الكتابيين واستعانتهم بهم, لم تمنعهم من إظهار الحق وإزهاق الباطل والجدل بالحسنى. فلم يكن في الأولى أي مجال للعداء أو الحقد, ولم يكن في الثانية أي نفاق أو تدليس.

الهروب إلى العاصفة:

قصة حاخام روسي ضايقته المتناقضات التي اكتشفها أثناء تعمقه في دراسة الشريعة اليهودية, وصُدم بردة فعل كبار الحاخامات على محاولته لتقصي الحقائق بشأنها, مما أورثه خيبة أمل وريبة في الدين حتى وصل به الشك إلى الوحي, فراح يبحث عن الحقيقة خارج نطاقه, بدءً من عبادة الشيطان حتى العلمانية والتداخل الالحادي في الأديان, مروراً بالبوذية وغيرها, إلى أن تأكد من عقمهم جميعاً ومن وجود الله فعلاً, ليعود إلى اليهودية باحثا في بقية فرقها الأخرى, عله يجد ضالته في أحدها. وبعد أن عاش فترةً في الأرض المقدسة, وجد أن بقية الفرق اليهودية كانت أشد ضلالاً من فرقته السابقة, وأن حكماء صهيون قد ذهبوا بجل ما جاء به أنبياء بني إسرائيل. ولكن فجيعته لم تكن على الصعيد الديني فحسب, بل تعدتها إلى الصعيدين الاجتماعي والسياسي, فعاين عن قرب دسائس بني جلدته ومؤامراتهم, وعانى شخصياً من مطاردة الموساد وتلفيقاته حتى اضطر إلى الهرب إلى مصر, ثم اكتملت فجيعته عندما طالت حياته العاطفية, وخَبر الخيانة بأبشع صورها بعدما ظن أنه قد عثر أخيراً على الحب الحقيقي.

بشارات هائمة:

قصة حاخام تبرأ من اليهودية بعد أن كشف فسادها, وراح يبحث عن الحقيقة في المسيحية هذه المرة, متنقلاً بين طوائفها الشرقية والغربية من قبط إلى موارنة, ومن ارثوذكس إلى كاثوليك وبروتستانت, مروراً بالمورمن وشهود يهوه وغيرها من الطوائف الأخرى, ولكنه يفاجئ بأن الأصابع التي عبثت باليهودية قد طالت المسيحية أيضاً, ويتطور بحثه ليقوده إلى الكشف عن خفايا الصدام واللقاء بين الحضارات, وحقيقة العلاقة بين الأصوليتين اليهودية والمسيحية, والمؤامرات التي يحيكها رجال من خلف الستار, وعن حقائق أخرى لم تكن في الحسبان.

كهولة قبل البلوغ:

قصة حاخام شاب, شاب من هول ما اكتشفه من التحريفات التي طالت فرق وطوائف أهل الكتاب, ولكنه يظل محافظاً على إيمانه, واثقاً بأن الرب لا يترك الإنسان دون طريق لخلاصه, فراح ينقب في تاريخ الأديان وتشَكلها وتدوين أسفارها, ليصل إلى الخلاص الذي شوهه الأحبار والملوك والحكماء. إلا أن ذلك جعله يُتهم بالميل إلى الإسلام مراراً وتكراراً, وهو ما اعتبره ظلماً كبيراً لمنطقه وإقلالاً من شأنه؛ فقد تقبل بالكاد فكرة أن تكون الحقيقة التي غادرت اليهودية قد استقرت في أحد طوائف المسيحية باعتبار أن المسيحية نزلت بالأصل على بني إسرائيل, بل وكلما اصطدم بالإسلام أثناء بحثه عن الحقيقة, التفت عنه مستحضراً ما يعرفه عن شبهاته وحال معتنقيه. وبعد أن يفقد الأمل في العثور على ضالته يقرر أن ينتظر ماشيخ الرب المُخلص, وأن يموت على الحنيفية إن لم يدركه, ولكن الأمور تجري على عكس ما يشتهي, وتقوده الحقائق التي اكتشفها إلى غير ما خطط له.

كيف نشأت فكرة هذا الكتاب

نواة هذا العمل كانت تجربة واقعية خضت غمارها عندما تغربت في رحلة طويلة إلى الخارج بهدف الدراسة الجامعية, ابتداء من ألمانيا (الغربية), ومروراً بهنجاريا, إلى أن حط بي الرحال أخيراً في روسيا, التي تزوجت إحدى بناتها, وتخرجت، ثم تخصصت من جامعاتها ومشافيها, واكتسبت جنسيتها, قبل أن أعود إلى سورية حيث أقيم حالياً. وكان أكثر ما صدمني في أثناء فترة دراستي الطويلة هو مقدار التفاوت الشديد بين مستوى بلاد العرب التي نشأت وتربيت بين ربوعها, وبين مستوى بلاد الروم[8], من غربها [9] إلى شرقها[10]، كما صدمت أكثر بتفسيرهم لاغتصاب بلدي فلسطين, وجعلي لاجئاً يهيم في الأرض دون وطن, كتنفيذ لوعد إلهي, وإشارة على قرب عودة الرب!!!

كنت آنذاك منبهراً بحضارتهم وعلومهم, بل بأسلوبهم في الحياة كذلك, ولم أكن واثقاً من أن معلوماتي القديمة كانت أصدق, فقط لأنني تعلمتها أولاً, ومنذ الصغر! فأتباع دين الروم هم الأكثر عدداً, ويربون حالياً على المليارين[11], كما أنهم الأكثر تقدماً في العالم كله من جهة العلم والثروة والسلطان، ولا يعقل أن يكون كل هؤلاء على خطأ, ويكون مليار ونصف مليار مسلم[12] على الحق! وهم غير قادرين حتى على ردع ستة ملايين مشرد[13] جاؤوا من مختلف أصقاع الأرض ليستوطنوا عقر دارهم ويغتصبوا عروس عروبتهم جهاراً نهاراً وسط عشرات الدول العربية المحيطة بهم من كل جانب, ومثلهم من الدول الإسلامية الأخرى حولها. وما يزيد الطين بلة هو أن تلك الأرض المغتصبة بالذات كانت قبلة الإسلام الأولى وثالث الحرمين الشريفين, ووصفت وحدها في القرآن الكريم بـ }الأرض المقدسة{[المائدة: 21]. لذلك, ولأسباب أخرى, فقد نزعت من رأسي ما تعلمته من أن الإسلام هو الدين الذي لا يقبل الله غيره, وتجاهلت ما تؤكده أسرتي من أن نسبنا يمتد إلى أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام, وعزمت على مواجهة موروثي بمنتهى الجرأة, ومهما كلفني الأمر, كي أحسم ترددي نهائياً, وأختار باقتناع كامل, الجهة التي سوف أصدقها وأنتمي إليها بقية حياتي.

وما أعظم ما خرجت به من تلك التجربة؛ فقد فتحت لي آفاقاً واسعة, مكنتني من سبر أغوار معظم الأمور المحيرة, وإجلاء العديد من الأوهام المغررة, وحل الكثير من الألغاز العصية على الإدراك. وأهم ما في الأمر, أنها جعلتني أقدر تمام النعمة التي منَّ الله تعالى بها علي إذ جعلني مسلماً, وكفى بها من نعمة.

ومع أن رحلتي في البحث عن الحقيقة والتحرر من الأوهام قد انطلقت من افتراض خطأ الإسلام, وانتهت بأن عدت إلى الله تعالى صاغراً, ومسلّماً بدينه؛ إلا أنني رأيت ألا أدخل بطل رحلتنا بتلك المتاهة التي عانيت منها سنوات عجافاً؛ فتسليط الضوء على ذلك ليس هو الهدف الرئيسي الذي أنشده من وراء هذا العمل. لذا فقد جعلت بطل هذه الرحلة من أتباع أقدم دين سماوي معروف, ومن نسل الأنبياء والكهنة اللاويين الوارد ذكرهم في الكتب السماوية, ثم مهدت له طريقاً مستقيماً يبدأ بالتيقن من وجود الله عز وجل, بعد المرور على بعض أشهر العقائد الإلحادية لمشركي هذا العصر ووثنييه, ثم يغطي بتدرج منطقي عقائد أشهر الفرق اليهودية والطوائف المسيحية, ومن ثم يغوص في جذورها مقارناً أصولها العقدية بمناهجها العصرية. وفي نهاية المطاف يختم بحثه في إخضاع كل ذلك إلى الكتاب بعد أن يخضعه هو نفسه للبحث.

وقد استلهمت اسم بطل هذه الرحلة "أبراهام"[14], وتدرج مسيرته في رحلة بحثه عن الحقيقة وتحرره من الأوهام, من اسم جده (المفترض) "إبراهيم" عليه السلام أبي الأنبياء, ومسيرته في البحث عن الإله الحق, بعد عدم اقتناعه بآلهة آبائه وأوهامهم، حيث تنقل عليه السلام في جدله الفلسفي مع قومه من عبادة النجوم إلى القمر ثم إلى الشمس, حتى يوصلهم في النهاية إلى الخالق الحقيقي جل جلاله, المستحق وحده للعبادة.

أما أبراهام المفتقد لعصمة جده الكبير ورسالته وعزمه, الذين قدموا له الحقيقة الحنفية من الله مباشرة، فلم يسعه إلا أن يبحث عنها بجهده الخاص, بعد أن بدأت الشكوك تراوده حول عقيدته السابقة وتعاليمها، ليتخذ بحثه صورة صراع حاد بين العقل والدين, قاده إلى الخوض في رحلة طويلة من المجادلات الفلسفية مع ذاته أولاً, ثم مع قومه وأقوام أخرى, مقارناً بين نجوم النظم الإلحادية[15]، وأقمار الفرق اليهودية[16], وشموس الطوائف المسيحية[17] حتى يصل في النهاية, وبتوفيق من الله عز وجل, إلى النور المبين المنزل من الله عز وجل، والذي يجيب عن مختلف تساؤلات عقله بعد تشككه, ويعمر قلبه بعد خرابه, ويملأ روحه بعد خوائها، محطماً أصنام الموروث, ومتحملاً نيران مجتمعه, لتصبح برداً وسلاماً عليه، تاركاً كل شيء وراء ظهره ومهاجراً إلى الله تبارك وتعالى, ليبذل في سبيل مرضاته الغالي والنفيس.

كان في نيتي, عندما بدأت في هذا العمل قبل أكثر من ثلاث سنوات, أن يكون على شكل رواية أدبية ممتعة كي تعم الفائدة المرجوة منه أوسع شريحة ممكنة من القراء, متعمداً الابتعاد عن التعقيد الممل قدر الإمكان, وفي الوقت نفسه أن أعطي صورة متكاملة عن مواضيعه المختلفة بشكل سلس, دون أن يكون ذلك على حساب التفاصيل المهمة، إلا أن المدة الطويلة التي قضيتها في جمع المعلومات محاولاً قدر الإمكان تغطية مواضيعه المتشعبة على الوجه الأمثل, قد أخرجت العمل عن تصنيفه الأول, متجاوزاً لما ينتظره الناس عادة من رواية أدبية, حتى إن كثيراً ممن عرضته عليهم قد وصفوه بأنه صار أشبه بموسوعة مختصرة في الأديان والحضارات! وأنا بالطبع لا أدعي هذا بأي شكل من الأشكال, بل إنني لا أصنف هذا العمل المتواضع حتى كبحث توثيقي أو كدراسة أكاديمية, على غزارة المعلومات والحقائق الموثقة فيه. ولا أدعي أنني قد أتيت بجديد لم يتنبه له أو يفكر به أحد قبلي؛ فجل هذا العمل هو عرض متواضع لمختارات من بعض الدراسات الأكاديمية المنشورة سابقاً عن الأديان والحضارات، والفضل فيها يرجع بعد الله تعالى إلى أصحابها بالذات, وليس لي منه إلا الجمع والتنسيق والتقريب. وحتى ما يمكن أن يعتبر جديداً في هذا العمل, فهو ليس أكثر من إعادة ترتيب المكعبات للوصول إلى الشكل الأكثر قرباً من الحقيقة, ووضع النقاط على الحروف, ومن ثم تحليل المعطيات للوصول إلى النتيجة المنطقية[18].

وفي الختام, فإني أشهد الله تعالى أنني قصدت من وراء هذا العمل وجهه الكريم, ولم أشرك معه أحداً في قصدي وأنا أعلم. فإن أحسنت في شيء, فهو توفيق منه جل جلاله, وأطمح إلى مثوبة منه, إنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وإن أخطأت أو قصرت في أشياء أخرى, فذلك من نفسي القاصرة, واتباع هواها بغير علم والعياذ بالله. فأرجو عفوه وهدايته, إنه يغفر الذنوب جميعاً ويهدي من يشاء, وهو أعلم بالمهتدين. وأنا أدرك جيداً أن كثيراً من الناس من مختلف التوجهات لن ترضى عن صراحتي في نقطة أو أخرى, ولا عن تطرقي إلى مواضيع يعتبرونها حساسة أو محرمة, وأنهم سيهاجمونني بشدة، ولكنني لم أضع في حسباني إلا إرضاءه وحده, فهان علي غضب بعض خلقه. وأعوذ بالله من أن أَضِل أو أُضَل أو أن أَذِل أو أُذل أو أن أَظلم أو أُظلم أو أن أَجهل أو يُجهل علي, وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين.


 [1] لن تتسع هذه المقدمة الوجيزة لسرد آلاف العناوين, التي تنوعت بين المجلدات الضخمة حتى المقالات القصيرة والتصريحات الصحفية والبرامج الحوارية والوثائقية. ولكن يمكن الاطلاع مصادر الاقتباسات المهمة التي أُشير إليها في حينه بالحواشي.

[2] الإعلام التقليدي هو الإعلام عبر الكتب والمطبوعات الدورية, والمحطات الأرضية للإذاعة, والتلفزة.

[3] الإعلام الجديد الإعلام عبر الفضائيات والشبكة العنكبوتية بشقيه "الإعلام المؤسساتي", و"الإعلام البديل" (كالمدونات وغيرها), وعبر الهواتف المحمولة.

[4] الرويبضة هو الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة, كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.(المستدرك على الصحيحين للحاكم).

[5] الكمة هي الوحدة غير القابلة للتجزئة.

[6] النجاشي ملك الحبشة.

[7] العهدة العمرية.

[8] "روم" في المفهوم المسيحي التقليدي تعني "أصيل", حيث أن أصل المسيحية عندهم هي الرومانية.

[9] أكثرهم روم كاثوليك.

[10] أكثرهم روم أرثوذكس.

[11] طبقاً للإحصائيات الواردة في دليل عام 2010 الذي سلمه أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال ترشيزي برتونيه للبابا بندكت السادس عشر, فإن عدد الكاثوليك في العالم قد ارتفع إلى مليار و166 مليوناً في العام 2008، فيما بلغت نسبة المسيحيين بصفة عامة (بجميع طوائفهم)33% من سكان العالم. وقد جاء في صحيح مسلم: "قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول؟ قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً؛ إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك"(رواه مسلم).

[12] هذا هو المشهور وفقاً لإحصائيات سنة 1998التي بلغ فيها عدد المسلمين 1.678.442.000 نسمة. ولكن التقريرات الحالية تتعدى المليارين والله أعلم. يذكر أن قسماً كبيراً من المسلمين يعيشون كأقليات معتبرة في دول غير إسلامية مثل: الهند (161 مليون مسلم)، وإثيوبيا (28مليون مسلم)، والصين (22 مليون مسلم)، وروسيا (16 مليون مسلم)، وتنزانيا (13 مليون مسلم).

[13] بلغ عدد سكان الكيان الصهيوني وفق الإحصاءات الرسمية الصهيونية في نهاية 2008 نحو 7 ملايين و370 ألفاً، من بينهم 5 ملايين و570 ألف يهودي، يشكلون ما نسبته 75.5%، ونحو مليون و490 ألف عربي، بما في ذلك سكان القدس الشرقية والجولان، أي 20.2%، في حين لم يصرّح نحو 320 ألفاً، أي ما نسبته 4.3%، عن ديانتهم. ويقيم نحو 500 ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية، بما في ذلك شرقي القدس؛ التي يبلغ عدد مستوطنيها اليهود نحو190 ألفاً.

[14] اللفظ العبري لاسم إبراهيم عليه السلام.

[15] اتخذت كثير من العقائد الوثنية كعبدة الشيطان, والحركات العلمانية الدينية كالصهيونية, والنظم المضادة للأديان كالماسونية والشيوعية من النجوم شعاراً لهم.

[16] يعتقد اليهود أن مصيرهم مرتبط بالقمر مباشرة, وخسوفه آية سوء لهم. أما خسوف الشمس فآية سوء لبقية الشعوب, التي على عكسهم يرتبط مصيرها بالشمس. كما أن تقويمهم قمري.

[17] حسم المسيحيون رسمياً في القرن الرابع الميلادي مسألة تبديل يوم عطلة السبت إلى يوم الأحد (يوم الشمس لدى الروم الوثنيين سابقاً) والذي لا يزال يحتفظ بمعناه الحرفي إلى الآن في بعض اللغات الأوربية العريقة، مثل Sunday بالإنجليزية وSonntag بالألمانية. ومع أن بعض الأرثوذكس يؤكدون أن تاريخ ميلاد المسيح عليه السلام هو 7/1, إلا أن أغلب المسيحيين يحتفلون به في 25/12, وهو عيد آلهة الشمس عند الرومان الوثنيين. ويقول الأسقف "بارنز" أن هذا التاريخ (25كانون الأول/ديسمبر) قد صادف يوم احتفال كبير بعيد وثني قومي في روما، ولم تستطع الكنيسة أن تلغي هذا العيد, بل باركته كعيد قومي لشمس البر فصار ذلك تقليدياً منذ هذا الوقت. دائرة المعارف البريطانية ودائرة معارف شامبرو (لمعرفة مزيد من التفاصيل عن علاقة الشمس والفلك بالمعتقدات المسيحية الرومانية

[18]من أوضح الأمثلة على ذلك ما جاء عن حقيقة الصهيونية, والمفاهيم المسيحية الجديدة حول اليهود و"دولة إسرائيل" وإعادة بناء الهيكل, وما جاء عن لغز المارونية, وحقيقة بولس ولغز الصحابي ضغاطر الأسقف, وكونه البابا هنوريوس الأول وموقف هرقل من الإسلام.