حين تبدو لنا ملامح لوحة بديعة من الفسيفساء, وقد بُعثر جمال رسمها, وبوعِد بين أحجارها, ألا تلح علينا فكرة أن هذه اللوحة تحتاج إلى أصحاب الفن المعماري كي يعيدوا لها ذلك الرسم البديع ويرمموا معالمها لتبدو مبهرة .

كذلك فسيفساء خارطة العالم الإسلامي, هي في أمسّ الحاجة إلى العمل المشترك من الإسلاميين ليلملموا لها شتاتها ويعيدوا رسم استراتيجياتها المستقبلية .

فعالمنا الإسلامي لم يتبلور بعد, والعديد من أقطاره تمر الآن بطور القولبة التي ستشكل معالمه على المدى البعيد .

وبما أننا نمتلك أهم مؤهلات النهضة, ونستطيع أن نفعل الكثير لربيعنا الإسلامي العربي، أليس حري بنا أن ندع عنا الخمول والدعة ونسارع بالنهوض لنجابه الاستقواء الدولي _الذي كان الاسترخاء العربي سبباً رئيساً في تماديه واستعلائه_ ونعيد قراءة الواقع, ونعكف على دراسة الرؤى والخطط المستقبلية ونعيد بناءها أو ترميمها, فكوننا أمام صياغة عالمية جديدة فإن ذلك يعد فرصة عظيمة قد نستطيع من خلالها تشكيل إستراتيجية موحدة تكفل لنا التحرر من هيمنة الغرب .

وبالطبع فإن تشكيل تلك الإستراتيجيات الموحدة سيحتاج إلى مناخ مناسب وبيئة ملائمة ويحتاج أيضاً إلى تسخير الإمكانات المتوافرة لنجني النتائج بأقل تكلفة وبأيسر جهد .

ومن ذلك الاستعانة بتقنية الاتصالات الرقمية فننشئ جامعة الكترونية - عن بعد- تحت شعار ( جامعة الدول الإسلامية للمفكرين). فقد تكون حجر الأساس لإنشاء مشاريع فكرية نهضوية تجمع الشتات شيئاً فشيئاً حتى يتحقق لنا بعض مانصبو إليه .

وقد يقول قائل : وما يصنع المفكرون ؟ فليس بيدهم صناعة القرار !

لكن أقول : أليس هم نبض الشارع العربي, والمتحدث الرسمي باسم الشعوب, ومن يعكس مخاوفه وآماله.

أليس هم من يوجه دفة (الرأي العام) الذي تهابه الحكومات فتغير من استراتيجياتها لأجله, فيؤثر هذا التغيير على بعض القرارات الإقليمية التي قد يكون لها بالتالي تأثيراً غير مباشراً على صناعة القرار العالمي ..

..أليس من الحكمة أن يعتد المفكرين بأنفسهم, ويقدروا لدورهم قدره, و يتبوؤا أماكنهم التي يستحقونها في تسيير دفة الأمة؛ فتكون لكلمتهم هيبة ولنغمة حديثهم رنيناً عالياً يسمعه صناع القرار !

أجيبوني بربكم يا علماءنا ويا حكماءنا هل سيتأتى لكم ذلك وأنتم متفرقون كل يفكر على حدة لا تجمعكم سوى النوازل ؟

فأنتم تعلمون جيداً أن التجربة العربية الإسلامية السياسية كانت بعيدة غالباً عن النظرة العميقة والدقيقة لأنها اعتادت أن تتعامل مع القضايا بمنظور فردي الذي ربما غلبت عليه المصلحة الذاتية, مما جعل كثير من اتفاقياتها ومعاهداتها تتعثر, في حين استطاعت دول الغرب أن تنجح لأنها سعت قبل ذلك إلى تحقيق روح النظرة الشمولية الموحدة .

ففي زمن التحالف الدولي ضد الإسلام وتداعي أمم الأرض علينا لم يعد التحرك البطيء يجدي نفعاً, وقد ولت أيام الشجب والاستنكار, فلم يعد المجتمع الدولي يعول على تحركات الحكومات بقدر ما يعول على تحركات الشعوب الذين باتوا يستجدون حكماءهم ومفكريهم أن يجتمعوا ليرسموا لهم خارطة الطريق ليستدلوا بها في مسيرتهم التي غطى الضباب أفقها .

ولسان حالهم يقول: ( يا مفكرينا أجمعوا شتاتكم و هلموا بنا لتخرجونا من ظلمات التيه )

ولكي تقوم جامعة كهذه فأقترح على من يتولى الفكرة أن يراعي ما يأتي :

1- أن يستقطب فيها نخبة من مفكري العالم الإسلامي من ذوي الفكر المتزن ,الذين يحملون منهجاً وسطياً سليماً يستمد قبسه من مشكاة السلف الصالح .

2- أن تحوي (شبكة تواصل) تتيح لأعضاء هذه الجامعة أن يتواصلوا بشكل مستمر مع بعضهم, وقد بسطت هذا في مقال ( شبكة تواصل المفكرين) .

3- تعقد فيها اجتماعات - عن بعد- بشكل متتابع _ أسبوعية أو شهرية _ يتم فيها صناعة كلمة جامعة وخطة مشتركة للإصلاح . يتم فيها الاتفاق على تحديد شروط النهضة ومتطلباتها لتحقيق حلم الوحدة الإسلامية .

4- أن تضم مركزاً للأبحاث والدراسات لصناعة رؤية جماعية متقنة للمستقبل السياسي للعالم الإسلامي أجمع .

فنحن للأسف نعاني من أزمة فقر في البحوث والدراسات والمفاهيم المتعلقة بالمجال السياسي المختص بموقع العالم الإسلامي من العالم . ونفتقد تلك النظرة الشمولية التي تربط بين الأحداث. لأنها في الغالب تنطلق من منظور فردي وأحادي الجانب .

5- أن تحرص على استقطاب واكتساب التقنية الرقمية والاستعانة بها كقوة سياسية لا يستهان بها .

6- أن يكون من أهم أنشطة تلك الجامعة إطلاق قناة فضائية موحدة ومحايدة ( على مستوى العالم الإسلامي ) تكون كحضن إعلامي وقانوني وسياسي تستخدم (سلطة الإعلام) في توجيه الرأي العام وللتأثير على صناعة القرار الدولي لصالح الأمة وتوجيهها .و قد بسطت ذلك في مقال (الإعلام العربي القوة الناعمة) .

7- ترسيخ فكرة التجمع و التكتل الإسلامي, ليكون هناك تأثير مرتجى لنهضة الأمة ولتحفظ للإسلام حقوقه وحريته عالمياً .

8- محاولة صنع قوة فكرية دفاعية مشتركة لمنع التعدي على الشريعة الإسلامية وثوابتها. وأيضاً تحقيق سياسة تقاسم الأدوار .

وأقترح أن تقوم بتبني فكرة هذه الجامعة إحدى المؤسسات الدعوية العالمية ..لأن ذلك سيقطع شوطاً كبيراً في إقامة هذه الجامعة .. فلن يتطلب الأمر منها سوى أن توسع أعمالها بأهداف إضافية .

قد تبدو فكرة هذه الجامعة خيالية أو مستحيلة إذا أردنا أن ننفذها على أرض الواقع .. لكن ما أقصده هو أن تؤسس أروقتها وتشيد في عالم الانترنت الافتراضي _ الذي يختصر الكثير من الجهد والمال والمسافة _ كل ما في الأمر موقع اليكتروني يؤسسه بعض النخبة بأهداف مدروسة ثم يستقطب الأعضاء من العقول المفكرة البناءة ليكوّنوا منظومة متناغمة تجمع ما بين أطراف العالم الإسلامي . (و لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى ) .

وختاماً .. إن التحدي الذي نواجهه كبير ويتمثل في صور شتى؛ فينبغي علينا أن نتحرك بصورة حاسمة إلى ما وراء طرق التفكير العتيقة, ونلتزم بالسير في المسار الأصلي الذي سار عليه السلف الصالح، وهو الوسطية المتزنة المستمدة من عقيدة الأمة ومبادئها و محكماتها الشرعية .