عندما تقول هذا الكلام فإن من يسمعك قد يصفك بأوصاف كثيرة ليس منها وصف تقبله على نفسك، هذه الجملة التي تفوه بها "د.علي السلمي" نائب رئيس مجلس الوزراء المصري: "لا يحوز لفئة تحديد هوية مصر" ونقلتها عنه بعض الجرائد المصرية في عناوينها الرئيسة، إذا تدبرها الانسان تعجب أشد العجب من صدور مثل هذا الكلام من مسئول كبير ثم تنقله عنه وسائل الاعلام مقرة به من غير إنكار ولا اعتراض ولا حتى مجرد نقاش.

فمن هي الفئة التي يعنيها "علي السلمي"؟ لقد توقع المحللون والمتابعون للشأن المصري أن التيار الإسلامي ستكون له الغلبة الكاسحة في أية انتخابات قادمة والتي يترتب عليها تشكيل اللجنة التي تضع لمصر دستورها، ومن المتوقع إذا كان الإسلاميون هم من سيضع الدستور أو يكون لهم مدخل كبير في وضعه أن يعكس هذا الدستور الحفاظ على هوية الشعب المصري وتمسكه بدينة الذي حاولت الانظمة الجمهورية المتعاقبة على مدى ستة عقود بدأ من حكم "جمال عبد الناصر" وانتهاء بحكم "حسني" أن تبعد الشعب عن دينه وقامت بالإقصاء العمدي المنظم له عن التدخل في أمور المجتمع، إضافة إلى ذلك فإن الدستور سوف يعكس ابتعاد مصر عن الدوران في فلك الغرب مما يعطيها الاستقلال في قرارها والعودة إلى بيئتها الأصلية العالم العربي والأمة الإسلامية وكل ذلك مما يزعج الغرب بقيادة أمريكا التي تعودت على امتصاص خيرات بلاد المسلمين وافتعال الحروب المدمرة مع الشعوب العربية والإسلامية بذرائع كاذبة.

فماذا كانت الخطة لتكبيل التيار الإسلامي والحيلولة دون قيادته البلاد في طريق الخلاص من الذل والتبعية والدوران في فلك الدول الصليبية والدولة اليهودية، بدأ ذلك بما حاولوه من أن يكون وضع الدستور أولا قبل الانتخابات أي قبل أن يسيطر الإسلاميون على البرلمان ويصوغون دستوراً يحفظ على البلد هويتها واستقلالها عن هيمنة الغرب الصليبي واحتفاظ البلاد بثرواتها وخيراتها لأبناء شعبها، هذه المحاولة أخفقت لظهر بطلانها دستورياً فلجأ المعتدون على الإرادة الشعبية إلى طريقة ثانية وهي إعلانهم عن وضع مبادئ سموها فوق دستورية أي أنها تكون فوق الدستور وأعلى منه، وفي المرحلة الثالثة من مراحل تهميش الإرادة الشعبية والعدوان عليها غيروا الكلمات وقالوا بإصدار وثيقة حاكمة للدستور أي لا يجوز لواضع الدستور أن يخرج عنها، والحجة التي ذكروها في ذلك تلك الحجة الداحضة أنه: "لا يجوز لفئة تحديد هوية مصر"، وهذا الكلام يتناوبه العوار من عدة أوجه، فالدستور لن يوضع من قبل فئة مغامرة قامت بانقلاب عسكري واستولت على الحكم حتى يقال لا يجوز لفئة أن تحدد هوية مصر، وإنما سوف يوضع من قبل نواب الشعب الذين انتخبهم لينوبوا عنه، إذن لن يوضع من قبل فئة ما ولكن من قبل النواب الذين يعبرون عن الشعب كله، ولو قدر أن الشعب اختار طيفاً واحداً من الأطياف السياسية المتعددة فهذه اذن رؤيته واختياره وهو ما يعني أن الأطياف الأخرى ليس لها قبول عند الشعب ولا يرى فيها ما يحقق له طموحه، ويكون دور الإدارة الرشيدة أن تمضي قرار الشعب وتبارك اختياره لا أن تجبره جبرا على أن يشرك من لا يثق فيهم في وضع أهم وثيقة تصبغ البلاد بصبغتها في كل المجالات.

هذا العدوان على الإرادة الشعبية له عدة دلالات ويترتب عليه نتائج، فمن ذلك:

1- المبالغة في احتقار الشعب والتعالي عليه وإنزاله منزلة القاصر غير الرشيد الذي لا يدرك مصالحه على الوجه الحسن.

2- وهم إذ منعوا الشعب من حريته في استثمار نتائج اختيار من يمثله في انتخابات حرة نزيهة، تحت زعم أنه: "لا يجوز لفئة أن تحدد هوية مصر" رغم أن الذي يحدد الهوية في تلك الحالة هو الشعب كله وليس فئة لأن هؤلاء النواب ما أتوا بالتعيين وما جاؤوا إلاّ بالانتخاب، فقد قاموا بالشيء الذي ينكرونه على حد المثل القائل "رمتني بدائها وانسلت"، فهم قد عهدوا لشخص أو حتى مجموعة من الأشخاص لتضع المبادئ الحاكمة للدستور، ففرد واحد أو حتى عشرة أو عشرات تقيد إرادة شعب بأكمله حيث لا يستطيع نواب 85 مليون شخص أن يخالفوا رؤية المجموعة التي وضعت المبادئ الحاكمة فلو كان مُطْلق هذه الجملة "لا يجوز لفئة أن تحدد هوية مصر" صادقا فيما يقول لكان أول ما يترتب عليها بطلان المبادئ الحاكمة للدستور التي يزعمونها، وإذا نظرنا لمطلق هذه الكلمة وللشخص الذي عهد إليه بجمع المبادئ الحاكمة وصياغتها نجد أنهما من طيف سياسي معين ليس له وجود فاعل في الواقع السياسي، وليس له قبول لدى جماهير الشعب فكان معنى هذه الجملة "لا يجوز لفئة أن تحدد هوية مصر" في حقيقة الأمر ليس لنواب الشعب الذين اختارهم الشعب اختيارا حرا نزيها بملء إرادته أن يحدد هوية مصر، وإنما الذي له الحق كل الحق في تحديد هوية مصر هي تلك الفئة التي لا قبول لها عند الشعب والتي وضعت المبادئ الحاكمة للدستور، فهذه الفئة المحدودة التي لم ينتخبها أحد ولم يوكلها أحد تكون إرادتها حاكمة على إرادة الشعب كله فلا يمكن لممثلي الشعب أن يضمنوا الدستور مادة تخالف تلك المبادئ الحاكمة للدستور.

3- هذا التوجه وهو مصادرة إرادة الشعب أو تقييدها والتحكم فيها من خلال طيف سياسي له ايديولوجيا تتعارض مع هوية الغالبية العظمى من الشعب هو تصرف غير مسئول لأنه يؤدي إلى إثارة القلائل وتعريض السلم الاجتماعي للخطر، والبلد الآن في أمس الحاجة للاستقرار ودفع عجلة الانتاج لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وهذا التصرف على النقيض من ذلك كله فلا يمكن تصور صدوره من شخصية تضع في أولويات مهامها مصالح البلد وأهلها.

4- ينبغي على الممسكين بزمام الأمور أن يعلموا ويتأكدوا أن الشعب قد خرج من القمقم وأنه غير مستعد أن يفرط في حريته ويعود للقمقم مرة أخرى بعد إذ نجاه الله منه مهما كلفه ذلك، وإن الشعب الذي تمكن بفضل الله من إسقاط نظام من أعتى الأنظمة في العالم العربي في مدة 18 يوماً حتى انهارت كل مؤسساته ولم يبق أمامه إلا الرحيل قادر على أن يكرر الشيء نفسه، بل إن الأمر الآن أيسر بكثير من قبل، وعلى الممسكين بالأمور أن يأخذوا العظة مما سبقهم والعهد قريب لم ينس أحد بعدُ ماذا حدث، والسعيد من وعظ بغيره.

وكلمة أوجهها لمن قدر الله لهم أن يكونوا في موقع المسئولية: اعلموا أن من سبقكم كان أقوى منكم بمراحل وقوتكم لا تبلغ عشر قوته ومع ذلك صار له ما صار، ثم إنكم في أخريات أيامكم فالحياة بالنسبة لكم تدبر لا تقبل فأروا الله من أنفسكم صدقاً معه وغيرة على دينه وحافظوا على الأمانة التي وضعها الشعب بين أيديكم حتى تسلموها لمن يختارهم الشعب كاملة غير منقوصة فإن استقمتم فلكم وإن اعوججتم فلا تقع اللائمة إلا على من اعوج والله تعالى ناصر دينه بكم أو بغيركم فكونوا أنتم من يحفظ الله بهم لهذه الأمة دينها ودنياها تفوزوا وتغنموا {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}