إن القرآن الكريم نزل مُنَجَّماً في ثلاث وعشرين سنة، وذلك بحسب الحاجة؛ ليكون ذلك أدعى للقبول، وأبلغ في الحجة.ولو نزل جملةً واحدة غير مُنَجَّم لما تأتَّى أن يُفحمهم بالدليل في تحديهم بـأقصر سورة منه. ولكن الآية أو الآيات كانت تنزل في وقت، وكان يفصل بين التنزيل والآخر زمن يكفي لأن تتهيأ نفوسهم لمعارضته، أو الإتيان بمثله، ولكنهم كانوا يعجزون رغم الفرصة الكافية التي كانت تسنح لهم، وهذا من أعظم الأدلة على إعجازه.

كما أنه من حِكَمِه أيضاً - وهو ينزل مفرَّقاً - إقناع العرب وتصريف أنفسهم بأوامره ونواهيه حسب الأحداث والوقائع.

ومن حِكَمِه أيضاً: أن يحفظه النبي ويعيه، ويثبت به فؤاده[1]. قال - تعالى -: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32]؛ لأن القرآن هدى للناس وتبيان للأحكام التي بها صلاحهم في عاجلهم وآجلهم، ومعاشهم ومعادهم. ولما لم يكن لنفوس الناس اعتياد بذلك لزم أن يُهيَّأ المخاطَبون بتلك الأحكام لتلقِّيها.ويُعرَف تهيُّؤهم بإظهارهم استعداد النفوس بالتخلِّي عن كل ما من شأنه أن يعوق عن الانتفاع بهذه التعاليم النافعة، وذلك بأن يجردوا أنفسهم عن العناد والمكابرة؛ فلا مناصَ لها قبل استقبال تلك الحكمة والنظر من الاتِّسام بميسم الفضيلة، والتخلية عن السفاسف الرذيلة[2].

ومن اللازم لمن يريد فهم هذا الكتاب أن يتأمل فيما وراء ظواهر النص من معان، وما يهدف إليه من مقاصد.

فمن المؤكد أن الله - عز وجل - لم يخلق شيئاً باطلاً أو اعتباطاً، فكل أحكامه - سبحانه - منوطة بالحكمة، فهو حكيم فيما خلق، وحكيم فيما شرع، ولا غَرْوَ فإن من أسمائه «الحكيم».

وهذه الحِكَم تتجلَّى في صورتين معروفتين، هما: جَلْب المصالح؛ وذلك عن طريق الأوامر. ودَرْء المفاسد؛ وذلك عن طريق النواهي.

هذا بصفة إجمالية، أما في التفاصيل والجزئيات فالنصوص الشرعية بين ثناياهــا مــا هــو ظاهــر المعنــى وما هو خفي، ولهذا فإننا نجد القرآن حافـلاً بتعليــلات أحكــام الله - عز وجل - بما ينشرح له الصدر، ويطمئن له القلب والعقل.

وقد تخفى بعض حِكَمه على بعض الناس، مثل ما تظهر أخرى لآخرين، ولكن عدم العلم لا يستلزم العلم بالعدم، وشأن المؤمنين من أهل العلم أن يقولوا بعد التفكر والتدبر: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: ١٩١].

وشأن أهل العلم أن يبحثوا عن مقاصد الشريعة من خلال النصوص، بعد أن يتجولوا في آفاقها، ويغوصوا في أعماقها، ويربطوا جزئياتها بكلياتها، ويردوا فروعها إلى أصولها، ويشدوا أحكامها بعضها ببعض، بحيث تتسق وتنتظم انتظام الحبات في رابط عقدها[3].

وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد جاء القرآن الكريم لإصلاح حياة الناس الفردية والجماعية والعمرانية.

فالصلاح الفردي يعتمد تهذيب النفس وتزكيتها، ورأس الأمر فيه صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلُّق بترك الحسد والحقد والكبر...

وأما الصلاح الجماعي فيحصل أولاً من الصلاح الفردي؛ إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه، وكل شيء زائد على ذلك مما يؤول إليه؛ كضبط تصرفات الناس على وجه يعصمهم من مزاحمة الشهوات ومواثبة القوى النفسانية، وهذا هو علم المعاملات.

 وأما الصلاح العمراني فهو أوسع من ذلك؛ إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي وضبط تصرفات الجماعات والأقاليم بعضها مع بعض على وجه يحفظ مصالح الجميع، ومراعاة المصالح الكلية الدينية، وحفظ المصالح الجامعة، عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع.

فمراد الله من كتابه هو بيان تصاريف ما يرجع إلى حفظ مقاصد الدين، وقد أودع ذلك في ألفاظ القرآن التي خاطبنا بها خطاباً بيــناً، وتعبَّــدنا بمعرفة مراده والاطلاع عليه، فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29].

ومن هذا المنطلق قال العلماء: إنه يمكن الاطلاع على مراد الله، والقصد هو الإمكان الوقوعي لا العقلي، فلا مانع من التكليف باستقصاء البحث عنه بحسب الطاقة ومبلغ العلم مع تعذر الاطلاع على تمامه[4].

ومعرفة مراد أحكامه يبعث على الإقبال والامتثال بهمة ونشاط، غير أن بعض العلل قد تخفى فتحتاج إلى دراسة متأنية ونظرة شاملة مستوعبة، وخاصة إذا علمنا أن القرآن قد سلك في تعليله للأحكام مناهج متعددة، فهو مرة يذكر وضعاً مرتباً عليه حكماً. فيفهم السامع أن هذا الحكم يدور مع هذا الوصف كما في قوله - تعالى -: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْـمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢]؛ فإذا تحققت جريمة الزنى تعيَّن العقاب.

ومرة يعلق الحكم على سبب كقوله - تعالى -: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. فالآية صرحت بسبب الحكم، وسمَّته جزاء لكونه ترتَّب على عمل.

 وأحياناً يذكر مع الحكم سبباً مقروناً بحرف السببية، كقوله - تعالى -: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]. فإن الآية صرحت بسبب العقوبة، وما يترتب عنها من حفظ الدماء، ورد الاعتداء، وهذا مقصد شرعي[5].

يقول ابن القيم: «يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة، والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية؛ ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت، واحتضانها لأحكامها وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها، ويوجب تخلف أثرها عنها»[6].

وأضاف مبيناً بعض الأدوات التي استعملها القرآن في مجال التعليل قائلاً: «قد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، وبمجموعها تارة، وبكي تارة، ومن أجل تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة، وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له تارة، وبلمَّا تارة، وبأنَّ المشددة تارة، وبلعلَّ تارة، وبالمفعول له تارة.....»[7].

وبعد أن ذكر هذه الأدوات التعليلية أعقبها بمجموعة من الأمثلة للذي ذكره. والأمر نفسه يؤكد عليه الإمام الشوكاني بقوله: «واعلم أن التعليل قد يكون مستفاداً من حرف من حروفه، وهي: كي، واللام، وإذن، ومن، والباء، والفاء، وإن... ونحو ذلك. وقد يكون مستفاداً من اسم من أسمائه وهي العلة كذا، بسبب كذا، لمؤثر كذا، لموجب كذا بكذا... ونحو ذلك. وقد يكون مستفاداً من فعل من الأفعال الدالة على ذلك؛ كقوله: عللت بكذا، وشبهت كذا بكذا... ونحو ذلك. وقد يكون مستفاداً من السياق فإنه قد يدل على العلة كما يدل على غيرها»[8].

وقد سلك المفسرون في هذا المجال ثلاثة مسالك، وهي:

المسلك الأول: الاقتصار على الظاهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه.

المسلك الثاني: استنباط معانٍ من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال، ولا مقصد القرآن، وتلك هي مستتبعات التراكيب وهي من خصائص اللغة العربية المبحوثة في علم البلاغة.

وفي هذا المضمار فرَّع العلماء، وفصَّلوا في الأحكام، وخصوها بالتآليف الواسعة، وكذلك تفاريع الأخلاق والآداب التي أكثر منها الغزالي في كتابه (الإحياء)، فلا يلام المفسر إذا أتى بشيء من تفاريع العلوم مما له خدمة للمقاصد القرآنية.

المسلك الثالث: الاستعانة بمسائل علمية من علوم لها مناسبة بمقصد الآية، وذلك مثل قوله - تعالى -: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} [ق: ٦].

فإن القصد منه الاعتبار بالحالة المشاهدة، فلو زاد المفسر فضل تلك الحالة وبين أسرارها وعللها بما هو مبين في علم الهيئة؛ كان قد زاد المقصد خدمة[9].

وإذا كان بعض العلماء قد استشكل أن تكون أحكام الله معللة بعلة؛ فإن جمهور العلماء يرون غير هذا، ويذهبون إلى أن الله لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة[10].

ومن الكلمات البليغة والمعبرة بقوة عن هذه الحقيقة ما قدم به الإمام ابن القيم، الفصل الممتع الذي عقده في «إعلام الموقعين» في تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأحوال والنيات والعوائد. قال – رحمه الله -: «هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخِلت فيها بالتأويل[11].

ونصَّ الآمدي على أنه لا يجوز القول بوجود حُكْم إلا لعلة: «إذ هو خلاف إجماع الفقهاء على أن الحكم لا يخلو من علة»[12]. وقال ابن الحاجب: «... فإن الأحكام شرعت لمصالح العباد بدليل إجماع الأمة»[13]. وقال ابن القيم: «... والقرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  مملوءان من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها ولكن يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة»[14]. ثم نبَّه إلى عدد كثير من صيغ التعليل المستعملة في القرآن كما سبق أن ذكرنا آنفاً.

وهذا ما يؤكد عليه الإمام العز بن عبد السلام بقوله موضحاً أن الشريعة كلها معللة بجَلْب المصالح ودَرْء المفاسد؛ سواء كان منها ما وقع النص على تعليله أو ما لم ينص عليه؛ فما نص على تعليله فيه تنبيه على ما لم ينص عليه. يقول: «والشريعة كلها مصالح؛ إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح؛ فإذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104]  فتأمَّل وصيته بعد ندائه فلا تجد إلا خيراً يحــثّك علــيه أو شراً يزجرك عنه، أو جمعاً بين الحث والزجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثاً على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثاً على إتيان المصالح»[15].

ويؤكد في موضع آخر أكثر وضوحاً فيقول: «التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، والله غني عن عبادة الكل، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين...»[16].

وقال شيخ المقاصد الشاطبي: «إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً»[17].

وقال: «إذاً؛ ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختلُّ لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحســب الجزء، وســواء فــي ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات»[18]. وقد كرر هذا المعنى في كتابيه (الموافقات) و (الاعتصام) كثيراً.

وقد انتقد الإمام الشاه ولي الله الدهلوي منكري التعليل، قائلاً: «وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير...»[19].

ومن هنا فإن كل حكم شرعي لا بد من أن يكون وراءه تحقيق مصلحة؛ ضرورية أو حاجية أو تحسينية، وَفْق تقسيم الأصوليين لمراتب المصالح، وقد يكون تحقيق المصلحة في صورة سلبية بمعنى دَرْء المفسدة[20].

ولعل هذا ما دفع ببعض العلماء إلى القول: إن كل تشريع يصفه البشر اعتماداً على أفهامهم وإدراكهم من غير أن يراعوا فيه أصول الشريعة الإسلامية ومقاصدها فهو تشريع ضــال وباطــل، لا يجــوز الإفتــاء به، ولا العمل بمقتضــاه، ولا الحكم به؛ لأنه حكم بغير ما أنزل الله[21].

والمتتبع لنصوص الكتاب يجدها تحتوي على مقاصد شرعية كثيرة، ومن الأدلة على ذلك:

أولاً: أن الله - سبحانه وتعالى - أخبر في كتابه في أكثر من موضع أنه حكيم، وذلك يقتضي أن تكون أحكامه – سبحانه – مشروعة لمقاصد؛ إذ «الحكيم» هو الذي يضع الشيء في موضعه اللائق به، كما توحي بذلك دلالة اللفظ.

ثانياً: أن الله - سبحانه - أخبر عن نفسه بأنه أرحم الراحمين.

{رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109].

{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..} [الأعراف: 156].

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

ثالثاً: إخباره - سبحانه - أنه فعل كذا لكذا، أو من أجل كذا، أو بأي مسلك من مسالك العلة المعروفة، وذلك في آيات كثيرة، وهي عمدة مقاصد الشريعة العامة والخاصة.

ومن ذلك: قوله - تعالى -: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا..} [البقرة: 143].

{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

{رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].

{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: ٦].

رابعاً: إخباره - تعالى - عن أهمية كتابه وعظيم فائدته ومقصد إنزاله، وأن القرآن أصل الشريعة وأساسها، قـال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّـمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].

{إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْـمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِـحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: ٩]. فهذا تنبيه على مقصد من مقاصد القرآن وهو «العدل»، وبه يتحقق مصالح كثيرة، ودرء مفاسد خطيرة.

خامساً: أنه ورد في النصوص القرآنية بيان بعض المقاصد الشرعية؛ كقوله - تعالى -: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. وغيرها من الآيات التي تبين لنا على وجه الإجمال المصالح والمقاصد التي يشمل عليها القرآن وبه تتحقق السعادة في الدارين[22].

وهكذا نخلص إلى أن مسألة التعليل ذات صلة وثيقة بالمنهج العقلي في فهم الدين.

فإذا كان الشارع قد حدد العلة وحصرها، كما هو الشأن بالنسبة للمعاملات؛ فإن لنا أن نقول: إنها الحكمة من القاعدة التي شرعت، وما دام الشارع هو الذي حددها وحصرها؛ فإن الحُكْم يدور معها وجوداً وعدماً، أما إذا كان الشارع قد ذكر علة دون أن يذكرها على سبيل الحصر؛ فإنه ليس لنا أن نقوم نحن بالتحديد والحصر، وإنما موقف الباحث هو أن يؤمن بالحكمة التي ذكرها الشارع، مع إيمانه بأنه يجوز أن تكون هناك حكمة أخرى.

أما إذا لم يذكر الشارع حكمة من الحكم؛ فإن لنا أن نلتمس إذا شئنا حكمة، ولكن يجب علينا أن لا نزعم أنها الحكمة الحقيقية التي أرادها الشارع، ويجب أن لا نزعم أنها الحكمة الوحيدة.

وكل ذلك من أجل أن العقل البشري لا يحيط بالأسرار الإلهية، وأن حكمة الشارع في أحكامه أسمى من أن يحيط بها البشر إحاطة تامة[23].

والله - تعالى - أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


 


[1]  - روح الدين الإسلامي، عرض وتحليل لأصول الإسلام وآدابه وأحكامه، تحت ضوء العلم والفلسفة، تأليف: عفيف عبد الفتاح طبارة، ص 24 –27.

-  الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، للقاضي أبي بكر ابن العربي المعافري:ـ 1/92، ت د. عبد الكريم العلوي المدغري، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، 1408هـ/1988م.

[2]  التحرير والتنوير، لابن عاشور: 1/153.

[3]  المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسنة، ضوابط ومحاذير في الفهم والتفسير، د. يوسف القرضاوي، ص 229.

[4]  التحرير والتنوير، لابن عاشور: 1 / 38.

[5]  إعلام الموقعين: 1/196.

[6]  المقاصد عند أبي بن العربي عبد العظيم مجيب، ص 226.

[7]  إعلام الموقعين: 1/196.

[8]  إرشاد الفحول، للشوكاني، ص 211.

[9]  التحرير والتنوير، لابن عاشور:  1/41 – 43. وعلم  الهيئة هو علم الفلك.

[10] التشريع الإسلامي، د. عمر الجيدي، ص 247 – 249.

[11] إعلام الموقعين، لابن القيم: 3 / 14 – 15.

[12] الأحكام: 3 / 380.

[13] منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ص 184.

[14] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والارادة: 2 / 408.

[15] قواعد الأحكام: 1 / 11.

[16] قواعد الأحكام: 2 / 73.

[17] الموافقات: 2 / 6.

[18] المصدر السابق: 2 / 37.

[19] مقدمة حجة الله البالغة: 1 / 9.

[20] المرجعية العليا في الإسلام، د. القرضاوي، ص 235.

[21] العرف والعمل في المذهب المالكي، ومفهومهما لدى علماء المغرب، عمر بن عبد الكريم الجيدي، ص 409.

[22] انظر: الكتب التالية: التشريع الإسلامي، د. عمر الجيدي، ص 247، 249. وكتاب مقاصد الشريعة وعلاقتها بالأدلة، د. اليوبي، ص 106 – 112. وكتاب التعليل في القرآن، د. سالم ص 380. مقالات في التفكير المقاصدي، عمر عبيد، ص 13. خصائص الشريعة الإسلامية، عمر الأشقر، ص 70. المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، د. يوسف حامد العالم، ص 86 – 87.

[23] العبادة، أحكام وأسرار، الشيخ عبد الحليم محمود: 1/ 24.