مجلة البيان - حرية التعبير في الإسلام حقيقتها وضوابطها

حرية التعبير في الإسلام  حقيقتها وضوابطها
حرية التعبير في الإسلام حقيقتها وضوابطها

 

مقدمة:

إن التحدث عن الحرية وبخاصة حرية التعبير والفكر والبيان قديم وجديد، فلقد شغل الفلاسفة والحكماء والعلماء والكتاب والصحفيون المتنورون من عامة الشعوب بهذا الموضوع، لأن الدعوة إلى الحرية شيء جذاب، وتستقطب أنظار العالم على مختلف المستويات والمتحدثون عن الحرية يترددون بين الحماسة في إطلاق الحرية الفكرية وغيرها، وبين التعقل وضبط مفهوم هذه الحرية وتقييدها لاعتبارات عامة تستدعي ضرورة تفعيلها في حدود المعقول وإفساح المجال لها لدى الآخرين حيث أن الحرية تنتهي عند بدء حرية الغير، أو لاعتبارات خاصة تتطلب ضبطها بقواعد النظام العام والآداب المرعية والقيم الدينية ومتطلبات  الرسالات الإلهية.

وازدادت الحاجة إلى تبيان أفق الحرية في عصرنا الحاضر على الرغم من تطور العقل البشري، واتساع آفاق العلوم، ووجود الأنظمة المقررة لصالح الأفراد والشعوب أنفسهم في النطاق المحلي لكل دولة على حدة، وبسبب مصادرة الحرية في بعض الدول أو إساءة استعمالها لدى بعض الناس.

فلقد أساء بعض الأفراد فهم الحرية، وسلكوا مسالك وعرة، وحينما توهموا أن الحرية ولاسيما الحرية الفكرية تقتضي العمل المتحرك أو التفكير من غير ضوابط ولا قيود، فصدموا المشاعر الإنسانية، وهزوا معايير القيم العليا، وعاثوا في الأرض فسادا زاعمين أنهم مصلحون أو مجددون، وهم مخطئون، ويشملهم النص القرآني الكريم: }قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا{ [الكهف: 103 - 104].

أمام هذا الجدل القديم والحديث وأمام ظاهرة الشذوذ الفكري في فهم الحرية، ومنها بالذات الحرية الفكرية، لا بد من تصحيح مسار الفكر الإنساني المتورط في الخطأ الفكري أو السلوك العملي حول تصور مفهوم الحرية، ولعل هذا البحث ينير الطريق في مخيلة أنصار الحرية والاستظلال في مظلتها، من غير ترو، ولا حكمة ولا تعقل ولا وعي لمخاطر الزيغ عن حقيقة مفهوم الحرية أو الإخلال بحقوق الإنسان، ومن أهمها حق الحرية.

وهذا يقتضي بحث ما يأتي:

- مفهوم الحرية.

- مدلول حرية الفكر (أو التعبير).

- الحرية الفكرية أو حرية التعبيروغيرها من الحريات.

- أفق الحرية الفكرية أو حرية التعبير وضوابط استعمالها في معيار الإسلام.

- الحرية في مفهوم الأديان والحضارات.

- حرية الاعتقاد (أو المعتقد).

- حرية التجنس والإقامة.

أولاً : مفهوم الحرية

1- المعنى اللغوي للحرية:

 جاء في مختار الصحاح: الحر ضد العبد، وحر الوجه: ما بدى من الوجنة، والحرة الكريمة، والحرير: نوع من الثياب، وحر الرجل يحر حرية من حرية الأصل، وتحرير الكتاب وغيره تقويمه، وتحرير الرقبة عتقها، وتحرير الولد: أن تفرده لطاعة الله وخدمة المسجد، أقول ومن هذا المعنى جاء في القرآن الكريم على لسان امرأة عمران أم مريم عليهما السلام: }رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم{ [آل عمران، الآية 35].

وفي القاموس إضافة لما سبق من معان: "حري: خيار كل شيء والحرية: الفعل الحسن، حرة السحاب: الكثيرة المطر والأرض اللينة الرملية، ومن العرب أشرافهم"

ونستخلص من هذه المعاني أن الحرية في أصل اللغة تعني: الانطلاق، والشرف، والكرامة، والاستقامة، وفعل الخير، والعطاء الكثير، والمرونة، والخدمة النبيلة.(1)

2- المعنى الشائع للحرية:

من خلال المعاني المذكورة نفهم ماذا تعني الحرية حين تطلق على الألسنة في كل ميدان في هذه الأيام ونقول: هي أن للإنسان أن يختار ما يشاء من سلوك في قول أو فعل أو اعتقاد، دون أن يرهب أحد من الخلق، أو يتأثر بضغط أو يمارس عليه إكراه طالما أن تصرفه ضمن قواعد وضوابط تحقق النبل والارتقاء، وتعود بالنفع على الفرد والمجتمعات.

3- الحرية في المفهوم الإسلامي:

هي ما يميز الإنسان عن غيره، ويتمكن بها من ممارسة أفعاله وتصرفاته بإرادة واختيار، من غير قسر ولا إكراه، ولكن ضمن حدود معينة، أهمها تحقيق الصالح العام، وتجنب الإفساد، وإضرار الآخرين.

4- المفهوم القانوني للحرية:

الحرية كما حددتها المادة الرابعة من إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر سنة 1789م، هي قدرة الإنسان على إتيان كل عمل لا يضر الآخرين.

وكلا المفهومين الوضعي والإسلامي يقرران أن الحرية ليست مطلقة بلا حـدود ولا قيود وإنما هي مقيدة بعدم إضرار الآخرين، بل إن المفهوم الإسلامي يزيد عن ذلك وهو ضرورة إعمال الحرية فيما ينفع الإنسان ذاته باعتدال، وينفع غيره من الأمة فيما يعود عليها بالخير والمصلحة، ويرشدها إلى اختيار الطريق الأقوم أو الأرشد في مستقبل الأيام، فالقيد المتفق عليه سلبي، والقيد الذي يضيفه الإسلام إيجابي أيضا .

وحينئذ، لابد من إيراد قيود واستثناءات بقصد تنظيم الحرية نفسها، وهذا التنظيم قد يتخذ صبغة وقائية ، كاستئذان الدولة في استعمال الحرية، وقد يأخذ صورة علاجية أو جزائية، بفرض عقوبات وجزاءات مدنية أو جنائية على الإسراف في ممارسة الحريات الشخصية أو الفردية إسرافا يترتب عليه إضرار بالآخرين.(2)

وكذلك للحرية في الإسلام معنى اجتماعي يقتضي قيدين هما:(3)

الأول: قيد داخلي ينبعث من صميم النفس، يتطلب إخضاع النفس والسلوك لحكم العقل والضمير، وتقييد حرية الإنسان في إتباع الأهواء والشهوات، ومن أبرز مظاهر هذا القيد الحياء، فإنه شعبة من الإيمان.

الثاني: قيد خارجي عن النفس ينظمه القانون، بسبب ضعف القيود النفسية الداخلية، وهو في الواقع حماية للحرية، لا تقييد لها.

وفي الجملة: الحرية ليست مطلقة، من حيث الزمان والمكان، وإنما هي مقيدة بمقتضيات الحياة السوية والموزعة حقوقها على الجميع، وهذه المقتضيات في المفهوم الإسلامي خمسة: المساواة، والفضيلة، والعدل، والحق، والخير والإيثار، والابتعاد عن الضرر والإضرار.

ثانياً : مدلول حرية الفكر والبيان (أو التعبير):

الحرية ولاسيما حرية الفكر والبيان أحد حقوق الإنسان الكبرى، والتي هي معبرة عن تطلعات الفطر الإنسانية، وضرورات العيش المشترك في مجتمع أو جماعة.

وحرية الفكر والبيان أحد أو أهم أنواع الحرية، ومعناها إفساح المجال لكل إنسان في أن يفكر أو يتأمل بمقتضى محاكمته العقلية لاختيار منهج أو سلوك له في حياته، ثم يعبر عن وجهة نظره بمختلف وسائل التعبير الشفهية أو الكتابية، سواء في القضايا الخاصة أو العامة، الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية، من أجل تحقيق النفع أو الخير للأمة.

ولقد دعا الإسلام في مصدريه الأساسين (القرآن والسنة) إلى استعمال الفكر والعقل في جميع أمور الدنيا والدين، للتحرر من ربقة التقليد الأعمى للآباء والأجداد في بناء العقيدة، والاهتداء على الحق الذي لا يقبل الله سواه، واثبات استقلال الذات أو الشخصية، ولتحمل مسؤولية الإنسان قراره في اختيار الطريق السوي أو المعوج، ومن أجل بناء الحياة الإنسانية وتقدمها، وعمران الكون، وبقاء النوع البشري القوي، وذلك في نصوص قرآنية كثيرة تدعو إلى إعمال الفكر والعقل وتفعيل دور العلم في نواحي الكون، وقد تستعمل في القرآن بدلا من لفظ الحضارة تعابير القلب، والبصيرة، والبصر، والسمع، والفؤاد ونحوها من مفاتيح المعرفة، مثل قول الله تعالى: }إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب{ [آل عمران، الآية 190]. وقوله سبحانه وتعالى: }أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور{ [الحج، الآية 46].

وإعمال الفكر والعقل ظاهرة شائعة في نهايات كثيرة من آي القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: }كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون{ [يونس، الآية 24]. وقوله عز وجل: }كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون{ [الروم، الآية 28]، }إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون{ [النحل، الآية 67].

وأكدت السنة النبوية قولا وفعلا على ترجمة هذه الظاهرة إلى واقع عملي في أحاديث كثيرة منها: "لا تكونوا إمعة(4) تقولون: أن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا"(5)

ومنها: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا"(6)، أي تردعونه وتحملونه على الحق وترك الباطل.

ودعا الإسلام أيضا إلى حرية التعبير عن الرأي، ابتداء أو نقدا بناء، سواء في مجال تلمس الخير والمصلحة والصواب في قضايا الدين، أو من اجل رعاية مصالح المسلمين عامة.

ومارس المسلمون الحق في البيان وإبداء الرأي بالقول أو الكتابة أو بغيرهم سواء في العهد النبوي، أو أثناء الخلافة الراشدة، أو في عصر التابعين وفي ممارسة أئمة الاجتهاد لاجتهادهم في العصور المتلاحقة حتى في عصرنا الحاضر، دون أن يخافوا من الله لومة لائم، لتأييد الحق أو الدلالة عليه، أو التحذير من مغبة أو مخاطر الرأي الخطأ، أو الإرشاد إلى ما هو مصلحة، وتجنب ما هو مفسدة أو مضرة، وأسلوب التعبير عن الرأي مكفول في الإسلام، سواء بالقول أو بالكتابة والنشر، أو بالرسم أو التسجيل أو التظاهر أو التمثيل المباح.

ولم يمنع الإسلام من وجود ظاهرة المعارضة أو الخلاف في الرأي بنحو فردي أو جماعي (حربي مثلا) فهي حق طبيعي، من أجل تبين وجه السداد أو الصواب، وتحقيق مصلحة الأمة وموازنة الأمور وتقييم المواقف والآراء، اندفاعا من واجب الإخلاص، والعمل بمقتضى شرع الله تعالى، لا انتصارا للحظوظ النفسية والأهواء والشهوات، فالمعارضة في الإسلام هي معارضة مواقف، لا معارضة مبادئ تشد عن الخط الإلهي العام الذي يراد به ضمان المصالح ودرء المفاسد.

ثالثاً : الحرية الفكرية أو حرية التعبير وغيرها من الحريات:

الحرية الفكرية أعم واشمل من الحرية الدينية، فهي ثلاثة أنواع: الحرية العلمية، والحرية السياسية، والحرية الدينية(7).

أما الحرية العلمية:

فهي إطلاق سلطان العلم، أو هي منح الحق لكل إنسان في تقرير ما يراه بصدد الظواهر الفلكية والطبيعية، وكل ما يتعلق بشؤون الجماد والنبات والإنسان والحيوان.

وهذه الحرية مكفولة في الإسلام، ولاسيما العلم التجريبي، قال الله تعالى: }أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت{ [الغاشية، من الآية 17 - 20].

ومما لا شك فيه أن ممارسة هذه الحرية المعتمدة في سلطتها على العقل ضرورية لأي تقدم وتطور أو ابتكار وإبداع، ونحن بأشد الحاجة إليها.

وينبغي ملاحظة أن العلم (أو النظريات العلمية) لا يمكن بأي حال من الأحوال إذا صحت مقتضياته ودوافعه وأساليبه وغاياته، لا يمكن أن يتعارض مع الدين، فالدين شيء قطعي، وإذا كان العلم قطعيا فلا يتعارض مع أي قطعي آخر، وبغير التحرر العلمي تتعطل شؤون الحياة، وتقف عجلة التقدم، وحركة الإبداع.

وأما الحرية السياسية:

فهي حق الإنسان في المشاركة في شؤون تدبير قضايا الحكم وإدارة البلاد، وتسيير مصالح الدولة والأمة، والإسلام يقر أيضا بهذه الحرية ويجعل للإنسان الحق الكامل في ممارستها، منعا من استبداد الحاكم، وإبعادا لكل مظاهر الظلم والطغيان، وحفاظا لكيان الدولة نفسها وضمان لمصلحة الأمة، حتى ولو كان في إبداء الرأي مساس بشخص الحاكم وتوجيهاته.

وأما الحرية الدينية:

فهي حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، ولقد قامت دعوة الإسلام على احترام هذه الحرية وصونها قولا وعملا، فكرا وممارسة، مدنيا في المعاملات، وقضائيا في مظلة المحاكم، حيث تحميها سلطة الدولة وتمنع أي واحد من تجاوزها، وليس لأي إنسان حاكم أو رعية استخدام القوة أو الإكراه في فرض العقيدة على أحد.

كل ما في الأمر أنه لا مانع من الحوار أو النقاش أو الدعوى إلى الدين الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، كما أن هذه الحرية مسؤولية، حيث يسأل كل إنسان أمام ربه عن نتيجة ممارسته، فإن أصاب الاعتقاد الصحيح نجا وإن تعثر وزاغ أو انحرف، وجب عليه تغيير معلوماته ومعارفه واستعمال وسائل معرفة جديدة لتبين وجه الحق والصواب فإن أصر على الخطأ وتأثر بعوامل البيئة وتقليد الآباء والأسلاف، كان مسؤولا عن خطئه.

وحينئذ ينبغي عدم الخلط بين ممارسة حرية الإنسان، وبين سلامة النتيجة التي يتخذها، فلا تلازم بين الأمرين، على عكس ما يتصوره السذج والبسطاء، لأن معيار الحكم على قرار الحر هو في مدى إصابته للحق وعدم الإصابة وإذا لم يتوافر الوصول إلى الحق كان هناك نقص أو خطأ في المقدمات أو الأساليب أو المعارف أو إهمال لبعض المعارف الضرورية المتوافرة، والتي ينبغي على العقلاء الاهتداء بها وهي معايير الهداية الإلهية ومناهج الأنبياء والرسل الكرام، الذين يعانون أصحاب العقول في التوصل إلى الصواب والنجاة وسلامة المصير، وذلك عون على ترشيد العقل أو الفكر.  

لذا نعى الإنسان على المقلدين تقليدا أميا للآباء والأجداد وأصحاب السلطة والنفوذ، فقال الله تعالى عن عبدة الأوثان }بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون{ [الزخرف، الآية 22 - 24].