من التقرير الإستراتيجي العاشر

تواجه الحكومة اليمنية الإنتقالية منذ توقيع المبادرة الانتقالية في نوفمبر 2011م عقبات جمة وصعوبات كبيرة رغم الدعم الإقليمي والأمم لهذه المبادرة.

وبالرغم من الحراك الثوري الشبابي الكبير الداعم لحالة إستقرار البلاد، إلا أن بعض القوى التي خسرت مكاسب كبيرة من تطبيق المبادرة، لا تريد أن يستقر الوضع للحكومة الإنتقالية، ومن هذه الأطراف الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، والحراك الجنوبي المسلح، وكذلك جماعة الحوثي التي تحاول جاهدة إضعاف الحكومة بنشاطها المسلح الذي يستهدف توسيع سيطرتها على المزيد من الأراضي. بالإضافة إلى بعض الزعمات القبلية التي تحرك من قبل أطراف لها مصلحة في استمرار حالة الفوضى الأمنية في البلاد.

بالرغم من وجود دعم خليجي للمبادرة، إلا أن مرور الأيام أظهر أن بعض الأطراف الخليجية ليس لديها جدية في دعم استقرار اليمن، وهذا الأمر تبين مع إلتزامها الصمت ومساندتها لعلي عبد الله صالح الذي لايزال يواصل دعم بعض الموالين له وأقاربه في نشر الفوضى في البلاد. أومن خلال دعمه لحالات التمرد التي تشهدها البلاد ومن بينها تمرد الحوثيين والعمليات التي تستهدف عناصر الأمن وقطع الطرق وتدمير محطات الكهرباء.

ومن أبرز حالات الفوضى الأمنية الظاهرة، عمليات السرقة المقصودة لمستودعات الأسلحة الثقيلة حيث يتم تسليمها للحوثيين وعناصر القاعدة، وغيرها من الجماعات التي ترفض الإستقرار في البلاد.

كان الموقف الإقليمي والدولي سلبي تجاه الثورة اليمنية وأخذ يضغط على القوى المعارضة في اليمن مثل التجمع اليمني للإصلاح والقوى القبلية العسكرية المساندة لها بهدف منع اسقاط النظام بالطريقة التي أسقط فيها الرئيس التونسي، لأن ذلك الأمر إن تحقق سيكون له تبعاته على المنطقة المحيطة بآسرها.

وقد وصف القيادي في اللقاء المشترك سلطان العتواني في أغسطس 2011م، الضغط الذي مارسته جهات إقليمية على الرئيس علي عبدالله صالح لتوقيع المبادرة الخليجية بأنه صوري، وأن الضغط الحقيقي تمت ممارسته على المعارضة فقط.

تم تطويع الحوار اليمني الوطني بين القوى المختلفة بهدف إخراج اليمن بصورة يقبلها المجتمع الدولي وليس أهلها، فقد كانت السفارات الأجنبية وأهمها الأمريكية تقوم بدور الوسيط بين القوى اليمنية المختلفة للوصول إلى توافق حول مخرجات الحوار الوطني، وقد استضافت بعض السفارات الأجنبية قوى يمنية لعقد جلسات حوار سرية بداخلها، وهذا الأمر يؤكد ما تم الحديث عنه سالفا.

المخاطر التي تهدد اليمن:

أولاً: الحوثية

استطاعت جماعة الحوثي السيطرة على أراضي واسعة حتى وصلت إلى مدينة عمران على حدود العاصمة صنعاء، وساعد الرئيس السابق صالح والزعامات القبلية التي يدعمها جماعة الحوثي في الحصول على الأسلحة الثقيلة بغية توسيع نفوذها.كما عمد صالح إلى تسليم مرافق الدولة في بعض المدن خلال ثورة 2011 إلى الزعامات الحوثية، نكاية في القوى الثورية اليمنية.

ففي الوقت الذي يحاول فيه الحوثيين التبشير لنهجهم الفكري في المحافظات الوسطى والشرقية المحسوبة على "الشوافع"، يحاولون جاهدين للتغلغل في الوسط الحزبي والسياسي والإعلامي اليمني بشكل كبير. ويتمتع الحوثيين بدعم إيراني منقطع النظير بهدف تحويلهم كبديل عن النظام السوري في حال سقوطه.

ثانياً: الحراك الجنوبي

يتنوع الحراك الجنوبي وينقسم بين الداخل والخارج وبين ما هوقابل بالحلول الوحدوية وبين من يطالبون بالإنفصال الكلي، فالشارع الجنوبي الذي همش من أي معالجات حكومية أواجتماعية أوإسلامية بات يغلي بشدة في سبيل تحقيق مكاسب خاصة في ظل عملية التغيير التي تشهدها البلاد.

يمثل علي سالم البيض التيار المسلح الذي يطالب بإنفصال الجنوب، ويحال جاهدا استغلال الدعم الإيراني له في تحقيق هذا الحلم الذي فشل في تحقيقه في حركة الإنفصال التي قادها عام 1994م.

ثالثاً: القاعدة

لا تزال القاعدة تراهن على امكانية انجاح مشروعها الخاص الذي ثبت فشله في الكثير من الدول، واستنادا لفكر القاعدة ومنهجيتها وآلتها العسكرية المتبعة فإن الكثير من الخبراء أصبحوا يرون أنها أصبحت في الكثير من أنشطتها أداة من أدوات المخابرات الإقليمية والدولية.

فظهورها المفاجئ في جنوب البلاد بهذه القوة وتسليم مقرات الدولة لها بأسلحتها وعتادها دون مقاومة، خلال الثورة اليمنية عام 2011 يؤكد بدون شك أن هناك تواطؤ من قبل الرئيس السابق علي عبدالله صالح معها. وقد تسببت القاعدة في إضعاف دور الدولة اليمنية حتى أصبحت الطائرات والقوات الأمريكية تصول وتجول في اليمن دون أي إحترام للكيان السياسي للدولة اليمنية.

رابعاً: القبيلة

عمل الرئيس السابق علي عبدالله صالح خلال فترة حكمه على إضعاف الدولة على حساب القبيلة باعتبارها المظلة الحامية للفرد في مواجهة الدولة، وكل ذلك كان بهدف كسب ولاء مشايخ القبائل وربط مصالحهم به.

وقد ظهرت نتائج نجاح صالح في ذلك من خلال إفشال الحكومة الانتقالية، حيث عمد إلى تحريك مواليه من أبناء القبائل لمهاجمة مؤسسات الدولة وتخريب الطرق العامة وتدمير محطات الكهرباء والطاقة، بهدف إفشال الحكومة ونشر حالة الفوضى في البلاد. وبالرغم من أن الحكومة الحالية تتبع سياسة تآلف وتصالح مع القبائل بهدف تحييدها من خلال تقديم مبالغ مالية لزعمائها أوتقديم خدمات، إلا أن هذه السياسة لها نتائج مؤقتة وليس دائمة، ومرتبطة بوجود المصالح فقط.

خلاصة: محليا فإن الوضع مرهون بحالة الجمود السياسي الحالية بسبب عدم وجود خطوات عملية في المرحلة الانتقالية لا سيما عملية إعداد الدستور والمصادقة عليه، وتنظيم انتخابات برلمانية، يمكن تكون خطوة باتجاه الاستقلال السياسي عن المبادرة الخليجية.

وعلى الصعيد الإقليمي تجد اليمن نفسها مرغبة بالوقوف في وجه المشروع الدولي المعادي لإيران، وذلك لأن الأخيرة جعلت من اليمن معسكر آخر تسعى لصناعته بهدف استغلاله لتنفيذ أجندتها الخاصة في المنطقة الخليجية، وهذا الأمر يدفع الدول الخليجية اتباع سياسة حادة تجاه التدخل الإيراني في اليمن ودعم الحكومة اليمنية الحالية بهدف الحد من نفوذه والقضاء عليه.

في نهاية المطاف فإن معد الدراسة يرى أن الحل الأمثل للقضية اليمنية المستغلة من قبل النخب السياسية بشكل سيئ، تتطلب وجود دعم دولي حقيقي لإستقرار اليمن وتخليصها من المأزق الحالي والحد من التدخل في شؤونها الداخلية، بالإضافة إلى وجود مطلب ملح متعلق بالإسلاميين الذين هم نواة المجتمع، إذ يجب عليهم تشكيل جمعية إسلامية وطنية يكون غايتها الرئيسية استقرار البلاد والخروج من المأزق الحالي، والابتعاد عن المناكفات السياسية التي تزيد من حالة الضبابية وعدم الاستقرار.