منذ أن فازت حركة حماس في انتخابات يناير 2006م، والأنظار تلاحقها؛ باعتبارها مؤشر لتصاعد ظاهرة الإسلام السياسية بالمنطقة، ولذلك كان التآمر الغربي والتواطؤ الإقليمي والمناكفة السياسية والأمنية داخلياً، والعدوان الإسرائيلي المستمر، وذلك بهدف اجهاض تجربة الإسلامين في الحكم.. في البداية، اعتقدت حركة حماس أن بإمكانها إدارة شأن الحكم، وتجاوز كل تلك المخططات لإفشال تجربتها السياسية، واعتمدت على نفسها في بناء قوتها الداخلية لحماية مشروعها في الحكم، وتقديم نموذج يعتمد طهارة اليد والمسائلة والتفاني في العمل مع حكومة تشكل - حقيقة - رافعة للمقاومة، ووضع استراتيجية نضالية لتحقيق مشروع التحرير والعودة.

بالطبع، كان هذا التحرك لتعزيز إمكانيات الحكومة وشرعيتها في فضاء السياسة، من خلال السعي لإقامة علاقات إقليمية ودولية يراوح مكانه، حيث إنه لم يسجل أية اختراقات جوهرية، وظلت العلاقة بين الحكومة التي تقودها حركة حماس ومحيطها الإقليمي محصورة في القيام ببعض الزيارات، وكذلك على شكل دعم محدود من عدد من الدول العربية والاسلامية، أما النشاط السياسي والديبلوماسي الرسمي فظل يدار من قبل الرئيس محمود عباس والمؤسسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.. ولذلك؛ كانت مقولة إسماعيل هنية؛ رئيس الوزراء آنذاك، "نحن في الحكومة ولسنا بالحكم".

في الحقيقة، كانت معاول الهدم لتقويض أركان حكومة إسماعيل هنية العاشرة تعمل ليل نهار، حتى وصلنا إلى المواجهات الداخلية في يونيه 2007م، وذلك بعد فشل حكومة الوحدة التي جاءت عقب اتفاق مكة من تحقيق التوافق والاستقرار، وترتب علي تلك المواجهات انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية، ليصبح واقع الحال الفلسطيني هو نشؤ حكومتين بشكل استدعى سخرية القول: "حكومتان لشعب بلا وطن..!".

ومن الجدير ذكره، أن هذا الانقسام أثرَّ بشكل سلبي كبير عن تجربة الإسلاميين في الحكم، وأدى الى تراجع نسبي لتيار الاسلام السياسي، حيث إن عوائد تجربة الحكم في ظل الانقسام عاظمت من حجم المعاناة، وتغييب أفق الرؤية والأمل، وتدني مستويات الحياة المعيشية، وارتفاع نسب البطالة والفقر بين سكان قطاع غزة.

إن الحكومة في قطاع غزة ظلت تشكل الحاضنة الأساس للمقاومة، وتمنحها كل التسهيلات والدعم لتطوير إمكانياتها، وتعزيز قدرتها اللوجستية في الرد العسكري على جيش الاحتلال، في حين عملت إسرائيل على استمرار عملياتها العسكرية لكسر شوكة الحركة، وذلك عبر محاولات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لإسقاط حكم حماس في القطاع. ففي ديسمبر 2008م، كانت أول محاولة عسكرية واسعة النطاق قامت بها إسرائيل للإجهاز على حكم حماس تحت ما يسمى بعملية (الرصاص المصبوب)، والتي أطلقت عليها حركة حماس اسم حرب الفرقان، إلا أن فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف، برغم الدمار الهائل الذى اصاب قطاع غزة على مستوى البشر والحجر والشجر، قد جعل حركة حماس والحكومة في قطاع غزة تستعيد الكثير من رصيدها داخل الشارع الفلسطيني على مستوى الوطن، وان تتعاظم حالة الالتفاف خلف الإسلاميين، وتتعزز الثقة من جديد بقدرات الحركة الإسلامية ومقاومتها الباسلة، خاصة بعد اخفاق السلطة في رام الله من تحقيق أية إنجازات تذكر على طاولة التفاوض مع الاحتلال.

لقد عاش تيار الإسلام السياسي حالة من الانتشاء والألق عقب هذا الصمود الرائع للشعب الفلسطيني في وجه العدوان الإسرائيلي الهمجي، والثبات البطولي لفصائل المقاومة الإسلامية، وأدى ذلك إلى ارتفاع مكانه حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وجدد الثقة بالإسلاميين عموماً، وبإمكانيات الرهان على قدرات الفعل المقاوم بوجه خاص.

ومع بزوغ فجر الربيع العربي مع نهايات عام 2010م، وتمكن القوى الوطنية والإسلامية في العديد من الدول العربية من القيام بتحركات شعبية مطالبته بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية، ونجاحها في تحقيق ذلك، وخاصة في تونس وليبيا ومصر واليمن، ووصول الاسلاميين إلى سدَّة الحكم فيها، الأمر الذي أعطى حركة حماس وحكومتها في غزة طاقة أمل كبيرة، بأن عمقها العربي والإسلامي سيمنحها القوة والدعم المالي، الذى سوف يعينها عن التخلص من الحصار، وتوجيه ضربات موجعة لجيش الاحتلال.

كانت تلك الفترة من سنوات الربيع العربي هي مساحة الفضاء الواسع التي تنفس فيها الإسلاميون في فلسطين الصعداء، حيث انفتحت عليهم أبواب السماء بماءٍ منهمر، فجاء الدعم المالي من أكثر من بلد عربي وإسلامي، وتقاطرت قوافل المتضامنين من كل حدب وصوب، ونجحت المقاومة الإسلامية من توفير الكثير من احتياجاتها التقنية والعسكرية.

ومع موجة تقدم الإسلاميين في العالم العربي، ونجاحات حزب العدالة والتنمية في تركيا، تزايدت اسهم الإسلام السياسي في تصدره لقوائم العمل الحزبي على أرض فلسطين.

حجارة السجيَّل: معركة برسم الإسناد العربي

في وسط هذه الأجواء التي تبعث على التفاؤل والأمل بمسار الربيع العربي، كانت غزة مطمئنة بأنها الآن لا تقف وحدها، بل أن هناك أمة عظيمة يتقدم الإسلام السياسي تيار الحكم فيها.. وفجأة؛ وفي نوفمبر 2012م، قامت إسرائيل بعدوانها الثاني (عملية عمود السحاب) على قطاع غزة خلال حكم حماس، حيث أبلت المقاومة في القطاع بلاءً حسناً، بل انها وجهت صواريخها لأول مرة لتصل الى عمق دولة الاحتلال، بما في ذلك العاصمة تل أبيب وبالقرب من مقر البرلمان الإسرائيلي (الكنيسيت) بالقدس الغربية.

ونظراً لأن الأجواء الإسلامية كانت هي المهيمنة على المنطقة، حيث تحركت الجموع الشعبية مدعومة بالمواقف الرسمية العربية المنددة بالعدوان على قطاع غزة، مما دفع إسرائيل للتعجيل بوقف عدوانها على قطاع غزة، وتم انجاز اتفاق تهدئة بوساطة مصرية اعتبر في حينه انتصاراً للمقاومة ولحكومة حماس؛ لأن الطرف الإسرائيلي لم يحقق شيئاً من أهدافه المعلنة، والتي كان من بينها وقف اطلاق صواريخ المقاومة واسقاط حكم حماس.

ومع معايرة منسوب المكانة لتيار الإسلام السياسي في فلسطين آنذاك، كانت المؤشرات تشير إلى أن المقاومة قد كسبت المعركة، وأن حركة حماس كأبرز جهة تمثيل لتيار الإسلام السياسي ما زالت تتصدر رأس قائمة القوى السياسية والفصائلية داخل الساحة الفلسطينية.

الإسلام السياسي: درس السياسة والميدان

لا شك، بأن حركة حماس باعتبارها تمثل واجهة التيار الإسلامي في فلسطين قد تعلمت من تجربة الحكم الكثير من الدروس والعبر، وفطنت لأهمية العمل مع الآخرين من القوى الوطنية والاسلامية ضمن شراكة سياسية وتوافق وطني، وهذا ما استدعى أن تعلن في أكثر من مناسبة أنها مع هذا التوجه لبناء منظومة حكم قائمة على مشروعة الشراكة السياسية والتوافق الوطني، وقد تجلى ذلك في موقفها بعد تحقيق المصالحة الفلسطينية وتوقيع "اتفاق مخيم الشاطئ" في أبريل 2014م، بتشكيل حكومة التوافق، التي تولى رئاستها د. رامي الحمد الله، والاستعداد لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بعد ستة شهور، وذلك على أسس تحكم أرضيتها المفاهيم التالية: أولاً؛ الشراكة السياسية والتوافق الوطني، ثانياً؛ العمل على توطيد جذور العلاقة مع العمق العربي والإسلامي، ثالثاً؛ تعزيز سياسة الانفتاح على العالم الغربي، بهدف كسب تضامنه وتأييده لقضيتنا الفلسطينية.

العصف المأكول: معركة برسم الصمود ونكهة الانتصار

كان العدوان الأخير على قطاع غزة هو المعركة التي قصمت ظهر الجيش الإسرائيلي، وإفشال لكل نداءات "دعوا الجيش ينتصر"، حيث برهنت المقاومة على صدق مقولة "الضربة التي لا تقتلني تقويني"، لقد تمكنت المقاومة الإسلامية من توجيه صفعة للجيش الذي قيل فيه أنه لا يقهر، وقامت بجدع أنف غروره وصلفه، وتسجيل حالة من الكسب والغلبة في ميدان المواجهات البرية، وإذا أخذنا بشهادة هنري كيسنجر؛ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، القائلة بأن "الجيش القوي إن لم ينتصر فهو مهزوم، والجيش الضعيف إن لم يُهزم فهو منتصر". لقد تحقق رغم حجم الكارثة الإنسانية التي خلفَّها العدوان على قطاع غزة الكثير من القناعة لدى الفلسطينيين بأن هذه المعركة كانت في الحقيقة هي المؤشر على قرب زوال إسرائيل، وأن هذه الطليعة الإسلامية من المقاتلين إنما هي "رأس النفيضة" ورأس الحربة لجيل التحرير، وأن القناعة بالدين وبجيش المرابطين يحتاج إلى حركة إسلامية تحمله وتوجهه، فالتيار الإسلامي سيكتسب الكثير من الأنصار في جولاته السياسية القادمة، وسيظل حضوره في ميدان المواجهة من الاحتلال الغاصب هو شريان العطاء إلى أن يتحقق وعد الله بالنصر والتمكين لأهل فلسطين.

باختصار، إن فشل الرهان على العملية التفاوضية على مدار العقدين السابقين، وثبات الفعل المقاوم وإنجازاته في الميدان، هو الذي أعطى تيار الإسلام السياسي على أرض فلسطين الفرصة لكسب ثقة الشارع، وزيادة تعلقه بالمقاومة والوقوف خلفها.. وإذا ما استمر التراجع على المستوى السياسي وغاب معه أمل الفلسطينيين في تحقيق حلمهم في دولة حرة ومستقلة، فإن توجهات الشارع الفلسطيني ستظل تتحرك باتجاه تيار الإسلام السياسي، والتي تمثل حركة حماس - اليوم - العنوان الأبرز لها، خاصة وأن حركة النهوض العربي قد بعثت بهيبة جديدة للأمة الإسلامية، وذلك مع صعود عوامل الثقة بما يمثله الإسلام من تيارات سياسية واعدة بالمنطقة.