تركستان الشرقية أو اقليم " شينجيانغ" كما يسميه المحتل الصيني، بدأت حكايته بعد استقلاله بخمس سنوات عندما احتلته الصين مع بدأ الثورة الشيوعية فيها، ليس لأنها تريد التوسع في حيزها الجغرافي بل لأن هذه المساحة من الأرض والتي تزيد عن 1.6 مليون كم، تحتوي على ثروات نفطية وخامات معدنية منها اليورانيوم بصورة ضخمة جدا، وكذلك تمثل بوابتها إلى أوروبا. يعيش في تركستان الشرقية أغلبية سكانية مسلمة امتدادها من القبائل التركية المهاجرة على مدار مئات السنين بالإضافة إلى أقليات من المناطق المجاورة من تركستان الغربية التي أصبحت عبارة عن دول مستقلة حاليا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومنها الأوزبك والقرغيز، بالإضافة إلى عرقية الهان الصينية التي أحضرها الحزب الشيوعي ودعمها في إطار حربه الديمغرافية في تركستان الشرقية للتغلب على فكرة الاستقلال والتحرر من التبعية للصين. تشير آخر الإحصائيات الحكومية الصينية إلى أن عدد سكان الإقليم تبلغ 22 مليون نسمة منهم ثمانية ملايين من الأيغور المسلمين، بينما كان عدد الأيغور المسلمين في السابق 15 مليون نسمة لكنه تراجع بسبب الإجراءات الصينية التي رفعت نسبة الهجرة وخفضت نسبة المواليد في أوساطهم من خلال القوانين التي تحضر عليهم إنجاب أكثر من مولود لكل عائلة.

القمع والإضطرابات

حكاية الأيغور لا تختلف كثيرا عن عذابات المسلمين في الفلبين أو ميانمار أو فلسطين، فعدو الإسلام واحد في الشرق والغرب، لكن طرق مواجهته انعدمت في ظل حالة الذل والهوان التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، بالرغم من امتلاك الدول الإسلامية لسلاح فعال يمكن من خلاله الدفاع عن نفوذها ومصالحها، ففي شهر يونيو/2012 صرح نائب وزير الخارجية الصيني جهاي جن أن حجم التجارة بين بلاده والدول المنطوية تحت منظمة التعاون الإسلامي تزيد عن نصف ترليون دولار!! ، وكان يأمل المسؤول الصيني أن تحظى بلاده بصفة مراقب في منظمة التعاون الإسلامي.

منذ عام 1961م أقدمت الصين على إجراء 46 تجربة نووية في موقع "لوبنور" في تركستان الشرقية تسببت في كوارث بيئة لوثت الأرض والنباتات والماء وأدت إلى وفاة مائتي ألف شخص وفقا لدراسات نشرها معارضين من الأيغور، بالإضافة إلى أمراض السرطان التي أصابت عدد كبير من سكان الإقليم.

لم يكن عداء الحزب الشيوعي الصيني الحاكم مع الأيغور كقومية، بل كان حقده أكثر على ديانته الإسلامية، لذلك منع منذ إحتلال الإقليم تعليم القرآن الكريم ومنع إنشاء مدارس إسلامية حتى أصبح المسلمين يعلمون أبنائهم القرآن سرا، وذلك لتجنب عقوبات الحكومة، وفي العام الماضي أدان مؤتمر الايغور العالمي (WUC) قتل الشرطة الصينية صبيا مسلما لم يتجاوز 12 من عمره واسمه ميرزاهد أمان الله خلال احتجازه في قسم الشرطة بمدينة كورلا بتركستان الشرقية بسبب تعلمه القرآن بصورة سرية. إن سجل السلطات الصينية مليء بمثل هذه الحالات، ومثل هذه الحادثة قد وقعت في شهر نوفمبر عام 2011 م عندما احتجز الشرطة الصينية صبيا اسمه مجاهد نور الاسلام.

في شهر مايو الماضي قتل 31 شخصا خلال مواجهات دامية بين السلطات الصينية ومعارضين أيغور يطالبون بانفصال بلادهم، وتوعدت أن تواصل حربها على " الإرهاب". تلك المواجهة كانت امتدادا لمواجهات متعددة في مسيرة تحرر تركستان الشرقية ففي عام 2009 عمت المنطقة مظاهرات سقط خلالها 190 شهيدا بفعل هجوم عنيف شنه الجيش الصيني لقمعها، كما أعلنت في حينه منظمات أيغورية في الخارج عن اختفاء عشرة آلاف شخص لم يعرف مصيرهم حتى الآن.

عززت الحكومة الصينية من وجود أقلية الهان في تركستان الشرقية وأصبحوا يشغلون 90 بالمائة من الوظائف الحكومية للدولة ومنها اللجان الحزبية والهيئات السياسية والإدارية، وحتى لو حصل الأيغور على مناصب فإنه يتم تقويض صلاحياتهم وكل ذلك يأتي ضمن مساعي بكين لكبح تصاعد مطالب الانفصال في المنطقة. وبحسب مؤتمر الأيغور العالمي فإن الصين تقوم سنويا بتوطين 250 ألف من الصينيين في مناطق تركستان ويسمح لهم بإنجاب المزيد من الأطفال، بينما يجبر الأيغور على تحديد النسل لوقف عملية النمو السكاني لديهم.

وجزء من حربها الديمغرافية على السكان في تركستان الشرقية تقوم الصين سنويا باعتقال الآلاف من سكان المنطقة، وبحسب إحصائية لمنظمة العفو الدولية فإن الصين اعتقلت 100 ألف أيغوري في عام 1997 م. ووفقا لنفس المنظمة، عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، قامت السلطات الصينية باعتقال أكثر من ثلاثة آلاف من الأيغور، وبررت عمليتها بالحرب على " الإرهاب". وفي عام 2006 أعتقل 18 ألف أيغوري تحت ذريعة محاربة الانفصاليين والمتطرفين. وفي عام 2009 اعتقلت الصين خمسة آلاف من الأيغور خلال مظاهرات أورومتشي.

داخل السجون الصينية يمارس أنواع مختلفة من التعذيب، ويقول عن ذلك الدكتور مانفريد نوفاك، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، " التعذيب في سجون الصين لا يزال واسع الانتشار، ويستهدف بشكل كبير الأيغور والتبتيين"، ويعلق على زيارة قام بها لبعض مراكز الاعتقال في تركستان الشرقية وبكين، بالقول" على مدى السنوات الماضية استخدمت السلطات الصينية الكثير من طرق التعذيب منها الهراوات والصدمات الكهربائية والسياط، وأغطية الرأس والعينين، والإبر، والزيت الحار لتعذيب السجناء من بين أشكال أخرى مثل الحرمان من النوم وغمر المياه وتشويه جسدي". وتشير مصادر المعارضة الأيغورية أنه منذ عام 2000 قتل ما يقرب من 190 من الأيغور تحت التعذيب في السجون الصينية.

وتشير تقارير لمنظمة العفو الدولية أن عقوبة الإعدام تستخدم على نطاق واسع في تركستان الشرقية وعدد أحكام الإعدام التي صدرت في تركستان الشرقية هو أعلى بكثير مما كانت عليه في بقية الصين. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن العديد من الذين أعدموا كانوا ضحايا عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو القتل المتعمد.

وذكرت المنظمة أنه بعد 11 سبتمبر 2001،أعدم أكثر من 200 أيغوري لأسباب سياسية بينما حكم على 50 من الأيغور بالإعدام بسبب مطالب انفصالية. ومع بداية الاسبوع الجاري أعلنت الصين كذلك عن إعدام ثلاثة أيغوريين على خلفية أعمال " إرهابية".

اتخذت الصين الحرب على "الإرهاب" التي أعلنتها واشنطن لتكون ذريعة لحربها على الإسلام، فقامت بحسب تقارير نشرها "هيومن رايتس ووتش" بفرض قيود على مراكز العبادة والمساجد، كما حضرت على الموظفين في مؤسسات الدولة وعائلاتهم دخول المساجد ومراكز العبادة كما حظرت بناء مساجد ومدارس إسلامية بالإضافة إلى توزيع المصاحف وتعليم الشريعة الإسلامية.

وقامت السلطات الصينية بإجبار الأيغوريين على تعلم اللغة الصينية وأحرقت آلاف الكتب التي طبعت باللغة الأيغورية كما وضعت اللغة الصينية كلغة أصلية في تركستان الشرقية، وكل ذلك في سبيل قطع الطريق على المطالبين بانفصال المنطقة.

يسيطر الهان على اقتصاد المنطقة، بعكس سكانها الأصليين الذين بلغت نسبة الفقر في صفوفهم 80% وذلك بسبب سياسة الدولة التي حرمتهم من الوظائف وأجبرتهم على العمل بأجور زهيدة وبيع محاصيلهم للهان بأسعار رخيصة.

وفقا لتقرير صادر عن "حكومة مقاطعة شينجيانغ" في أكتوبر عام 2004، فإن متوسط ​​دخل المستوطنين الصينيين من عرقية الهان هو أعلى أربع مرات من ذلك من الأويغور. وذكر أن ما يقرب من 85 في المئة من الأويغور هم من المزارعين. ووفقا لنفس التقرير الرسمي،فإن متوسط ​​الدخل السنوي للمزارع من الأيغور هو100 دولار أمريكي في حين أن المزارع من الهان يكسب دخلا سنويا يزيد عن 400 دولار أمريكي.كما تقوم الشركات الصينية بالتعاقد من الهان وترفض تشغيل الأيغور.

ومن المشاكل التي يواجهها الأيغور أيضا، شح الخدمات الطبية الحكومية بالإضافة إلى ضعف إمكانيات المستشفيات التي توفرها السلطات الصينية، وكذلك وجود مشكلة في التواصل بين العاملين في المستشفيات وهم من الصينيين والسكان الأصليين للمنطقة بسبب حاجز اللغة، الأمر الذي يسبب مشاكل كبيرة لعدم قدرة المرضى على وصف حالتهم الطبيبة للأطباء الصينيين. وفي السنوات الأخيرة، لوحظ انتشار الكوليرا والجذام والتهاب الكبد وفيروس نقص المناعة البشرية.

كما تمنع السلطات الصينية إنشاء وسائل إعلام للمسلمين الأيغور وتضيق على منظمات المجتمع المدني التي تقوم بنقل معاناتهم للمجتمع الدولي، بالإضافة إلى ترويجها لمعلومات كاذبة في كثير من الأحيان. وبحسب الخبير في مجال حقوق الإنسان في اقليم شينجيانغ موسى إل ميجلو" تركستان الشرقية" فإن الحكومة الصينية تقلل من فرص الأيغور في الحصول على جوازات سفر صينية، كما تضييق عليهم فرص الحصول على زيارة لأداء فريضتي الحج والعمرة.

إن العداء الصيني للأيغور بدأ يتأجج بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بشكل متصاعد لا سيما بعد استقلال الكثير من البلدان التي كانت تخضع للشيوعية السوفيتية، وخصوصا بلدان تركستان الغربية، وخوفا من مطالبات الانفصال المتصاعدة في تركستان الشرقية حمل الحزب الشيوعي في عام 1990م، شعار مبطن للقضاء على حلم الانفصال الأيغوري بذريعة القضاء على "الشرور الثلاثة" المتمثلة في "الانفصال، التطرف الإسلامي، والإرهاب".

كما تنظر الصين من الناحية الاقتصادية لتركستان الشرقية على أنها ثروة ضخمة وبوابتها نحو آسيا الوسطى ومواردها، وتسعى بكين أيضا إلى استغلال أراضيها لبناء خط أنابيب للنفط يصلها بالدول المجاورة، فضلا عن روسيا، للمساعدة في تلبية الطلب على البترول المتزايد في الصين بسبب الطفرة الاقتصادية التي تعيشها.

ووقعت الصين عام 1997م مع كازاخستان اتفاقية لمد خط أنابيب للنفط بين غرب كازاخستان وتركستان. تم الانتهاء منه في نوفمبر 2005م. وفي عام 2004م، وقع كلا من رئيس لكازاخستان، نور سلطان نزار باييف والرئيس الصيني هوجين تاو على اتفاق واسع النطاق للتنقيب المشترك وتطوير موارد النفط والغاز في بحر قزوين، ويسعى الجانب الصيني من خلال ذلك لربط حقول الغاز في بحر قزوين مع الصين، ولا يمكن إتمام مثل هذه الصفقة بدون استغلال أراضي تركستان الشرقية. كما وقع الطرفان اتفاقا لبناء السكك الحديدية لنقل الركاب والشحن الدولي، كجزء من جهد يرمي إلى تعزيز طرق التجارة وكاملة عبر كازاخستان إلى أوروبا. كل تلك المساعي لن تتحقق للصين مالم تستطع بالقضاء على مطالب التحرر الذي ينادي بها الأيغور، وهي تقوم بطرق بشعة في سبيل تحقيق ذلك وسط صمت دولي إزاء محنة الأيغور بسبب النفوذ الذي تتمتع به الصين في المنظمات الدولية وترابط مصالحها مع القوى العظمة.