نقلا عن الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

رؤوف زين: على الحكومات الإسلامية الضغط لإنقاذ سريلانكا

حوار: جمال الشرقاوي

لم تكن الأيام كفيلة بأن تداوي جرح المسلمين الذي ينزف في بورما إلا والأحداث تتكرر في بقعة إسلامية أخرى من العالم؛ وهي سريلانكا، حيث تواصل عصابات بوذية وتعمل منذ زمن على إضعاف وقتل المسلمين وإخراجهم من أرضهم. تفاصيل لا تختلف كثيراً عن تلك التي حدثت وتحدث في بورما؛ لذا كان لنا هذا القاء مع الأستاذ رؤوف زين الباحث في العلوم السياسية بسريلانكا.

حدِّثنا عن تاريخ المسلمين في سريلانكا؟

- تاريخياً وصل الإسلام إلى السيلان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: إن الصحابي الجليل وهاب بن أبي خوصة أتى إلى السيلان حاملاً رسالة الإسلام، ثم انتقل إلى الصين، وعاد إلى الجزيرة العربية في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتوالى قدوم أجدادنا العرب وتزوجوا وانتشر الإسلام وكثر عدد المسلمين، فأصل المسلمين من العرب، وكان هناك سببان لقدوم العرب إلى سريلانكا.. الأول: التجارة؛ حيث وجدوا البهارات وأنواع البخور اللازمة هناك، والسبب الثاني المشجع: اعتقاد المسلمين منذ القدم أن أبانا آدم عليه السلام نزل في السيلان، وخاصة أن هناك جبلاً يسمى «جبل آدم» يزوره الناس إلى يومنا هذا، ويعتقد أن العرب جاؤوا لزيارة هذا الجبل أيضاً. وبعد ذلك، جاء المسلمون من الهند، ومن مالايو وجاوا، ثم من إندونيسيا، واستوطنوا في السيلان، فالمجتمع المسلم السريلانكي مكون من هؤلاء كلهم؛ لذا نرى جموع المسلمين عندنا منتمين إلى عروق عدة، وحتى العرب جاؤوا من الخليج واليمن أيضاً.

وماذا عن عدد المسلمين؟

- حسب إعلان نتيجة الإحصاءات الرسمية التي قامت خلال عام 2012م، يبلغ عدد السكان في سريلانكا 20.263.723 نسمة؛ ما بين الجنسيات الموجودة فيها من بوذية، وهندوسية، ومسلمة، ونصرانية، وغيرها.. كما يُعَدُّ البوذيون الأغلبية العظمى؛ فعددهم 14.222.844 نسمة؛ حيث يشكلون 70.2%، ويليهم الهندوس وعددهم 2.554.606 نسمة؛ حيث يشكلون 12.6%، أما بالنسبة لتعداد المسلمين، فإنه قد بلغ 1.967.227 نسمة؛ أي مليونين تقريباً؛ حيث يشكل هذا العدد 9.7% من إجمالي عدد السكان، و40% من المسلمين متمركزون في الشرق، والباقون منتشرون في أنحاء البلاد.

ماذا عن الوضع التعليمي للمسلمين هناك؟

- قديماً، تلقوا تعليمهم الأساسي من الكتاتيب في المساجد، وقد أنشئت مدارس متواضعة بجوار المدارس الحكومية، ثم في عهد الاستعمار الأجنبي حصل المسلمون على مدارس حكومية مخصصة للمسلمين، وحالياً توجد 780 مدرسة حكومية على مستوى البلاد للمسلمين، ويدرس بها 300 ألف طالب وطالبة، ويدرِّس لهم 14 ألف معلم ومعلمة من المسلمين، ولغة التدريس فيها اللغة «التاميلية»، وكذلك هناك 14 جامعة عامة للجميع، ويلتحق بها 1450 طالباً وطالبة من المسلمين سنوياً. وهناك 400 مدرسة دينية لتدريس الشريعة الإسلامية، ويدرس بها 25 ألف طالب وطالبة، كما أن هناك 55 ألف طالب وطالبة من المسلمين يدرسون في المدارس البوذية وباللغة السنهالية، ويشكلون 17% من مجموع طلبة المسلمين، وهم يواجهون بعض المشكلات؛ مثلاً يحرمون في بعض المدارس من حضور صلاة الجمعة، وأخرى تمنع الطالبات المسلمات من ارتداء الحجاب وستر الرأس، وأحياناً يضطرون لشهود طقوس بوذية مقامة في حرم المدارس، وذلك لقلة إمكانات وكفاءة المدارس الإسلامية، أو أن أولياء أمور هؤلاء الطلبة أيضاً درسوا في هذه المدارس، ويرون أن مدارس المسلمين غير مؤهلة، لأنها مهملة من الحكومة، ويعتقدون أن فرصهم للحصول على وظيفة في الحكومة أكثر من غيرهم، وفي الحقيقة ذلك مجرد وهْم، وذلك لضعف وعيهم الديني، ومعظم هؤلاء الطلبة يتأثرون بالثقافة البوذية السنهالية، إلا إذا كان أولياء أمورهم واعين وملتزمين وقادرين على توجيه أبنائهم. والخطر الأكبر أنه وعلى المدى البعيد سينقسم المجتمع المسلم السريلانكي إلى 3 أقسام على أساس اللغة (تاميلي - سنهالي - إنجليزي)، مع أن اللغة السنهالية التي هي لغة الأغلبية واللغة التاميلية كليهما من اللغات الرسمية، على أرض الواقع ليس هنا تعامل باللغة التاميلية في الدوائر الرسمية، إنما السنهالية والإنجليزية. وليس سراً أن من الأسباب الأساسية لنشوب بعض الاضطرابات الطائفية بين البوذيين والهندوس التاميليين في سريلانكا - حيث نشأة حركة «نمور إيلام تاميل» - عدم قبول اللغة التاميلية كلغة رسمية في خمسينيات القرن الماضي، علماً بأن لغة التاميل لغة الهندوس والمسلمين معاً في سريلانكا، ولكون أغلبية المسلمين منتشرين في البلاد وسط البوذيين، أكثرهم يجيدون اللغة السنهالية، وما يشعرونها عائقاً أمامهم خلاف الهندوس المتمركزين في الشمال والشمال الغربي والشمال الشرقي، فهم لا يجيدون السنهالية، فطالبوا باعتراف اللغة التاميلية من اللغات الرسمية، فقوبل طلبهم بشدة.

ماذا عن الأوضاع الاجتماعية؟

- فمنذ أمد بعيد كان المسلمون والبوذيون يتعايشون جنباً إلى جنب بكل احترام وتفاهم، ومنذ زمن قريب كان هناك بعض المجموعات المتطرفة بقيادة بعض رجال الكهنة البوذيين يمنعون المسلمين من أداء بعض شعائرهم التعبدية، ويمنعون بناء المساجد، ويحاولون هدم بعض المساجد، ويشككون في وطنية المسلمين، علاوة على عرقلة تجارة المسلمين من نواحٍ شتى، كفرض ضرائب طائلة، ونشر منشورات وتغريدات ورسائل قصيرة وعبارات ومقالات عبر الوسائل الإلكترونية الحديثة بأفكار خاطئة، وتهديدهم بتطهير عرقي؛ مما جعل الباحثين يدركوا بأن هناك أيادي خفية تدعم هؤلاء المتطرفين، وتدفعهم لنشوب حرب طائفية في سريلانكا، بعد أن أُطفئت نار الحرب مع «نمور التاميل»، ولعل هؤلاء عملاء لتجار السلاح، وخلال عام تزايدت المظاهرات على المسلمين، ومحاولات هدم المساجد أو منع المسلمين من أداء الصلاة فيها وعرقلتهم، أو محاولة إغلاقها. ويزيد الطين بلة بعض تصرفات المسلمين مثل بناء مساجد حتى في أماكن غير ضرورية لها؛ لإرضاء الجهات الممولة من الجمعيات الخيرية، ويرفعون الأذان فيها عبر مكبرات الصوت وسط بيئة أغلب سكانها من غير المسلمين؛ فيتخذون ذلك حجة علينا.

ماذا عن الساحة الدعوية وسط المجتمع المسلم في سريلانكا؟

- بالنسبة للساحة الدعوية، هناك عدة حركات إسلامية تعمل في المجتمع، مثل «جماعة التبليغ»، و«الجماعة الإسلامية»، و«جماعات سلفية»، وغيرها ممن يلتزمون الوسطية والحركة الإسلامية المعاصرة، فالوعي الديني جيد لدى المجتمع السريلانكي المسلم بالمقارنة مع بعض الدول المجاورة، بل أحسن حالاً، حيث يعملون متفاهمين. وهناك جمعية باسم «جمعية العلماء - سريلانكا»، وأعضاؤها خريجون في مدارس دينية وأئمة المساجد، وهي التي تقود عموم المسلمين رسمياً، وتشرف على أمور المسلمين، وتوجه أئمة المساجد ومعلمي المدارس الدينية، والحركات الإسلامية متعاونة معها رغم وجود اختلافات فرعية، وخاصة عندما تطرأ حاجة عامة تراهم يتعاونون تحت مظلة «جمعية العلماء».. مثلاً، قبل 6 سنوات، تم إخلاء المسلمين من منطقة معينة من قبل «نمور التاميل»، وقد اجتمعوا جميعاً (الحركات الإسلامية) لمعالجة الأمر، كما تم محاولة هدم مسجد بمنطق «دامبوللي»، تحركوا بقيادة «جمعية العلماء»، ولكن ينقص مجتمعنا هيئة عامة بكفاءة عالية لمعالجة أمور المسلمين بالتعاون مع العالم الإسلامي.

ما أبرز مطالب المسلمين في سريلانكا؟

- طلبُ المسلمين الأساسي من الحكومة مراعاتهم لدى التوظيف وتوزيع القوة السياسية والمقاعد، ومنحهم نسبتهم المستحقة في جميع المجالات، ولا ننكر وجود أكثر من 10 وزراء من المسلمين في الحكومة، ولكن صلاحياتهم محدودة، لا يتحركون بحرية تامة، وذلك ما يطلبه الهندوس من الحكومة قبل المسلمين، خاصة بعد انتهاء الحرب مع «نمور التاميل»، علماً بأن الهندوس أيضاً ينكرون بوجود حقوق للمسلمين. لذا نطالب الحكومات العربية والدول الإسلامية بالضغط على الحكومة السريلانكية لمنح المسلمين حقوقهم، وهي قادرة على ذلك؛ لأن حكومة سريلانكا تعتمد على دعم ومساعدات الدول العربية الصديقة وإيران، خاصة بعد أن تعثرت العلاقات مع أمريكا ودول الغرب إثر إنهاء الحرب مع «نمور التاميل»، والدول العربية تنفذ مشاريع ضخمة في سريلانكا تعبيراً لصداقتها، فمواقفها حتماً مؤثرة، ولكن هذه الورقة لم تُستخدم بعد، وسفراء هذه الدول على علم بما يحدث للمسلمين في سريلانكا.