المصدر: مختارات إيرانية

بعد انهيار الإتحاد السوفيتي في عام 1991م كانت الدول المنفصلة عنه من أجل ملء هذا الفراغ الناجم عن هذا الانفصال تحتاج إلى إعادة هويتها المحلية والقومية والدينية.

وفي تلك الفترة، كان معظم رؤساء دول أسيا الوسطى والقوقاز يعملون كسكرتير عام للحزب الشيوعي في تلك المناطق، وكان واضحا أن العودة إلى الهوية الإسلامية ستواجه تحديات جدية، وقد كان ذلك بالفعل، وعانت الدول المستقلة حديثا منذ الأيام الأولى من استقلالها تناقضا مهما، إذ أن ثلث الشعب كان متعطشا للعودة إلى الهوية الإسلامية ومن جانب آخر لم يكن لدى السلطات الحاكمة التي كانت أداة من أدوات الإتحاد السوفيتي لديها نفس التعطش. وكانت تبذل قصارى جهدها لإبعاد الشعب عن هذا التوجه.

وبالتزامن مع هذا التصور غير الصحيح مع الرغبة المفرطة من جانب بعض الدول العربية في الوجود ثقافيا في هذه المناطق، وفراغ العلم الديني لدى الشعب الذي كان نتاج أعوام من الحكم الشيوعي من ناحية أخرى، أثارت هذه الفسحة من الحرية رغبات التيارات السلفية بالاتجاه نحو تلك المناطق.

لكن بما أن منطقة آسيا الوسطى والقوقاز إلى حد ما كانت منذ القدم على علاقة كبيرة بالتيارات الصوفية وخصوصا مدرسة الأتراك الصوفية التي تزعمها فتح الله غولن وشيخه سعيد النورسي، حيث نشر الكثير من المدارس والمعاهد الدينية التي تسعى لنشر نفوذه، بالإضافة إلى مراكز ثقافية تركية تدعمها الدولة بشكل مباشر.

وقد مال التوجه الحالي لحكام تلك البلاد نحو خدمات متبادلة ما بين الدين والدولة، وهذا يعني أنهم يحاولون تلبية المطالب الدينية للشعب طالما كانت منسجمة مع رغباتهم. وكانت الصفة الملازمة لحكام تلك المناطق أنهم يريدون من المتدينين دائما أن يكونوا خاضعين لمتطلبات الحكم، والدليل على ذلك انعقاد الجلسة السنوية للأديان في كزاخستان، وزيادة عدد المساجد من جانب الحكومات والتوسع في إرسال الحجاج على مدى الأعوام الماضية.

وقد بدأت تلك الحكومات في تحدي التيارات السلفية الوافدة إلى تلك البلدان من خلال تكوين مؤسسات إدارة التعليم الديني، والمساهمة في تأسيس الجامعات الإسلامية ومنع الشباب من الذهاب لتلقي العلوم الشرعية خارج بلدانهم، وإصدار الدوريات الدينية والسماح بفتح فضائيات إسلامية، وكذل ذلك هدفه للحد من تأثيرات التيارات السلفية الوافدة من شبه الجزيرة العربية، وإبعاد الشعب عن تأثيرات هذا الفكر.

وبرز التحدي الثاني من خلال توقيع إيران على معاهدات مع الكثير من دول آسيا الوسطى والقوقاز بهدف عقد تحالف لمواجهة الفكر السلفي القادم لتلك المناطق، وقد استفاد جهاز الدبلوماسية الإيراني من هذه الخطوة لفتح مسارات مختلفة للتنظير الفكري الشيعي في منطقة القوقاز، وأصبحت المؤسسات التعليمية الدينية في إيران هي الحاضن البديل لشباب تلك المناطق عن الجامعات والمعاهد ذات التوجهات السلفية.

وسعت إيران من خلال دبلوماسيتها إلى استغلال أسماء زعماء التصوف في تلك المناطق مثل أبوسعيد ابن أبي الخير وبهاء النقشبندي وخواجه يوسف همداني ونجم الدين كبري وآخرين، في كسب ثقة عوام الناس في تلك المناطق، وبما أن أعمال رموز الصوفية العلمية والدينية مدونة باللغة الفارسية، فإن إيران استخدمت اللغة كعامل قوي في التنظير لتراثها الديني واقتحام المجال الثقافي والفكري لتلك المناطق، وسط غياب للدبلوماسية الرسمية للدول الإسلامية السنية.