المقدمة:

كانت سورية واقعة ضمن أراضي دولة الخلافة العثمانية، وعندما دخلت الأخيرة مع شركائها دول المحور (ألمانيا وحلفائها) الحرب ضد دول الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وروسيا)؛ خسرت الحرب، وكانت من نتائجها أن حدد مصير ولاية سورية كغيرها من ولايات الدولة العثمانية، بموجب اتفاقية سايكس بيكو في العام 1916م، التي قسمت أراضي الدولة العثمانية (البلاد العربية تحديداً) بين الدول المتحالفة المنتصرة (بريطانيا وفرنسا وروسيا).

ولكن قيام ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا في العام 1917م، وانسحاب الروس من الحرب؛ أدى إلى فضح هذه الاتفاقية الجائرة التي انطلت على العرب الذين شاركوا الحرب مع البريطانيين ضد إخوانهم المسلمين (الدولة العثمانية)، فيما سميت بالثورة العربية الكبرى في العام 1916م بقيادة شريف مكة (الحسين بن علي). والفضل في اكتشاف هذه الاتفاقية السرية يعود الى الاتحاد السوفيتي التي فضح بنود الاتفاقية التي كان الروس القياصرة شركاء فيها مع البريطانيين والفرنسيين.

وكان الثوار العرب بقيادة نجلي الشريف حسين (عبدالله وفيصل) قد تعاونوا مع الجيش البريطاني في الحرب ضد الدولة العثمانية بناء على اتفاقية الشريف حسين مع المندوب السياسي البريطاني في مصر (هنري مكماهون)، ابتداءً من شهر حزيران من العام 1916م انطلاقاً من مكة المكرمة.

وكان هذا الدعم العربي! أحد اسباب سقوط فلسطين بيد المحتل البريطاني في العام 1917م، ومن ثم إصدار وعد بلفور الخاص بتسليم فلسطين إلى اليهود، وهكذا تمكن الثوار العرب من تحرير دمشق من العثمانيين بحلول العام 1918م، وأنشئت أول حكومة عربية في دمشق في العام 1918م بزعامة الأمير فيصل.

نبذة تاريخية

 كانت بريطانيا قد استطاعت بذكاء دبلوماسيتها أن تخدع فرنسا عندما سلمتها ولاية الموصل (كردستان الجنوبية – العراق) إليها (بريطانيا) مقابل حصة للنفط لها في الشركة الألمانية، وهذا ما أدى إلى تصغير مهم لمنطقة النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط حسب رأي أحد الباحثين الفرنسيين.

لذلك طلب الفرنسيون من الملك فيصل بن الحسين وحكومته بتسليم السلطة فوراً إلى الحكومة الفرنسية طبقاً لاتفاقية سايكس – بيكو سيئة الصيت، وعندما رفض الملك فيصل ذلك تقدمت الجيوش الفرنسية من بيروت بقيادة الجنرال (غورو) وتمكنت من احتلال دمشق في شهر تموز 1920م بعد أن استشهد (يوسف العظمة) وزير دفاع حكومة الملك فيصل على أبواب دمشق، وهرب الملك فيصل وأركان حكومته ملتجئين إلى حليفهم الإنكليزي.

وحاولت الدبلوماسية الفرنسية منذ خريف 1920م، إعادة النظر بمعاهدة سيفر (1920م التي اعترفت بحق الكرد في إنشاء كيان سياسي) في مصلحة تركيا، حيث عقدت اتفاقية أنقرة 1921 في 11 آذار التي أبرمتها سلطات الانتداب الفرنسي ممثلة بـ (هنري فرانكلان) مع كمال يوسف وزير خارجية تركيا آنذاك، ينص على تحريك الحدود التركية السورية جنوباً، على مستوى خط سكة حديد بغداد تماماً، والتخلي لتركيا عن مدن: كليس، وبيردجيك، وأورفا، وعينتاب مقابل الحصول على مصالح اقتصادية.

ولم يبق تابعاً لسورية من إقليم كيليكيا سوى سنجق الاسكندرونة، وقد تعهدت فرنسا "إقامة نظام إداري خاص فيه" نظراً لوجود أقلية تركية كبيرة، وقد سلمته فيما بعد إلى تركيا في العام 1939م نظير دعمها لفرنسا في المحافل الدولية.

 وبموجبها تم إلحاق ثلاث مناطق كردية بسورية، وهذه المناطق هي: الجزيرة العليا (محافظة الحسكة)، وكرد داغ (محافظة حلب)، وعين العرب- كوباني (القريبة من مدينة جرابلس- محافظة حلب).

 ولما كانت سورية من حصة المستعمر الفرنسي؛ أصبح السكان الكرد خاضعين للانتداب الفرنسي في ثلاث مناطق ضيقة ومنفصلة عن بعضها، على طول الحدود التركية؛ لذلك لا يمكن الكلام عن "كردستان سورية" بل عن "مناطق كردية في سورية"، بيد أن هذه الأراضي الحبيسة الكردية تشكل امتداداً طبيعياً لكردستان التركية والعراقية طبقاً للباحث الفرنسي (جوردي غورغاس في كتابه الحركة الكردية في المنفى).

الأولى: في الجزيرة العليا بين نهر دجلة والضفاف الغربية لحوض الخابور، طولها 250 كم، وعرضها في بعض الأمكنة 30 كم، وهي شمال سهل الجزيرة ويحدها جبل نور الدين، وفي الجنوب مرتفعات جبل عبد العزيز. وسلسلة الجبال الوحيدة التي تغير هذا المنظر الرتيب هي قراجوج داغ (769) متراً الممتدة غرباً من ليلك داغ (710). وهذه المنطقة سماها المستعمر الفرنسي بـ (منقار البط) السوري، وهي منطقة زراعية بامتياز، فضلاً عن أنها تنتج كامل النفط السوري منذ العام 1956م.

الثانية: على ضفاف الفرات، طولها ستون كم وعرضها أربعون كم.

الثالثة: في كرد داغ (جبل الأكراد)، وفي ليجي غرب حلب، طولها أربعون كم، وعرضها أكثر قليلاً وهي منطقة جبلية يبلغ ارتفاع بعضها إلى 1200 متر، ويتصل كرد داغ من جهة الشمال بالسلسلة المقابلة لجبال طوروس في كردستان تركيا، وهذه المنطقة هي الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المناطق الكردية الثلاث في شمال سورية.

لقد قدر للجزيرة الفراتية (شمال شرق سورية) أن تكون ساحة التوتر العربي- الكردي الرئيسة. فقبل الحرب العالمية الأولى كانت الجزيرة خالية إلى حد بعيد والحياة فيها لم تكن آمنة، فكانت هناك قبائل رعوية كردية موسمية منذ قرون، وبشكل خاص اتحادات قبائل ملان وميران الكرديتين، كانتا تقضيان فصل الشتاء البارد في سهول الجزيرة قبل أن تصعدا إلى سفوح الجبال الكردية (زوزان) في كردستان تركيا في الصيف. بينما كانت قبيلة شمر العربية (كانت قبيلة مللي الكردية تدفع لها الأتاوة) تشغل هذه الأراضي في أشهر الصيف، بينما كانت قبيلة طي العربية تشغل مساحات أخرى من أرض الجزيرة، وقد مددت مواطنها إلى شمال الجزيرة بسب قيظ الصحراء.

 وبناءً عليه كانت المنطقة مشتركة بين نظامين رعويين موسميين كردي وعربي، وقد شهدت هذه المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر هجرة بعض القبائل الكردية إليها تاركة مراعيها في كردستان تركيا وراءها من أجل الزراعة والاستقرار في إقليم الجزيرة، بسبب خصوبة أراضيه، لذلك بنهاية الحرب العالمية الأولى فإن عدد الأكراد كان يفوق عدد العرب بقليل، ولكن بدءاً بالعام 1920م فصاعداً وصل إليها كثير من الكرد القبليين هرباً من القوات التركية وبشكل خاص في أعقاب ثورة العام 1925م، قدّر أحد الباحثين عددهم بحوالي (25) ألفاً، وهذا ما أدى إلى زيادة الوجود الكردي فيها بصورة ملحوظة.

في الوقت نفسه وصلت أعداد أكبر من المسيحيين من الأرمن، والسريان، والكلدان، بل حتى الأرثوذكسيين الشرقيين إلى منطقة الجزيرة هاربين من تركيا بسبب تعاونهم مع دول الحلفاء الغربيين ضد الدولة العثمانية، وفي العام 1933م وفي أعقاب المشكلة الآشورية في العراق؛ طلب 8000 نسطوري- آشوري اللجوء من العراق إلى سورية، واستقرت غالبيتهم في وادي الخابور في الجزيرة.

لقد تجمعت الآن عوامل عدة لتجعل من الجزيرة الفراتية منطقة معقدة ومضطربة، فبُعدها عن الداخل السوري، والهجرات الكثيرة إليها من مختلف الأعراق والطوائف؛ عقّد تركيبتها الإثنية، مع عدم انشغالها بالدول السورية الجديدة (دولة العلويين والدروز والسنة في دمشق وحلب) التي أقامها الفرنسيون من أجل تشتيت الأغلبية العربية السنية، وهو ما جعل الاندماج صعباً بين هذه المكونات؛ لذلك استمرت هجرة القبائل الكردية إليها عبر الحدود من أجل الانتقام من تركيا.

في العام 1937م حدد التقرير السنوي الفرنسي المقدم إلى عصبة الأمم عدد سكان الجزيرة الفراتية وفقاً لما يلي:

  • 42.000 من العرب المسلمين، أغلبهم كانوا رعاة بشكل رئيس مع أقلية متزايدة من المتمركزين في القرى.

  • 82.000 من الأكراد وكلهم قرويون تقريباً.

  • 32.000 من المسيحيين، سكان مدن بالدرجة الأولى يعملون في مختلف صنوف التجارة والأعمال في القامشلي والحسكة ومراكز صغيرة أخرى.

لم تشكل أي من هذه الجماعات وحدة متكاملة، وبحسب الباحث اللبناني - البريطاني (ألبرت حوراني)، بعد عقد من ذلك، فإن "الجزيرة المقسمة بين عدد كبير من الشعوب والطوائف، والتي لا يستطيع أي واحد فرض سيطرته على البقية والافتقار إلى عناصر الاستقرار التي لا يستطيع توفيرها إلا المستقرون منذ وقت طويل، تمثل مشكلة معقدة والتي يزيدها حدة عدة عوامل: التوتر بين المسلمين والمسيحيين من جهة، وبين الكرد والعرب من جهة أخرى، إضافة إلى العداوة الدائمة بين البدو والحاضر، وتأثير رجال الدين المسيحيين والبعثات الدينية الفرنسية (الدومنيكان وغيرهم) بشكل خاص، وتدخل تركيا عبر الحدود".

حتى أواسط الثلاثينيات كان القوميون العرب السوريون منشغلين بقضايا أخرى، ولم تكن الجزيرة موضع اهتمامهم. كذلك كان للضباط الفرنسيين المحليين يد في استغلال الإقليمية وتشجيعها، وخلال العام 1933م بدأ المسيحيون في الحسكة يثيرون مسألة مزيد من الحكم الذاتي. وفي أيلول 1938م عقد مؤتمر الجزيرة العام برئاسة حاجو آغا (أحد قياديي منظمة خويبون) الذي ناشد فرنسا إعطاءه حكماً ذاتياً تاماً، وقد وعده المندوب السامي الفرنسي بنظام خاص للجزيرة، وبالفعل وفي السنة التالية 1939م فصلت الجزيرة بأغلبيتها الكردية (مثل: جبل الدروز في جنوبي سورية، واللاذقية بعلوييها في المناطق النائية) عن أراضي سورية ذات الأغلبية العربية السنية، ووضعت تحت السيطرة الفرنسية المباشرة.

وفي دمشق نشر العضو البارز في منظمة (خويبون- الاستقلال) الأمير جلادت عالي بدرخان، وهو منفي من العائلة الأميرية التي حكمت لفترةٍ ما إمارة بوطان (المنطقة المتمركزة في جزيرة ابن عمر داخل الأراضي التركية)؛ مجلة (هاوار – النداء) باللهجة الكرمانجية في شهر مايو/ أيارمن العام 1932م في دمشق، وطور الأبجدية اللاتينية على غرار الأبجدية التركية الجديدة التي وضعها (أتاتورك)، بوصفها مناسبة أكثر للغة هندو – أوروبية كالكردية.

 وفي السياق نفسه قامت المنظمات والأحزاب الكردية بفتح دورات سرية لتعليم اللغة الكردية قراءة وكتابة بالحروف اللاتينية أسوة بأكراد تركيا الأكثر ملاءمة مع اللغة الكردية، يدعم ذلك قول الباحث الفرنسي الدومنيكاني (توماس بوا): "إن الكتابة باللاتينية التي تطمح بأن تصبح شاملة، تشجع التبادل الثقافي والتقني والتجاري، كما يصير بإمكان الشرقيين تعلم اللغات الغربية بسهولة، لينضموا إلى ركب العالم المتمدن، وبالمقابل يصير في وسع الغريين تعلم اللغة الكردية بسهولة"، بينما يقول باحث فرنسي آخر (بيير روندو): "إن واقع اختيار المثقفين الأكراد للأحرف اللاتينية جعلهم يبتعدون عن الأوساط الثقافية العربية والإيرانية... ليتموضعوا بوضوح في حقل علماني"، وبالمقابل دافع بعض مؤيدي آل بدرخان من الملالي والشيوخ المنخرطين في القضية القومية مثل الشيخ (عبدالرحمن غريزي) عن "ألفباء" آل بدرخان بقوله: "لم ينزل الله علينا تعاليمه بأحرف وصور بل بالكلام"، فقرر الأخوان جلادت بدرخان وكاميران بدرخان عقب ذلك رغم ميولهما العلمانية؛ ترجمة القرآن الكريم بأحرف لاتينية.

وقد أثارت الألفباء الكردية التي وضعت في سورية؛ ردات فعل متنوعة ليس في العراق وحده، فالقوميون العرب رأوا في مسار اللَتننة اتجاهاً خطيراً، لا سيما تلك التي بدأها العقيد الكردي العراقي توفيق وهبي في العراق بالتعاون مع المستشار البريطاني (أدموندز). أما الفرنسيون فقد داوموا على تشجيع آل بدرخان على اللتننة من خلال المستشرق الفرنسي (روجيه لسكوت) بوصفها مظهر تقدم ومدنية، وذلك حتى نهاية الانتداب في العام 1946م.

 في الجانب الكردي، رأى المنضوون تحت راية (خويبون) والحلقات القريبة منه في هذه العملية خطوة إلى الأمام على طريق التقدم، في حين أثارت الأوساط الإسلامية المحافظة أحكامها المسبقة ضد هذا التغيير الذي رأته مساساً بالقرآن الكريم وبالدين الإسلامي، وبوحدة المجتمع المسلم.

 وفي الوقت الحاضر فإن النخبة الثقافية الكردية وغالبية قيادات وكوادر الأحزاب الكردية العلمانية في جميع أجزاء كردستان يكنون احتراماً وتقديراً لآل بدرخان على ما بذلوه من جهود في خدمة القضية الكردية من النواحي السياسية والثقافية، وبأنهم كانوا الرواد نحو نقل المجتمع الكردي إلى مضمار التقدم والمدنية والحداثة.

استقلال سورية

 في العام 1946م نالت سورية استقلالها من المستعمر الفرنسي، وأصبح بلداً مستقلاً بعد أن كان الفرنسيون قد مزقوه إلى دويلات عدة، وقد ساند العديد من الأكراد الدمشقيون والحلبيون الحكومة العربية الجديدة، ولكن التململ ساد بعض الأطراف الدرزية والكردية في أقصى جنوب البلاد وشمال شرقيها على التوالي. وبهذا الصدد يذكر المؤرخ البريطاني ديفيد مكدول في كتابه (تاريخ الأكراد الحديث الصفحة 699-700): "ومن الواضح أن البدرخانيين لم يتخلوا عن توقهم إلى الاستقلال الكردي. فبينما تورطت سورية العربية في الحرب العربية- الإسرائيلية الأولى عام 1948؛ كان كاميران عالي بدرخان، شقيق جلادت، في باريس كممثل للحركة القومية الكردية في أوروبا، ولكنه كان في قائمة من يتقاضون رواتب من الاستخبارات الإسرائيلية. في تموز 1948 أرسله الإسرائيليون إلى ما وراء الأردن وسورية ولبنان بقصد معرفة كيفية إعاقة الجهود الحربية للدول العربية، فردَّ بتقرير جوابي مقترحاً أن تساعد إسرائيل تنظيم انتفاضة من الأقليات الساخطة، بما فيهم الكرد، ولم تسفر هذه المقترحات عن شيء، إذ كانت إسرائيل مشغولة جداً عن تخصيص موارد لخطط بدرخان، ولكن ربما تكون الاستخبارات السورية قد سمعت بتقربه من الإسرائيليين، وهذا يشرح بالتأكيد خوف سورية المتزايد من أن الجالية السورية (كرد سورية) غير جديرة بالثقة وأنها قد تتحول إلى حصان طروادة".

بعد استقلال سورية في العام 1946 وفي الفترة التي سادت فيها الديمقراطية في الحياة السياسية في سورية لم يكن هناك تمييز قومي واسع تجاه الكرد، وقد ساهم الشعب الكردي بشكل واسع في بناء سورية، وفي دمشق ذاتها كان الكرد يلعبون دوراً سياسياً واجتماعياً مهماً، غير أنه مع بدء مرحلة الانقلابات ومجيء الديكتاتوريات، وتحديداً منذ الوحدة المصرية السورية أصبح الكرد يتعرضون للاضطهاد القومي بشكل واسع، وأصبح هناك تمايز قومي شديد.

وفي النصف الثاني من الخمسينيات اجتاحت الحماسة القومية العربية كل العالم العربي، التي ألهمها صعود عبدالناصر إلى سدة الحكم في مصر، وقد ولدت شعوراً مفعماً بالأمل والقوة من خلال وحدة عربية شاملة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي؛ لذا بدأت الأقليات غير العربية تشعر بالقلق، ففي العام 1975م وفي حادثة خطيرة يبدو أن الحقد القومي وراءها؛ قضى 250 فتى من طلاب المدارس نحبهم في حريق متعمد لسينما مدينة عامودا ذات الأغلبية الكردية في شمال سورية، كما أن التسامح الكبير مع المطبوعات الكردية منذ العام 1946م قد منع في العام 1958م. في تلك السنة شكلت سورية اتحاداً مع مصر باسم (الجمهورية العربية المتحدة)، ولكن احتكار مصر للسلطة دفع السوريين للانفصال عن مصر في العام 1961م.

وكان الحزب الديمقراطي الكردي السوري الذي تشكل قبل أشهر من الوحدة المصرية – السورية؛ دعا في برنامجه إلى الاعتراف بالكرد قوميةً متميزة وبحقوقهم الثقافية وإلى حكومة ديمقراطية في دمشق، فضلاً عن ذلك فإنه عارض الوحدة العربية في العام 1960م فسجن العديد من أنصاره.

في الدستور المؤقت الذي تمت صياغته بعد انهيار الوحدة المصرية السورية في العام 1961م؛ أطلق على سورية لأول مرة اسم (الجمهورية العربية السورية)، وهو نذير بالإقصاء الإثني للكرد وغيرهم. وفي شهر آذار/ مارس 1963م استولى حزب البعث على السلطة، أي بعد شهر من استيلاء حزب البعث في العراق عليها.

ومن اللافت للنظر أن القوميين العرب لم يفسحوا المجال أمام الهوية الكردية سواء كان في العراق أو في سورية، لذلك انخرطت غالبية النخبة الكردية المثقفة في الأيديولوجيات التي أخضعت المشاعر الإثنو قومية للنضال الطبقي (الأحزاب الشيوعية واليسارية). وليس من قبيل المصادفة أن الحزبين الشيوعيين في العراق وسورية يضمان بين صفوفه نسبة كبيرة غير متكافئة من الكرد، وخاصة في المراكز القيادية، وبات ينظر إلى الحزب الشيوعي السوري على أنه حزب كردي بسبب قيادته من قبل شخص كردي (خالد بكداش)، وارتباطه الكبير بالمجتمع الكردي، والأمر ينطبق إلى حد ما بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي.

لقد باشر حزب البعث مباشرة تقريباً بحملة لاحتواء الكرد في منطقة الجزيرة تحت شعار"أنقذوا الجزيرة لئلا تصبح إسرائيل ثانية"، كما أنه أرسل لواء اليرموك بقيادة العقيد فهد الشاعر إلى شمال العراق في العام 1963م لدعم المجهود الحربي العراقي ضد الحركة الكردية بقيادة ملا مصطفى البارزاني.

وكان البعثيون السوريون يتوجسون خوفاً من وجود المكونات السكانية غير العربية في شمال شرق سورية بشكل خاص في محافظة الحسكة، وتعتبرها خطراً على الأمن القومي العربي، حيث يورد الباحث ماكدول تقريراً منسوباً إلى الحكومة السورية تتخوف فيه من الزيادة السكانية الكردية المتسارعة في محافظة الحسكة:

"في بداية 1945م بدأ الأكراد يتسللون إلى محافظة الحسكة بشكل فردي أو جماعي من الدول المجاورة وبشكل خاص من تركيا، حيث يعبرون بشكل غير شرعي على طول الحدود من رأس العين إلى المالكية (ديرك). لقد بدأوا تدريجياً وبشكل غير قانوني يستقرون في المنطقة على طول الحدود في المراكز السكانية كالدرباسية وعامودا، والمالكية. وقد استطاع الكثير من هؤلاء الأكراد تسجيل أنفسهم بأساليب غير شرعية في السجلات المدنية السورية، كما أنهم استطاعوا الحصول على البطاقات الشخصية السورية بطرق مختلفة، وبمساعدة من أقربائهم وأفراد قبائلهم. لقد فعلوا ذلك بهدف الحصول على الملكية وخاصة بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي للاستفادة من إعادة توزيعها".

مهما كان الأمر؛ فقد أصدرت الحكومة السورية المرسوم (رقم 93) القاضي بإجراء إحصاء سكاني استثنائي للسكان في محافظة الحسكة، حيث كان الهدف المعلن هو إثبات من دخل إلى البلد من تركيا بشكل غير شرعي. وفي الخامس عشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر؛ طلب من كل السكان غير العرب (الكرد) أن يبرهنوا بالوثائق أنهم كانوا مقيمين في سورية قبل العام 1945م، فكان كثير منهم غير قادرين على ذلك؛ والنتيجة على ما يبدو تم تجريد 120 ألف كردي من جنسيتهم بالإضافة إلى ذريتهم وأحفادهم من الذكور غير المواطنين حتى وإن كانت الأم مواطنة سورية.

لذلك أعلنت الحكومة السورية بالرأي القائل بأن كل هؤلاء متسللون غير شرعيين ويؤثرون على التركيب السكاني، وقد استطاعت قلة منهم تقديم الوثائق اللازمة، وأعيدت إليهم جنسيتهم. وقد اعترفت الحكومة السورية بأن كثيراً من الأخطاء شابت هذه العملية، ومن بين الذين جردوا من جنسيتهم (عثمان صبري) وهو قومي كردي أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردي، ولد في محافظة الحسكة في العام 1906م، فضلاً عن ذلك تم تجريد جنسية كل من الأخوين نظام الدين الذي كان وزيراً بين العامين 1949و1957م، وتوفيق الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش السوري في العامين 1956-1957م، وإن اعتبار هؤلاء الاثنين اللذين صعدا إلى قمة الحياة العامة في سورية من المتسللين وجلبا العار والخزي على تلك العملية برمتها.

ترافق مع هذه العملية شن حملة شعبية شعواء ضد الشعور القومي الكردي، ولمح إلى الارتباط بين الحركة القومية الكردية والمؤامرات الصهيونية والغربية، ويؤكد الباحث البريطاني (مكدول) بأنه "ارتباط صحيح بكل تأكيد في حالة (كاميران عالي بدرخان)، الذي استمر في العمل لصالح إسرائيل في الخمسينيات والستينيات".

 وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر1962م نشر الملازم أول محمد طالب هلال رئيس شعبة الأمن السياسي بالحسكة كراساً بعنوان "دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية"، وفي هذا التقرير السري طرح المشكلة بعبارات عنصرية صارخة:

"إن الجزيرة تدق ناقوس الخطر مستصرخة الضمير العربي الحي لإنقاذها وتطهيرها من كل الشوائب والزبد التاريخي لتعود مساهمة فعالة كأخواتها من محافظات هذا القطر العربي. فالمشكلة الكردية الآن وقد أخذت في تنظيم نفسها ليست سوى انتفاخ ورمي خبيث نشأ أو أُنشئ في ناحية في جسم هذه الأمة العربية وليس له أي علاج سوى البتر".

وقد اقترح هلال خطة من اثني عشر بنداً لتحطيم تماسك المجتمع الكردي، وهي:

ــــ تهجير الأكراد من أراضيهم.

ــــ  سياسة التجهيل، حرمانهم من التعليم.

ــــ  إعادة الأكراد "المطلوبين" إلى تركيا.

ــــ  سد باب العمل.

ــــ  شن حملة من الدعاية الواسعة بين العناصر العربية مضادة للأكراد.

ــــ  نزع الصفة الدينية عن علماء الدين الكرد (الملالي)، وإرسال علماء دين عرب (شيوخ) بدلاً عنهم.

ــــ  سياسة ضرب الأكراد بعضهم ببعض ضمن المجتمع الكردي.

ــــ  إنشاء حزام أمني عربي على طول الحدود مع تركيا.

ــــ  إسكان عناصر عربية في المناطق الكردية على الحدود.

ــــ  إنشاء مزارع جماعية للمستوطنين العرب.

ــــ  عدم السماح لمن لا يتكلم اللغة العربية بأن يمارس حق الانتخاب والترشيح في المناطق المذكورة.

ــــ  منع إعطاء الجنسية السورية مطلقاً لمن يريد السكن في تلك المنطقة مهما كانت جنسيته الأصلية (عدا الجنسية العربية).

ورغم التصديق عليه في العام 1965م؛ إلا أن الحكومة باشرت في العام 1973م في عهد حافظ الأسد بتنفيذ خطة هلال لإقامة حزام أمني عربي بطول 375 كيلو متر وبعرض 10-15 كيلو متر من الحدود العراقية في الشرق من مدينة ديريك إلى نقطة تقع على بعد 10 كم غرب مدينة رأس العين على طول الحدود التركية، وتم تهجير نحو 140 ألف مزارع كردي بعائلاتهم من القرى التي كانوا يعيشون فيها والبالغ عددها نحو 332 قرية والعمل على إحلال مزارعين من بدو الفرات الذين نزحوا بعد إنشاء بحيرة الأسد، في أعقاب إقامة سد الطبقة؛ محلَّ الكرد الذين تم تهجيرهم، وقد أخذت الأمور تتصاعد ضد الأكراد في عهد الرئيس الأسبق أمين الحافظ. في الوقت نفسه تبنت الحكومة حملة تعريب واسعة النطاق لأسماء القرى والمدن.

وبعد بناء سد (الطبقة) على نهر الفرات وغمر المياه لأراضي السكان العرب؛ كانت الحجة جاهزة لتوطين العرب، ففي 24 حزيران 1974 وفي اجتماع القيادة القطرية لحزب البعث بقيادة حافظ الأسد؛ تم إصدار القرار رقم (521) والمتضمن إعطاء الأوامر بتنفيذ مشروع الحزام العربي، وخلال العامين 1974-1975 بدأت قوافل البدو العرب تصل إلى المناطق الكردية قادمة من منطقة دير الزور، وشرعت الدولة في بناء تجمعات سكنية للمهاجرين العرب مع تأمين الحماية لهم.

 وإثر ذلك بدأ الكرد المهجرون يبحثون عن لقمة عيشهم في محافظة دمشق والمحافظات الداخلية عموماً. وسبق أن هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى مختلف الدول الأوروبية وخاصة ألمانيا بدءاً بالعام 1962م بسبب السياسات الشوفينية المارة الذكر، وبحثاً عن لقمة العيش، علماً بأن الوجود الكردي في محافظات دمشق وحماه وحمص واللاذقية يعود في قسم كبير منه إلى أيام الدولة الأيوبية التي أسسها القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي، أي: إلى أكثر من 800 سنة مضت.

مناطق الانتشار:

وعلى أية حال فقد أصبح الكرد جزءاً من النسيج الاجتماعي السوري، ومن ثم فهو أحد المكونات الأساسية للشعب السوري. ويقطن في مناطقه الرئيسة في شمال شرقي سورية في الجزيرة السورية (مدينة القامشلي وأطرافها)، ومنطقة كوباني- جرابلس (عين العرب)، ومدينة عفرين وأطرافها في شمال حلب، كما تسكن أعداد كبيرة منه في مدينة حلب (حي الشيخ مقصود) ومدينة دمشق (حي الأكراد- حي ركن الدين)، وفي محافظات حماه وحمص والرقة واللاذقية ومنطقة حوران.

ويتكلم معظم كرد سورية اللغة الكردية وتحديداً اللهجة الكرمانجية، اللهجة الكردية الشمالية الرئيسة التي يتكلمها على نطاق واسع أكراد تركيا والقسم الشمالي من كردستان العراق وكردستان ايران، ولا توجد موانع لغوية في تفاهمهم، إلا أن الأكراد المقيمين في دمشق منذ القدم وكذلك أكراد اللاذقية وحوران وحماه يتكلمون العربية ونسيت أجيالهم الجديدة اللغة الكردية، وبالنظر إلى أن الدولة تمنع تعلم اللغة الكردية كما تمنع تعليمها رسمياً؛ فإن تعلم الأكراد للغتهم الكردية يتم داخل أسرهم.

وبخصوص عدد الكرد في سورية فلا توجد إحصائيات رسمية حول عددهم، بالنظر إلى أن السلطة في سورية تعد كل المقيمين على الأرض السورية عرباً، وهذه التقديرات تتفاوت ما بين المصادر الكردية وغيرها، فبينما تشير تقديرات الأحزاب الكردية إلى أن الكرد السوريين يشكلون حوالي 15% من سكان سورية، أي: حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد الكرد في سورية ربما يكون بحدود المليونين أو أنهم لا يزيدون على مليون شخص فقط أي أقل حوالي 5%، وإن كان الباحثون الغربيون يقدرون الكرد ما بين 8% إلى 10% من سكان سورية (ديفيد ماكدول- تاريخ الأكراد الحديث؛ جوردي غورفاس: الحركة الكردية التركية في المنفى).

وأهم المدن في المناطق الكردية السورية هي مدينة القامشلي التي تقع على الحدود السورية التركية والمتاخمة لمدينة نصيبين التاريخية في تركيا، وهي مدينة حديثة أقامها الفرنسيون حوالي سنة 1924م على خط السكة الحديدية مقابل مدينة نصيبين التركية، حيث سكنها الكرد الذين هربوا من البطش التركي بعيد فشل ثورة الشيخ سعيد بيران في العام 1925م التي قمعها النظام التركي بكل قسوة، بالإضافة إلى المهجرين المسيحيين من الأرمن والسريان الذين غادروا الأراضي العثمانية- التركية إلى سورية هرباً من جحيم الحرب، ومدينة ديريك التي تم تعريب اسمها إلى مدينة المالكية، ومدينة تربه سبيي، عربت إلى القبور البيض، ثم غير اسمها إلى القحطانية، وبلدة چل آغا التي تم تعريب اسمها إلى الجوادية، ومدينة عامودا ومدينة الدرباسية، ومدينة رأس العين، وهذه المدن كلها تقع في الجزيرة السورية، ومدن عفرين وكوباني وراجو وغيرها تقع في محافظة حلب.

ومن الناحية الدينية فإن الأغلبية الساحقة من الكرد السوريين هم من المسلمين السنة، ومن أتباع المذهب الشافعي تحديداً، وتوجد بينهم فئة صغيرة من أبناء الطائفة اليزيدية يقدر عددها بحوالي 25000 نسمة تشكل 1% فقط تسكن في مجموعة من قرى الجزيرة (شمال شرق سورية) ومنطقة جبل سمعان ووادي عفرين جبل الأكراد، إلى جانب فئة أصغر منها من أبناء الطائفة النصيرية (العلوية) التي يتركز وجودها فقط في قرية معبطلي التابعة لمدينة عفرين.

وتنتشر بين كرد سورية طريقتان صوفيتان هما: القادرية والنقشبندية، وغالبية شيوخ الطريقتين جاؤوا إليها قادمين من تركيا، لا سيما بعد منع الحكومة التركية للطرق الصوفية فيها بعد إلغاء الخلافة في العام 1924م، ويذكر الباحث الهولندي بروينسن في كتابه (الآغا والشيخ والدولة)، أن "بلدة عامودا (السورية الواقعة على الحدود التركية) وحدها كانت خلال ثلاثينات (القرن العشرين) موطناً لأكثر من ثلاثين شيخاً (صوفياً)، وكانت الغالبية العظمى من السكان في تلك الأيام مريدي شيخ ما أو سواه".

وعلى أية حال فقد أسهم الكرد بقوة في طرد المستعمر الفرنسي، إذ من المعروف أن يوسف العظمة الكردي وزير الحربية السوري كان أول من واجه الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال غورو، واستشهد على أبواب دمشق في العام 1920م، وأحد القواد الثلاثة للثورة السورية الكبرى كان المجاهد (إبراهيم هنانو الكردي قائد ثورة جبال الزاوية)، إلى جانب الشيخ صالح العلي، وسلطان باشا الأطرش. وكان محو بشاشو الكردي أول من أطلق الرصاص على الجيش الفرنسي في حلب. وفي الجزيرة كانت هناك انتفاضة عامودا الكردية ضد قوات الاحتلال الفرنسي الذين دعموا المسيحيين الذين ثاروا ضد الكرد، وقد اضطرت القوات الفرنسية إلى استعمال المدفعية والطيران لإخمادها، وقاد الكرد ثورة بياندور شرق مدينة القامشلي في العام 1923م، وقتلوا قائد الحملة الفرنسية على الجزيرة الكولونيل روغان ومساعده، وبشكل عام قاسى الوطنيون الكرد من الاعتقال والنفي بسبب كفاحهم للمستعمر الفرنسي، كما خاضوا كل الحروب السورية ضد إسرائيل.

ويتشكل المجتمع الكردي من مجموعة من العشائر هي امتداد للعشائر الكردية في كردستان تركيا وكردستان العراق، ومن العشائر الكردية على سبيل المثال لا الحصر: كيكان، ملان، الميران، الدقورية، كابارا، كوجر، آشيتي، البرازية، شيخان، بارافا، هارونا، هسنان، شكاكا، الميرسينية، بادلي، وغيرها كثير من العشائر. والحقيقة أن دور العشيرة في المجتمع الكردي في تضاؤل مستمر لمجموعة من الأسباب الموضوعية، منها: التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الحاصل في الساحة السورية عموماً، ونمو الوعي القومي، ونشاط الأحزاب السياسية الكردية والتطور الثقافي بين الكرد.

وأكثرية الكرد في سورية من المزارعين. ويقيم أكثرية الكرد في الريف ويعملون بشكل رئيس في الزراعة، كما يعمل قسم منهم في تربية الماشية والبقر، وأهم الزراعات في المناطق الكردية هي: زراعة الحبوب بأصنافها كافة والقطن والخضروات. وتعد منطقة عفرين الجبلية من أهم مناطق زراعة الزيتون وصناعتها في سورية. ويقبل الشباب الكردي على العلم بشكل واسع، حيث تلتحق أعداد كبيرة ومتزايدة منه بالجامعات السورية بالرغم من ضآلة حصولهم على فرص عمل، بينما تشكل العمالة الكردية جزءاً مهماً من العمالة الفنية الخبيرة على مستوى البلاد وبشكل خاص في قطاع البناء والصناعة، إضافة إلى أن أعداداً كبيرة منهم يعملون أجراء في مهن الخدمات وبخاصة في المطاعم وغيرها في معظم المدن السورية، كما أن التجارة أصبحت من المهن التي يتقدم فيها الكرد بشكل ملحوظ.

وبخصوص وضع المرأة فمن المعروف تاريخياً أن المرأة تحتل مكانة مهمة في المجتمع الكردي وتحتفظ بقدر من الحرية أوسع من المرأة في المجتمع العربي والتركي والفارسي، ويؤكد ذلك المستشرقان الروسيان مينورسكي، وباسيل نيكيتين ذلك في كتاباتهما حول الكرد، حيث يستندان إلى مشاهداتهما الشخصية أثناء تجوالهما في المناطق الكردية، وهذا ما كان مصدر فخر للنخبة المثقفة العلمانية، على أساس أنها تقربهم أكثر من المجتمعات الأوروبية التي تنادي بحرية المرأة.

الكرد السوريون والحركة السياسية

في مدينة عامودا الواقعة في الجزيرة السورية أجبرت سلطات الاحتلال الفرنسي أعضاء المنظمة الوطنية الكردية (خويبون) المؤسسة في العام 1927م والمؤلفة بصورة رئيسة من مثقفين ذوي خلفيات أرستقراطية وعشائرية على الإقامة هناك، فكان أن جعل الشيوخ الصوفيون من نشاطات هذه المنظمة بين صفوف سكان بلدة عامودا أمراً أقرب إلى الاستحالة، من خلال إدانة نزعتهم القومية والعلمانية، وكان الشيوخ القادريون على وجه التحديد الذين كانوا جميعاً من السادة ومن ثم يعدون أنفسهم من أصول عربية لا كردية يرددون على مسامع الحاضرين بأن الإسلام لا يعرف سوى أمتين: أمة المؤمنين، وأمة الكافرين، وكانوا يعدون النزعة القومية الكردية التي تدعو إليها (خويبون) مؤامرة علمانية لتقسيم أمة الاسلام، على أساس وجود تقارب بين الأخيرين وبين اليزيديين الكرد ونخبة من رجال الدين النصارى المهجرين إلى سورية قادمين من تركيا، والمدعومين من ضباط مخابرات فرنسيين والمرسلين الدومنيكان الفرنسيين الذين كان لهم في تلك الحقبة نشاط تنصيري وثقافي واجتماعي ملحوظ بين الأقليات الدينية والإثنية في منطقة الجزيرة السورية.

وبخصوص الحياة السياسية في المجتمع الكردي في سورية فقد نشطت جمعية خويبون (الاستقلال)، وكانت الاخيرة تضم جيل الرواد من المثقفين الكرد من أمثال: الأخوان جلادت عالي بدرخان وكاميران عالي بدرخان الذين هربوا من البطش الكمالي التركي، وقدري جان وعثمان صبري، وحاجو آغا زعيم تحالف الهفيركان العشائري، وممدوح سليم، وجكر خوين (شاعر) وغيرهم، وكانت هذه الجمعية تنشط على مستوى عموم كردستان غير أنه لم يكن لها تأثير كبير على المجتمع الكردي بالنظر إلى أنها كانت محصورة ضمن بعض القوميين من مثقفي النخبة ومن زعماء العشائر والبكوات، إضافة إلى أن أسلوب عملها لم يكن يساعد على إنهاض المجتمع الكردي، وفق رأي أحد السياسيين الكرد من المحسوبين على اليسار، ولكن الحقيقة أنها استطاعت إيقاظ الشعور القومي على أقل تقدير في غرب كردستان، إن لم يكن في كل أرجاء كردستان.

وأقبل الشعب الكردي في سورية بشكل واسع على الانخراط في صفوف الحزب الشيوعي السوري وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية وبداية استقلال سورية؛ لأن كثيراً من الكرد رأوا في الحزب المذكور طريقاً للخلاص القومي، وكان وجود (خالد بكداش) الكردي على رأس الحزب الشيوعي السوري يشجع على ذلك، وقد لعب الحزب الشيوعي السوري فيما بعد دوراً كبيراً في تعزيز مبادئ الماركسية والعلمانية بين الجماهير الكردية، وهو ما كان له الأثر الكبير في زعزعة إيمان عدد كبير من المثقفين الكرد، وكان له تداعيات خطيرة فيما بعد على الساحة السياسية الكردية؛ لأن غالبية الأحزاب الكردية السورية تكاد تكون قد خرجت من رحمه، رغم أن قسماً منها حاول النضال من أجل نيل الحقوق القومية الثقافية والسياسية للكرد؛ إلا أنها استندت في طروحاتها ونظرياتها إلى الأسس الماركسية اللينينية الموضة الشائعة آنذاك في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كان الخلاف في مجمله حول طرح أولويات النضال القومي على النضال الطبقي عند النخبة الكردية التي كانت إلى حد كبير تتفهم الواقع الكردي أكثر من الشيوعيين السوريين.

وتم تأسيس أول تنظيم سياسي كردي باسم (الحزب الديمقراطي الكردي في سورية) في 14 /6/ 1957م، واستطاع هذا الحزب في زمن قياسي أن يجمع حوله أوسع قطاعات الكرد في سورية، وقد تعرض للملاحقة بدءاً بمرحلة الوحدة السورية المصرية 1958-1961م، ومروراً بحقبة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي الذي سيطر على مقاليد الأمور في سورية بدءاً بشهر آذار في العام 1963م ولغاية الآن، ولأسباب موضوعية فقد انقسم هذا الحزب في 5 آب 1965م إلى حزبين يسار ويمين.

ويبدو من سياق تاريخ مجمل الأحزاب الكردية السورية أن انشقاقاتها وتشظياتها إلى أحزاب وحركات جديدة؛ كانت تعددية مفرطة لا تتفق مع ضرورات الكرد واحتياجاتهم، ويبدو أن التفسيرات المختلفة للنظرية الماركسية اللينينية وتطبيقها على الواقع الكردي؛ كان أحد الأسباب المهمة، فضلاً عن أن العامل الذاتي لعب أدواراً في ذلك؛ كل ذلك كان على حساب الإسلام بوصفه ديناً ونظام حياة؛ لأن خمسينيات وستينيات القرن العشرين أفرزت تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة، لا سيما بعد الوحدة المصرية – السورية 1958-1961م وظهور المد القومي العربي الذي نادى بها عبد الناصر في خطاباته؛ وهو ما أدى إلى تقوية الوعي القومي الكردي بصورة غير مباشرة، هذا الوعي الذي تلقى عوناً من أخبار الحركة الكردية التي قادها الزعيم الكردي العراقي الملا مصطفى البارزاني ضد الحكومة العراقية في العام 1961م وما بعدها.

 وقد تكررت ظاهرة الانقسامات في الحركة الكردية في سورية في العقود الأخيرة، وتوجد الآن على ساحة العمل السياسي الكردي أكثر من ثلاثين حزباً سياسياً.

 إن تنامي النزعة القومية الكردية المؤسسة على الأفكار اليسارية والعلمانية، كل ذلك أدى إلى فقد الشيوخ الصوفيين نفوذهم أمام هذه التطورات، لا سيما أن التصوف بموروثه العقائدي والطرقي وإلى حد ما الخرافي لا يستطيع مواجهة الأفكار العلمانية؛ لأن كثيراً من أبناء الشيوخ أنفسهم انتموا إلى حركات وأحزاب يسارية في رد فعل على النهج غير العلمي والعقدي للشيوخ ومريدي تلك الطرق؛ وهذه تتم مواجهتها فقط عن طريق العقيدة الإسلامية الصحيحة التي كانت في بدايات نهوضها في تلك الحقبة في المنطقة الكردية، والتي لم تستطع إكمال مشوارها أو الوقوف على قدميها؛ لأن الانقلاب البعثي في سورية في العام 1963م وقف عقبة كأداء في وجه الصحوة الإسلامية المتنامية في سورية، ووجه لها ضربات قوية لا سيما في عقود السبعينيات أيام التصويت على الدستور، والثمانينيات من القرن العشرين (مجزرة حماه في العام 1982م وتدمر مثالان على ذلك)، وكانت لها تداعياتها الخطيرة على مجمل الساحة السورية عامة والكردية خاصة.

موقف النظام العلوي من الكرد السوريين

في الوقت الذي كان النظام العلوي السوري يحارب الحركة القومية الكردية السورية، ويلغي الهوية الكردية، ويمنع تجنيس آلاف الكرد بالجنسية السورية التي حرموا منها في عهده وعهد سلفه، ويلقي بقياداتها وكوادرها في السجن؛ كان يمنح تسهيلات ومساعدات كبيرة للأحزاب الكردية العراقية العلمانية والإسلامية على حد سواء، التي كانت تناضل ضد نظام صدام حسين في العراق من أجل الحقوق الكردية، حيث سمح لمجاميع منهم بالتدريب في معسكرات الجيش السوري، وسهل لهم مرور السلاح المرسل إليهم من ليبيا القذافي وجهات أخرى، والموافقة على إقامة بعض قياداتهم وكوادرهم العليا في دمشق والقامشلي وفتح ممثليات لهم فيها، مع توفير ضمانات الإقامة والسكن والتنقل من إيران وليبيا والدول الأوروبية وإليها.

 وفي الوقت نفسه كانت هناك خلافات أيضاً بين النظام السوري والنظام التركي بسبب فقدان لواء الاسكندرونة السوري في العام 1939، والخلاف حول السدود العديدة التي أنشأتها تركيا على نهر الفرات، وهو ما أدى إلى تذبذب مناسيب المياه القادمة إلى سورية كمنسوب مياه نهر الفرات الذي يتدفق إلى الأراضي السورية قادماً من تركيا؛ لذلك قام الرئيس السوري العلوي حافظ الأسد باحتضان قيادة حزب العمال الكردستاني التركي الذين فروا إليها في العام 1980 بعد اشتداد الحملة الأمنية التركية ضدهم، وقدم للحزب ولزعيمه (عبدالله أوجلان) كل الإمكانيات المتوفرة وهو ما ساعد الحزب على تعزيز قواعده وشن هجمات ناجحة في العمق التركي، وقد وفرت السلطات السورية كل التسهيلات بما فيها إقامة قواعد التدريب له في سورية وفي سهل البقاع اللبناني حيث مقر القيادة وقاعدة التدريب الرئيسة بدءاً بالعام 1984م، مع الدعم اللوجستي لشن هجماته على الأراضي التركية.

وفضلاً عن ذلك كان يغض النظر عن التحاق الكرد السوريين بصفوف حزب العمال الكردستاني التركي بغية مقاتلة النظام التركي أيضاً، وعندما رفع حزب العمال في البداية شعار كردستان مستقلة؛ تمتع بتعاطف كردي كامل في سورية، ولم يجد صعوبة في تجنيد كثير من الشباب في جو مشحون بالحماسة القومية ونسبة عالية من البطالة، وكانت السلطات السورية الأمنية تغض النظر عن التحاق هؤلاء الشباب بالحزب بناء على تعليمات القيادة السورية. إنها لعمر الحق مفارقة؟.

وهكذا استطاع الرئيس السوري (العلوي) بذكاء شديد أن يصدر المشكلة الكردية إلى خارج حدود بلاده، أي: ترك الكرد والعرب والترك (جميعهم من أهل السنة) يتصارعون فيما بينهم)؛ وذلك باستخدام الكرد ورقة ضغط على تركيا من أجل حل مشكلة توزيع مياه نهر الفرات، وإبعاد أية ضغوط على النظام العلوي الحاكم.

 وقد سمح حافظ الأسد بدخول ستة أكراد إلى البرلمان السوري في العام 1990، وهم بالدرجة الأولى أعضاء في الحزب الشيوعي السوري الذي تربطهم به علاقات إثنية تقليدية، وكان الأخير عضواً في الجبهة الوطنية التي شكلها حزب البعث مع بعض الأحزاب السائرة في فلكه تجميلاً لوجهه القبيح أمام أنظار العالم، وقد زاد عددهم فيما بعد ليصل إلى 38 عضواً وذلك في إشارة إلى أنه ليس عنصرياً ويتعامل مع الكرد السنة بشكل علماني وهو ما روج له كثيراً.

ومع ذلك لم يسمح حافظ الأسد مطلقاً بعودة 140 ألف كردي إلى ديارهم فى محافظة الجزيرة، وهو بذلك كشف عن الوجه الآخر لعنصريته وطائفيته، كما لم يسمح لأكراد سورية بإنشاء جمعيات أو نقابات كردية. ورفض النظام السوري أيضاً السماح للأكراد بإنشاء مدارس كردية، على غرار المدارس المسيحية للأرمن والسريان والكلدان، ومن ثم حرمانهم من التحدث بلغتهم الخاصة، في الوقت الذي يسمح بالتحدث باللغات الأجنبية غير العربية.

المشروع الوطني الكردي قبل الانتفاضة السورية

تنطلق كل الأحزاب الكردية في سورية من الأرضية السورية، وتعدها ساحة نضالها الرئيسة مع التنويه بأن انطلاقها من الأرضية السورية لا يعني عدم تعاطفها مع أبناء جلدتها في كردستان العراق وتركيا وإيران وبشكل عام مع الأكراد في كل أماكن وجودهم.

كما تعد الكرد في سورية جزءاً من الشعب السوري، ولا تستخدم معظم الأحزاب الكردية في سورية تعبير كردستان سورية، بل تعتبر نفسها جزءاً من الحركة السياسية الوطنية والتقدمية والديمقراطية في سورية، وتحدد أسلوب عملها بالنشاط السياسي الجماهيري الديمقراطي السلمي، وبربط نضالها مع نضال كل الوطنيين والتقدميين والديمقراطيين في سورية على اختلاف انتماءاتهم، وهي تؤكد أنها لن تنجر إلى أساليب العنف، بل إنها ترفض وتدين بشدة كل أشكال العنف، وكل أشكال الانتقام والحروب الأهلية.

وتطالب هذه الأحزاب بتأمين حقوق الكرد القومية المتمثلة في الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية في إطار الوطن السوري، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الجنس أو العرق، وإلغاء تطبيق القوانين الاستثنائية ولا سيما المرسوم التشريعي رقم 193 وغيره من الإجراءات والتدابير التي تؤدي إلى عرقلة التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعب الكردي، إضافة إلى سلسلة من القرارات والأوامر الإدارية التي لا يمكن حصرها، كما تناضل من أجل إطلاق الحريات الديمقراطية؛ كحرية التعبير وحرية الصحافة.

ورغم ما حدث في مارس/ آذار 2004 فيما يعرف بأحداث القامشلي إلا أن الحركة الوطنية الكردية في سورية لا تعد نفسها حركة قومية كردية فقط وإنما تطرح نفسها بوصفها حركة وطنية على مستوى سورية وحركة تقدمية وحركة ديمقراطية في آن واحد، وهي تربط نضالها القومي بالنضال الوطني السوري العام، بمعنى أن همها ليس فقط هماً قومياً كردياً، وإنما هماً وطنياً سورية أيضاً.

وهذه الحركة تعد أحداث القامشلي فتنة أقدمت على افتعالها جهات محدودة من السلطة حينما أوصلت الأمر إلى استعمال الرصاص الحي ضد المواطنين الكرد في ملعب كرة القدم بالمدينة، وهو ما أدى إلى الهبّة الشعبية للجماهير الكردية في كل مناطق وجودها، وقدمت تلك الجماهير عشرات الشهداء ومئات الجرحى وحوالي 5000 معتقل استشهد بعضهم تحت التعذيب.

وينبغي القول: إن الأحزاب الكردية كافة في سورية محظورة وغير مرخصة لها لعدم وجود قانون للأحزاب في سورية، وهي تمارس نشاطها بشكل سري، غير أنه من المعروف أن أغلبية الأحزاب السورية ومن بينها الكردية أصبحت تعمل بشكل علني منذ العام 2000م، ولهذا السبب قلما تخلو السجون السورية من المعتقلين السياسيين الكرد بسبب قيامهم بأنشطة سياسية مثل: القيام بالاعتصامات في العاصمة دمشق، أو تنظيم الاحتفالات والندوات السياسية... إلخ.

وتبذل الحركة الوطنية الكردية جهداً كبيراً من أجل تعزيز التلاحم الوطني بين الكرد وغيرهم من أبناء الشعب السوري بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية، ويمكن القول إنها تحقق تقدماً ملحوظاً في هذا الاتجاه، بالرغم من صعوبة إيصال خطابها السياسي وتعقد الأوضاع الداخلية، كما يمكن القول أيضاً إن مختلف مكونات الشعب السوري والقوى السياسية في سورية قد بدأت مرحلة جديدة تتميز بالتفهم والواقعية للواقع الكردي.

والحركة الوطنية الكردية في سورية ترى أن حل القضية الكردية في سورية يتم في دمشق وليس في مكان آخر، وأنه مرتبط تماماً بحل المسائل الديمقراطية لباقي أبناء الشعب السوري، وتكرس هذه الرؤية في الممارسة العملية، وهكذا فإن مواقفها هذه تنعكس بشكل إيجابي على كل الوطنيين السوريين على اختلاف أطيافهم.

خريطة الأحزاب السياسية الكردية بسورية بعد الانتفاضة

بعد الانتفاضة السورية في 15 آذار 2011م صدر قانون جديد للأحزاب يتيح للمرة الأولى التعددية السياسية وإنشاء الجمعيات والأحزاب السياسية، كما صدر الدستور الجديد الذي ينهي هيمنة حزب البعث على السلطة.

وتعمل الأحزاب المحظورة وغير المرخصة بشكل سري وبدرجات مختلفة من التسامح من قبل الأطراف الحكومية، فالأحزاب الكردية والآشورية عليها رقابة، أما الرقابة الأشد فهي على الأحزاب الإسلامية، على سبيل المثال: يعاقب القانون بالإعدام من ينتسب لجماعة الإخوان المسلمين السورية، وينصّ القانون على إجبار الأحزاب تبني رؤية الدستور للجمهورية، بما فيها القومية العربية رغم وجود أحزاب ترفض هذه الفكرة مثل: الحزب السوري القومي الاجتماعي.

وتتألف الحركة السياسية الكردية في سورية من 12 حزباً كردياً، وكذلك من 3 أطر سياسية جامعة، إضافة إلى عدد من الأحزاب الأخرى خارج الأطر المذكورة وهي:

أولاً: المجلس السياسي الكردي في سورية ويضم حالياً 8 أحزاب كردية، ويعد الإطار الرئيس الذي يضم معظم أطراف الحركة الكردية في سورية؛ حيث تمكنت الحركة لأول مرة في العام 2009 من تأسيس ائتلاف عريض كهذا الذي يتألف من:

 1- الحزب الديمقراطي الكردي في سورية (البارتي) جناح الدكتور عبد الحكيم بشار، وهو قريب من الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي برئاسة مسعود البارزاني وحليفه التقليدي في مختلف المراحل.

2- الحزب اليساري الكردي في سورية: يقوده محمد موسى محمد، وهو حزب علماني تأسس في 5 أغسطس (آب) 1965. ويعد المرحوم عثمان صبري الذي أسس أول حزب سياسي كردي في سورية في العام 1975 رمزاً لليسار الكردي في سورية ولعموم المنحدرين من مدرسة اليسار الكردي في سورية.

3- حزب اليكيتي (الاتحاد) الكردي في سورية: يقوده الآن إسماعيل حمي، ويتميز هذا الحزب بأن الأمين العام أو السكرتير فيه يتبدل بشكل دوري، بحيث يتولى أحد أعضاء المكتب السياسي هذا المنصب لمدة 3 أو 4 سنوات، وينفرد اليكيتي من بين الأحزاب الكردية بهذا التقليد الديمقراطي، وهو حزب يساري التوجه وينحدر من المدرسة اليسارية نفسها.

4- حزب آزادي الكردي في سورية: يقوده خير الدين مراد، المقيم خارج سورية، في النرويج تحديداً، ويعد هذا الحزب أيضاً حزباً علمانياً وذا ميول يسارية وينحدر من المدرسة ذاتها التي انحدر منها كل من اليكيتي واليساري الكردي في سورية.

5- الحزب الديمقراطي الكردي في سورية (البارتي)، جناح نصر الدين إبراهيم، الذي يعد أكثر اعتدالاً، لكنه يعد سليل مدرسة اليسار الكردي، وبرز هذا الفصيل على الساحة حينما انقسم البارتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي إلى فصيلين، إثر وفاة سكرتيره العام كمال أحمد آغا بحادث سير، ويرتبط جناح البارتي هذا بتحالف مع الحزب اليساري الكردي.

6- الحزب الديمقراطي الكردي السوري، الذي يقوده جمال شيخ باقي: ويعتبر من الأحزاب المعتدلة في الحركة الكردية، ويتميز بموضوعية طرحه وأفكاره السياسية وهدوئه وعدم انجراره إلى المعارك الجانبية الكردية - الكردية.

7- حزب المساواة الديمقراطي الكردي في سورية: يتزعمه عزيز داود، وانفصل هذا الحزب عن الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سورية منذ تسعينيات القرن الماضي، ويتحالف مع البارتي، جناح الدكتور عبد الحكيم بشار.

8- الحزب الوطني الديمقراطي الكردي في سورية: يتزعمه طاهر صفوك، الذي انفصل عن حزب المساواة الديمقراطي الكردي في سورية بعد وقت قصير من انفصاله مع عزيز داود عن حزب عبد الحميد درويش، ويتحالف بدوره مع البارتي، جناح الدكتور عبد الحكيم بشار.

ثانياً: أحزاب المجلس العام للتحالف الديمقراطي الكردي في سورية ويتألف من حزبين فقط، وهما:

1- حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سورية: ويتزعمه محيي الدين شيخ آلي، الذي انفصل عن «البارتي» حينما كان موحداً منذ ثمانينيات القرن الماضي.

2- الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سورية: ويقوده عبد الحميد درويش، وتربطه علاقة تحالفية مع حزب الوحدة الديمقراطي إلى جانب عدد من المستقلين.

ثالثاً: الأحزاب الخارجة عن الإطارين:

1- حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي القريب من حزب العمال الكردستاني، الذي يقوده حاليا (صالح مسلم)، ويطالب بالإدارة الذاتية لكرد سورية، وهو حزب جماهيري كبير قياساً بباقي أحزاب الحركة الكردية في سورية.

2- تيار المستقبل الكردي في سورية، الذي جمد عضويته في المجلس السياسي الكردي في سورية، وكذلك في مجموع الأحزاب الكردية ويقوده مشعل التمو (اغتيل مؤخراً).

رابعاً: مجموع أحزاب الحركة الكردية في سورية وهو إطار تشكل بعد انطلاق الثورة السورية الحالية في 15 مارس (آذار) الماضي، ويضم كل الأحزاب الواردة أسماؤها أعلاه عدا تيار المستقبل الكردي. وأطلقت هذه الأحزاب مجتمعة مبادرتها الشهيرة من مدينة قامشلو الواقعة شمال شرق سورية بُعيد انطلاق الاحتجاجات في المدن الكردية، التي تنطوي على الرؤية الكردية أو خريطة الطريق الكردية؛ لحل المسألة السورية عامة والكردية خاصة، على قاعدة الاعتراف الدستوري بالكرد بوصفهم ثاني أكبر قومية في البلاد.

خامساً: أحزاب أخرى خارج الأطر الثلاثة وهي أحزاب كثيرة، لكن لا يوجد إجماع من قبل الأحزاب المذكورة أعلاه بالاعتراف بها، وهو الأمر الذي يبقيها خارج الأطر الكردية، وكذلك أطر المعارضة الوطنية السورية أيضاً، وتبقى معزولة عن الحراك بسبب إشهار الفيتو في وجهها من قبل الأحزاب الأخرى؛ إذ يكفي استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل أحد الأحزاب الـ12 التي سبق ذكرها بحق هذا الحزب الجديد أو ذاك، ليبقى معزولاً حتى ينال رضا الجميع.

تتوزّع جماعات المعارضة الكردية السورية بين ثلاث هيئات:

1- المجلس الوطني الكردي في سورية.

2- المجلس الوطني السوري.

3- هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي.

ومع ذلك فإن أغلب هذه الجماعات أعضاء في المجلس الوطني الكردي في سورية الذي هو بمنزلة مظلة تضم ستة عشر حزباً كردياً سورياً.

كيفية تشكيل المجلس الوطني الكردي

تشكّل المجلس الوطني الكردي في سورية في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، في أربيل بالعراق برعاية مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق. وقد حظي المجلس في البداية بدعم الأحزاب الكردية التي كانت منضوية في السابق تحت لواء الجبهة الديمقراطية الكردية، والتي كانت تضمّ أحد عشر حزباً سياسياً كردياً سورياً. وقد أعقب تشكيل المجلس الوطني الكردي بوصفه مظلة مُعارضة لنظام الأسد إنشاء المجلس الوطني السوري الجماعة المعارضة الرئيسة في المنفى في الشهر نفسه.

تتكون الجمعية العمومية من 26 عضواً، خمسة عشر منهم من قادة الأحزاب الأعضاء في المجلس، وأحد عشر من المستقلين. يرأس الدكتور عبدالحكيم بشار الذي كان يشغل منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردي في سورية (البارتي)؛ الهيئة التنفيذية للمجلس الوطني الكردي. وتتولّى اللجان المختلفة مسألة التحاور مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والمجلس الوطني السوري، وهيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي. وهناك أيضاً لجان تتعامل مع قضايا التعليم والثقافة والشؤون الخارجية.

وبدءاً بأيار/مايو 2012؛ أصبح المجلس الوطني الكردي يضم ستة عشر حزباً كردياً.

وكانت العلاقات بين (المجلس الوطني السوري)، و(المجلس الوطني الكردي) مضطربة منذ البداية. فقد رفض الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري الدكتور برهان غليون الطلب الرئيس للمجلس الوطني الكردي باعتماد الفيدرالية في سورية ما بعد الأسد، معتبراً أنه "وهم".

 وفي كانون الأول/ ديسمبر 2011 عرض المجلس الوطني السوري الاعتراف بالأكراد دستورياً بوصفهم جماعة إثنية منفصلة في الدستور الجديد، وحلّ القضية الكردية من خلال "إزالة الظلم والتعويض على الضحايا، والاعتراف بالحقوق الوطنية الكردية ضمن سورية موحّدة أرضاً وشعباً". وعلى رغم ذلك، وصلت المحادثات التي عقدها الدكتور برهان غليون مع رئيس المجلس الوطني الكردي السوري عبد الحكيم بشار بحضور مسعود البارزاني في أربيل في كانون الثاني/يناير 2012 إلى طريق مسدود.

 الصراع بين الأحزاب والهيئات الكردية

بقي هناك خلاف مهم بشأن كيفية تعريف "اللامركزية"، والتي تم اقتراحها لمنح الحكم الذاتي للأكراد في سورية ما بعد الأسد. وفي حين يسعى المجلس الوطني الكردي إلى تحقيق اللامركزية "السياسية"، وهو ما يعني حكماً ذاتياً رسمياً؛ رفض المجلس الوطني السوري التفاوض حول كل ما يتجاوز اللامركزية "الإدارية"، وإزاء التزام برهان غليون رئيس المجلس السابق المتواصل باللامركزية الإدارية؛ علّقت كل الأحزاب الكردية (باستثناء حزب المستقبل الكردي برئاسة فارس تمّو) عضويتها في المجلس الوطني السوري في أواخر شباط/ فبراير2012م، وانضمّت إلى المجلس الوطني الكردي، وقد بلغ التوتّر بين المجلس الوطني الكردي والمجلس الوطني السوري ذروته في أعقاب نشر الأخير "الميثاق الوطني- المسألة الكردية في سورية" فى أوائل نيسان/ أبريل 2012م. حيث استبعدت الوثيقة الصياغة التي تعترف بالأمة الكردية داخل سورية والتي كانت واردة في مسودة البيان الختامي لاجتماع أصدقاء سورية في تونس. وقد دفع هذا الأمر المجلس الوطني الكردي إلى الانسحاب من محادثات الوحدة مع المجلس الوطني السوري واتّهم تركيا بالتأثير على نحو غير ملائم في سياسات المجلس الوطني السوري، وعلى الرغم من ذلك، خفّف المجلس الوطني الكردي مطالبته باللامركزية السياسية داخل سورية في أواخر نيسان/ أبريل 2012م، ووعد بالموافقة على برنامج سياسي مشترك مع بقية أطراف المعارضة السورية إذا تم قبول ما تبقّى من بنود في أجندته.

لم تكن علاقات المجلس الوطني الكردي مع تحالف المعارضة الرئيس الآخر (هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي) مختلفة كثيراً؛ إذ كان موقف الهيئة الأصلي يتوخّى "حلاً ديمقراطياً للقضية الكردية في إطار وحدة الأراضي السورية لا يتعارض مع كون سورية جزءاً لا يتجزأ من العالم العربي".

 وفي شباط/ فبراير 2012م؛ انسحبت الأحزاب الكردية التي كانت منضوية تحت راية هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، (باستثناء حزب الوحدة الديمقراطي الكردي)، وانضمّت إلى المجلس الوطني الكردي.

وفي نيسان/ أبريل2012م ليّنت هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي موقفها، وأيّدت تطبيق "مبادئ اللامركزية" في سورية المستقبل.

في 11 حزيران/ يونيو 2012م؛ وقّع المجلس الوطني الكردي اتفاقية تعاون مع مجلس شعب غربي كردستان، وهي الهيئة التي أنشأها حزب العمال الكردستاني في تركيا، وتتبع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، المنافس الرئيس للمجلس الوطني الكردي في سورية، وقد شكّل مجلس شعب غربي كردستان والمجلس الوطني الكردي مجلساً أعلى كردياً مشتركاً في اتفاق تكميلي عقد في 1 تموز/ يوليو2012م، والتزما بإنشاء لجان أمنية وكذلك قوات دفاع مدني غير مسلّحة لحماية المناطق الكردية.

ومثّلت هذه الاتفاقيات التي تمت برعاية مسعود البارزاني محاولة لتشكيل جبهة كردية موحّدة في غرب كردستان، والتوصّل إلى حلّ لتقاسم السلطة بين المجلس الوطني الكردي (المقرب من الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي)، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (المقرب من حزب العمال الكردستاني)؛ ومع ذلك فإن الاتهامات التي وجهت إلى الأخير، حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، بشنّ هجمات جسدية ضد بعض المعارضين الأكراد في سورية؛ تشير إلى أن الاتفاق لا يطبّق على أرض الواقع، ويفسّر استمرار التوتّرات بين الفصيلين الكرديين الرئيسين.

العلاقات الدولية والإقليمية للمجلس الوطني الكردي

المجلس الوطني الكردي متحالف بشكل وثيق مع مسعود البارزاني وحكومة إقليم كردستان العراق. ومع أن هذه الأخيرة تعيش شهر عسل في علاقاتها مع تركيا؛ إلا أن المجلس الوطني الكردي ينظر إلى الحكومة التركية بعين الشك والريبة ويتّهمها بالضغط على المجلس الوطني السوري لحمله على عدم الرضوخ لمطلب الحكم الذاتي الذي ينادي به المجلس الوطني الكردي في سورية. ويعزو المجلس الوطني الكردي ذلك إلى العلاقات الوثيقة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وبين جماعة الإخوان المسلمين السورية، والتي تعارض الفيدرالية بشدّة ويعتقد أنها تهيمن على المجلس الوطني السوري.

على الصعيد الدولي؛ يسعى المجلس الوطني الكردي إلى تطوير علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والقوى الغربية الأخرى.

 ففي أوائل أيار/ مايو 2012 زار وفد بقيادة الدكتور عبد الحكيم بشار البيت الأبيض ووزارة الخارجية الامريكية؛ لمناقشة مخاوف أكراد سورية مع مسؤولين أميركيين.

البرنامج السياسي للمجلس الوطني الكردي

  • الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكردية وبـ"الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية".

  • إلغاء السياسات والقوانين المطبّقة على أكراد سورية، بما في ذلك حظر استخدام اللغة الكردية وإنشاء المدارس الكردية، والتعويض على المتضررين حتى الآن.

  • تحقيق "اللامركزية" السياسية في الحكم في سياق وحدة الأراضي السورية.

    الخاتمة:

    مما لا شك فيه أن مطالبات النخب الثقافية والناشطين في الأحزاب والحركات الكردية زادت في الآونة الاخيرة، بعد المعاناة الشديدة مع النظام العلوي الطائفي الذي ألغى الهوية والثقافة الكردية لأكثر من أربعين عاماً، حيث طالبوا بالحقوق السياسية الكردية من خلال اللامركزية السياسية (الحكم الذاتي أو الفيدرالية)، من خلال تقسيم سورية إلى أربع مناطق أو فيدراليات تفي بمتطلبات الواقع القومي والطائفي للشعب السوري: إحداها للكرد في الشمال، والثانية للعلويين في الساحل وأجزاء من الوسط، والثالثة للدروز في الجنوب الغربي، والرابعة للعرب السنة في الوسط والشرق، وتم بهذا الخصوص نشر خرائط مخصوصة تظهر فيها مواطن هذه الفدراليات وحدودها.

    ويبدو في الجانب الآخر المعارض الذي يشدد على المركزية السورية؛ أن أوان هذه المطالب يجب أن تمنح تحت قبة البرلمان الذي سيشكل بعد تحرير سورية من النظام الطائفي العلوي، وأن البرلمان المنتخب هو الكفيل بمنح الحقوق للأطياف والأقليات السورية كافة، وهذه المطالبات تعيد إلى الأذهان ما قام به الاستعمار الفرنسي من تشكيل الدول السورية في بداية عهد الانتداب الفرنسي في عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

    وختاماً يبدو أن إجابة أحد السياسيين الكرد المخضرمين حول دور الأحزاب الكردية السورية في الانتفاضة السورية؛ تضع النقاط على الحروف:

    في حوار مع (إسلام أون لاين) أجرته مع المعارض والقيادي الكردي صلاح الدين بدر الدين مدير عام مؤسسة كاوه؛ أكد في جوابه عن أحد الأسئلة المتعلقة بمشاركة واندماج الأحزاب الكردية السورية مع الثورة السورية، قال ما نصه: "قبل الإجابة المباشرة أود توضيح حقيقة تغيب غالباً عن الأذهان وهي أن الحركة الوطنية الكردية السورية لا تقتصر على الأحزاب فقط بل تشكل الأحزاب مجتمعة (التي تفوق الثلاثين حزباً) الجزء الأقل والأضعف ولا تمثل أكثر من 5 إلى 7% من المجتمع الكردي، فالأحزاب لم تندمج بالثورة قراراً وتحضيراً وبرنامجاً وميدانياً ما عدا الحالات الفردية العابرة والأكراد كشعب وكطبقات اجتماعية وفئات وشباب ومستقلين وحركات مجتمع مدني شاركوا الثورة منذ أيامها الأولى وقدموا التضحيات، بل إن بعض الأحزاب تعاقد مع نظام الاستبداد مثل ملحقات (حزب العمال الكردستاني التركي) بمسمياتها المختلفة والبعض الآخر قرر اتخاذ موقف – الحياد – وانتظار من سينتصر، ومن الجدير بالذكر أن معظم المحللين يعتبرون الأحزاب الكردية السورية منتهية الصلاحية والمصداقية منذ هبة آذار الدفاعية عام 2004 والتي لم تتوفر شروط تحولها إلى انتفاضة وطنية شاملة بسبب عجز الأحزاب وتواطؤ قياداتها مع اللجنة الأمنية الموفدة وقتها في القامشلي بمشاركة الجنرالات: بختيار والمملوك ومحمد منصورة (وهي القيادات نفسها الآن لم تتغير) والتي اجتمعت في منزل القيادي في أحد الأحزاب السيد حميد درويش، ومن المفارقات أن المجلس الوطني الكردي أو مجلس الأحزاب الكردية التأم بنفس المكان وتحت أنظار البعض من اللجنة الأمنية تلك".