[ "سيف محمد والقرآن، هما أعند أعداء الحضارة والحرية الحقيقة الذين عرفهم العالم حتى اليوم" المستتشرق الاسكتلندي السير( وليم ميود) ] 

- كانت المقوله السابقة من عشرات المقولات المماثلة التي أوردها جيرمي سولت في كتابه: (تفتيت الشرق الأوسط؛ تاريخ الاضطرابات التي يثيرها الغرب في العالم العربي) 

هذا الكتاب الذي إذا قرأته فإن ذاكرتك حتماً ستعيدك إلى تلك الكتب التي تركت بصمتها في ذهن القارئ العربي في مجال علاقة الصراع بين الإسلام والغرب سواء من كتاب غربيين منصفين - أمثال المؤلف - على غرار : "الغارة على العالم الإسلامي" الشاتلية، أو "حاضر العالم الإسلامي" للوثروب استودارد أو "الإسلام على مفترق الطرق" لمحمد أسد( ليوبولد فايس) أو كتاب مسلمين أمثال : "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"،  للندوي، أو : "لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم" لشكيب أرسلان، أو كتابات محمد محمد حسين : "الإسلام والحضارة الغربية" و"حصوننا مهددة من داخلها". 

يأتي هذا الكتاب  ليعيد محاكمة العلاقة وفرزها على ذات النهج. 

يقول المترجم نبيل صبحي الطويل عن قيمة الكتاب: 

(بدأت منذ نصف قرن تقريباً تعريب ما أراه مهماً ومناسباً لنا، نحن أبناء الشرق الأوسط العرب(من الفرنسية والانكليزية) وهذا الكتاب، بدون مبالغة ولا تهويل، هو أفضلها - حتى الآن مزيداً من المعرفة عن الشرق الأوسط أكثر مما ترغب أو تقطيع أجهزة الإعلام التقليدية السائدة) على حد قول الناشر) 

 عاش المؤلف مدة في بيروت، وشاهد بأم العين المآسي التي سببها الغزو للعرب، كما سمح له عمله في الصحافة أن يطّلع على تاريخ المنطقة العربية، وتدخلات الغرب في كل شيء فيها وفرض التقسيم عليها وبث الفتن بين شعوبها وطوائفها واستلاب خيراتها.

فألف هذا الكتاب بحياد للذين يرغبون بزيادة معرفتهم بالبلاد العربية أكثر مما تستطيع وسائل الإعلام كشفه للقراء ليدرك الغرب الجواب على تساؤله : لماذا يكرهوننا.

يبدأ الكتاب بعرض الخلفية التاريخية للمنطقة، وينتقل بعدها لعرض التدخل الغربي الدموي فيها ابتداءً من غزو فرنسا للجزائر عام 1930 واحتلال بريطانيا مصر، مروراً بالحرب العالمية الأولى وخداع الغرب الشريف حسن بن علي وتجزئة البلاد العربية ثم تورط الولايات المتحدة في المنطقة وغرس إسرائيل فيها ودعم الغرب المستمر لها.

كل ذلك للحفاظ على المصالح الغربية، بل مصالح فئة من الرأسماليين الجشعين، باسم جلب المدنية والديمقراطية والحرية للمنطقة، مستهينين بالخسائر البشرية التي دفعتها وتدفعها شعوبهم، وبالتدمير والإبادة اللاإنسانية للمنطقة العربية.

وهو يعتمد الوثائق التي استطاع الوصول إليها في أرشيفات الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة ما مكّنه من فضح ما قرره الساسة وراء الأبواب المغلقة وفي الغرف المغلقة، وهو يغطي أحداث المنطقة التي حرّفوا اسمها فأسموها الشرق الأوسط.

 ويتحدث المؤلف عن الكتاب قائلاً : "وكتاب تفتيت الشرق الأوسط أُلف بمنتهى السرعة الملحة للقارئ العادي الذي يشعر بالحاجة لمعرفة المزيد عن الشرق الأوسط أكثر مما تستطيع أو تريد أجهزة الإعلام العامة ذكرَه وروايته، والكتاب ليس مجرد عدة سنوات من البحث والكتابة، بل كل ما تعلمته ووعيته عن الشرق الأوسط منذ وطئت قدماي رصيف مرفأ بيروت عام 1965، وكذلك لآلاف الوثائق ومئات الكتب والمقالات التي قرأتها"

  يبدأ الكاتب بفصل عن: المدنيّة وتناقضاتها ويخلص إلى أن المدنيات -أو  الحضارات- بصورة عامة تعتبر عضوية في طبيعتها، تبدأ منذ الولادة حتى الموت المحتوم، ولكنها تولد مرة أخرى في تجسدات مختلفة، فالمدنيات القديمة المتعددة لما كان يعرف بالمشرق أو الشرق الأدنى إلى أن جاء(ألفرد ثاير ماهان) الإمپريالي الأمريكي الرفيع والجغرافي البحري وبدأ يشير إلى المنطقة بتعبير الشرق الأوسط في بدايات القرن العشرين، ونشأ مجدداً تعبير الحضارة العربية والحضارة الإسلامية.

ثم يتحدث الكاتب عن فكرة أن(الغرب) و(الشرق) هي تركيبات سياسية تنوّعت مضامينها مع الوقت حسب التغيير في الأجندات الحكومية، ذاكراً العديد من الأمثلة في ذلك. 

وفي أهم فصول الكتاب: [فصل: الحضارات في الخط الأول للجبهة] يتحدث حول رجال دين وسياسيون وكاتبو كراريس قاتلوا من أجل حقوق الأقليات المسيحية المعرّضة لشرور الحكومات المحمديّة في الإمبراطورية العثمانية-حسب دعواهم - لقد رحبوا بهذا الدعم الأكاديمي لوجهة نظرهم بان الإسلام ذاته هو سبب مشاكلهم وليست النزاعات الدنيوية.. 

ويقرر أن أفكار التفوق الديني والعرقي لمدنيّة الغرب كانت لا تزال في ذهن السياسيين الذين دفعوا شعوبهم إلى الحرب العالمية الأولى، ومواضيع العرق لا تزال مستمرة في السياسات اليوم، وكذلك أعيد موضوع المدنيّة أو الحضارة لمركزيته في النقاش السياسي في نفس الوقت الذي يفتش قيه الزعماء والأكاديميون في الآفاق الواسعة عن تفسير للتوترات القائمة بين الإسلام والغرب.

وعلى ذات المنحى يتحدث في فصل عن مسلمي أوربا، وعن نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم.. 

ثم يتحدث الكاتب عن الفكرة الغربية التي تهدف إلى تأصيل أن مدنيّة الغرب ذاتية، وأن الإيحاء بعكس ذلك هو تخريب عميق للتقليد الذي استخدم لقرون لتبرير افتراض استثنائية الغرب وروعته. 

ويستمر في عرض تاريخي شائق يجوب القارات، ويقطع مفاوز التاريخ، ويصف الملاحم، في شواهد استدلالية على قواعد منطقية حول علاقة الغرب بالإسلام، ومنها حديثه عن الفكرة الغربية التي تهدف إلى تأصيل أن مدنيّة الغرب ذاتية، وأن الإيحاء بعكس ذلك هو تخريب عميق للتقليد الذي استخدم لقرون لتبرير افتراض استثنائية الغرب وروعته. 

 هذا العرض التاريخي المختصر يبين عدم وجود حقيقة، أي بتعبير أوضح كذب تعبير(حدود الإسلام الدموية) وفي الأخذ والرد بين الإسلام والغرب، تأرجحت الحدود بين الاثنين عبر القرون حسب القوة العسكرية والبراعة الدبلوماسية، ولم يكن لأي جهة أفضلية طوال الوقت، ومنذ بدايات القرن التاسع عشر كان الغرب الإمپريالي هو الذي يقرر الحدود وفي الغالب كان المسلمون هم الذين يموتون في آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان وأفريقيا وكان السلطان العثماني يحاول جاهداً الاحتفاظ بما عنده، ولكن لم يستطع خصوصا عندما بدأت الجيوش الفرنسية والبريطانية الزحف في الشرق الأدنى. »

 

- ويقف المؤلف في الاستعراض التاريخي المثير عند أهم المحطات التاريخية وآخر المنعطفات في العلاقة الملحمية بين الإسلام والغرب وهي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويطرح عدة تساؤلات مفتوحة : 

" هل ستعتبر أحداث ٢٠٠١/٩/١١ في يوم ما هي ناقوس الخطر الذي رن مؤذناً بنهاية القرنز الأمريكي الجديد تقريباً قبل أن يبدأ؟ هل حقاً نحن نقترب من نهاية عهد؟ هل السيطرة الغربية على بقية العالم لخمسمائة عام تقريباً قاربت نهايتها؟ هل هذا الأمر سيء بالنسبة للغرب وجيد بالنسبة لباقي العالم؟ أم هو جيد لنا جميعاً؟ " 

- ونؤكد ختاماً على ما أشرنا له بدءاً من أهمية قراءة هذا الكتاب، وتوجيه الأجيال لقراءته والإمعان فيه لفهم أعقد وأهم علاقة في تاريخ البشرية وأشدها تأثيراً على مستقبلها.