«الفوضى من المفاسد المقطوع بها في السياسة الشرعية، وينبغي الحذر منها، والعمل على منعها، بشتى الوسائل». هذه عبارة ينطق بها لسان أغلب العاملين في الساحة الإسلامية، إلا أنه سوف يتبين خلال هذه الدراسة أن المفاسد ليست ممنوعة مطلقًا في السياسة الشرعية، وأن رفض المفاسد نسبيٌّ، وما يكون مرفوضًا في حالةٍ ما، من الممكن قبوله في بيئةٍ مختلفةٍ عن الأولى. وأن نظر المجتهد في الأمور الشرعية، لاسيما المتعلقة بالسياسة الشرعية، لا بد أن ينبثق عن رؤية كلية شمولية، لاتخاذ القرار المناسب.

ولقد شاع بين الحركات الإسلامية والثقافة الإسلامية العامة مسألة التترس، وهي مسألة تحدث في حالات الحرب، والحكم الشرعي فيها مبنيٌّ على قبول هذه المفسدة كحل حربي لحماية الدولة الأم.

وفي المقابل غفلت الحركات الإسلامية عن مسائل تتعلق بالثورات السلمية، ومن أهمها: الفوضى، وكيفية منعها في حالات الصلاح والاستقرار، وكيفية استخدامها اختيارًا كحل بديل سلمي، في حالات فساد النظام السياسي، وإفساده، وقيامه بنقيض متطلبات الإمامة، وهي حالة أشد وطأة على المسلمين من حالة الفوضى الصالحة أو الفوضى الإيجابية (البناءة) التي من خلالها يتم التحول الجذري في الدولة الإسلامية (الثورة السلمية).

وقد أوضح الإمام الجويني هذا الاختيار إيضاحًا تامًّا في كتابه الغياثي، بما يظهر وعي السلف -رضوان الله عليهم- بهذه القاعدة في السياسة الشرعية، -وهي أن المفاسد ليست مرفوضة رفضًا مطلقًا، بل نسبيًّا بحسب البيئة المحيطة- فمع كون الإمام الجويني قد حذَّر من الفوضى وعواقبها ومساوئها؛ وذلك في البيئة الإسلامية الصالحة الإيجابية، إلا أنه عاد فتحدث عنها، أي الفوضى، في البيئة الإفسادية، وصرح بأن الفوضى في هذه الحالة أفضل وأجدى على الأمة.

وبذلك نتبين إشكالية الدراسة، وهي غفلة بعض الحركات الإسلامية عن شرعية التغيير السلمي وأدواته وإدارته، مع كون ذلك واضحًا في فكر علماء السلف.

وننوه بأننا قد استخدمنا منهج «تحليل المضمون»؛ لبيان جواهر المعاني التي ضمَّنها الإمام الجويني في كتابه، ولا يخفى أن هذا المنهج تأتي فيه المصطلحات تاليةً للمعاني؛ حيث استخدم الإمام الجويني معنى «الثورة السلمية» من خلال مضامين التغيير والفوضى التي اختارها للتحول من نظام يعمل بنقيض الإمامة، إلى نظام صالح موافق لمتطلبات الإمامة.

التعريف بكتاب الغياثي*:

هدف الكتاب هو وصف وإدارة نوعين من الفوضى هما:

الأول: الفوضى السياسية.

الثاني:  الفوضى العلمية والتعليمية.

 أولاًً: الفوضى السياسية:

 وقد ذكر الإمام الجويني هذا الأمر في أكثر من موضع في الكتاب، فيقول في المقدمة ص23: «ثم أقدر شُغُور الحين عن حماة الدين ولاة المسلمين، وأوضح إذ ذاك مرتبط قضايا الولاية، وأنهي الكلام إلى منتهى الغاية، فإنه المقصود بالدرك والدراية».

وواضح أن الإمام تكلم عن الفراغ في السلطة، ثم قال: «أوضح إذ ذاك مرتبط قضايا الولاية»، يقصد: أبين وأشرح كيف تُدَار الدولة في حالة فراغ السلطة، ومن المسئول، و«إلى من يوجّه الخطاب التكليفي، وكيف يتصرف هذا المسئول وفق مقتضى الشرع».

وهذا هو الهدف من كتاب الغياثي؛ حيث قال كما في الفقرة السابقة: «وأنهي الكلام إلى منتهى الغاية – أي حالة شغور الدولة من الإمام والسلطة السياسية للدولة»، فإنه المقصود بالدرك «أي معرفة الأمة احتمال خلو الزمان من الإمام المسلم العادل، «والدراية» يقصد بها كيفية إدارة الدولة في هذه الحالة، وكيفية الحفاظ على (بيضة المسلمين من أعدائها، وحفظ الأمن والأمان في الدولة، وحماية الأنفس والأعراض، والحفاظ على تماسك المجتمع الإسلامي، والقوة الاقتصادية للدولة، وإقامة الدين كاملاً)، فهذا المقصود بكلمة الدراية.

 ثانيًا: الفوضى العلمية والتعليمية:

ثم قال الإمام في القسم الثاني من الكتاب، وهو النوع الثاني من الفوضى، وقد أشار إلى خطورته الجسيمة على الأمة «ثم  أنعطف على القسم الثاني، وهو الذي يستوي إليه في الاحتياج القاصي والداني، وأبين أن المستند المعتضد في الشريعة نَقَلتها، والمستقلون بأعبائها حَمَلتها، وهم أهل الاجتهاد الضامون إلى غايات علوم الشرع شرف التقوى والسداد، فهم العماد والأطواد،  فلو شغر الزمان عن الأطواد والأوتاد، فعند ذلك ألتزم شيمة الأناة والاتئاد، فليت شعري ما معتصم العباد إذا طما بحر الفساد، واستبدل الخلق الإفراط والتفريط عن منهج الاقتصاد، وبُلي المسلمون بعالم لا يوثق لفسقه، وزاهدٍ لا يُقتدى به لخرقه، أيبقى بعد ذلك مسلك في الهدى أم يموج الناس بعضهم في بعض مهملين سدى، متهافتين على مهاوي الردى».

وفي هذه الفقرة عدة عناصر وقضايا، أجاد الجويني -رحمه الله- إجادة تامة من خلالها، في بيان أهمية العلماء، وخطورة غيابهم، وما يحدث من مصائب بسبب هذا الغياب، ولكنه في هذه الفقرة لم يذكر أسباب غياب العلماء.

فقال أولاً: «أنعطف على القسم الثاني وهو غياب أهل العلم الذي يستوي إليه في الاحتياح القاصي والداني»، أي أن مصيبة غياب العلماء، سيصاب بها جميع المسلمين في جميع أرجاء الدولة، بل ومن هم خارج الدولة، وجميع المستويات من المسلمين، بل إن غياب العلماء سيؤثر على غير المسلمين سواء أهل الذمة، أم من هم خارج الدولة، فإن التعامل بضوابط الشريعة ينصف الكفار، وغياب العلماء لا بد أن يؤدي إلى التعامل بالأهواء والسياسة، وهو يحتوي على الظلم البيّن.

ثانيا: سبب هذا الاحتياج: «فليت شعري ما معتصم العباد إذا طما بحر الفساد، واستبدل الخلق الإفراط والتفريط عن منهج الاقتصاد»، أي أن العلماء هم المعتَصم، وهم ضابط مسار الحياة، وهم السبب في السير تحت مظلة الإسلام الحقيقي الوسط، وهم سراج الظلمات، وعلامات النجاة، وأسباب العزة.

فسبب الاحتياج أن العلماء هم أدلة الحق والخير، وهم حماة الأمة من الزلل والشيطان، فإذا شغر الزمان عنهم -كما قال الجويني- بُلي المسلمون بعالم لا يوثق لفسقه، وبزاهد لا يُقتدى به لخَرقه، وليس هذا فقط بل نتيجة هذا العالم الفاسق والعابد الأخرق -كما يقول الإمام الجويني- غياب طرق الهدى، لا يقودهم بصير ولا يرشدهم إلى الصواب قائد، ولا يعلمهم ولا يحميهم من المهاوي والردى عالم، أيبقى بعد ذلك مسلك في الهدى أم يموج الناس بعضهم في بعض مهملين سدى، متهافتين على مهاوي الردى». اهـ .

وماذا يبقى للمسلمين في حياتهم وأموالهم، ودمائهم وأعراضهم، بعد ما وصفه الإمام الجويني من حالة الضلال والتردي بسبب غياب العلماء، لا يمكن أن يُوصَف هذا الوضع سوى بالفوضى في العلم والفكر، مما يؤدي إلى فوضى في الحقوق من الأموال، والأعراض، والمناكح, وانتشار المظالم، وغياب ردع الظالم، والانتصاف للمظلوم».

ثم يقول الإمام الجويني -رحمه الله- بوضوح واصفًا كتابه الغياثي بأن أركانه ثلاثة، وذلك بعدما وصف حالة غياب الإمام، وحالة اندثار العلماء إجمالاً: «فأركان الكتاب ثلاثة:

1-   القول في الإمامة وما يليق بها من الأبواب (وهو الوضع المثالي).

2-   في تقدير خلو الزمان عن الأئمة وولاة الأمة (الفوضى السياسية).

3-   في تقدير انقراض حملة الشريعة (الفوضى العلمية).

فقد اتبع الإمام الجويني المنهج المقارن بين الأصل وهو الوضع المثالي، وبين ما تخيله وغلب على ظنه حدوثه في زمن تالٍ لزمنه، وهو خلو الزمان عن الأئمة وولاة الأمة، وتقدير انقراض الشريعة، وهو منهج يبرز مدى الانحراف عن الأصل، وخطورة هذا الانحراف في ذهن الباحث والقارئ، فاجتماع الصحيح مع المنحرف في نفس الذهن في حالة القراءة يبرز الفرق، ويبيِّن خطورة الموقف، ومدى الأضرار الناتجة عن هذا الانحراف، بل بيّن درجة هذا الانحراف ذاته.

ثم يكرر الإمام الجويني للمرة الثالثة في أقل من مائة صفحة من كتابه أن مقصوده من الكتاب أمران، هما: «إذ هذا المجموع مطلوبه أمران: أحدهما بيان أحكام الله عند خلو الزمن عن الأئمة،  والثاني إيضاح متعلق العباد عند عرو البلاد عن المفتين المستجمعين لشرائط الاجتهاد، والله أبتهل في التوفيق لمناهج السداد». ثم يقول: «وما عدا هذين المقصودين في حكم المقدمات»، وهذا التكرار الدائم لبيان غرض الإمام ما هو إلا لإدراكه لعدة أمور أهمها:

1-   صعوبة هذا التصور، وخاصة في عصره؛ حيث الأئمة والعلماء متوفرون.

2-   صعوبة إدراك مسالك هذين الأمرين، ودقة الفهم والفقه في التفسير، والبيان لواقع كل الاختيارات فيه بين المفاسد إذ لا يخلو أمر دنيوي مهما بلغت مفسدته من مصلحة مهما قلَّت.

3-   شدة التعارض، ودقة الترجيح، وعسر الوصف والتبيين.

فالتكرار هو عملية إلحاح، ومراجعة وتذكير للباحث والقارئ؛ كي لا يضيع منه مقصود الكتاب، وكي يمعن النظر والفكر فيما هو مكتوب.

وبيان عظمة هذا الإمام تعجز عنها الأقلام، ولا تستطيع تصورها الأفهام، فقد كتب فيما لا يخطر لأحد في عصره على بال، واقتحم مصاعب يفر منها جبال العلم، وذوو الأفهام، فكيف بإنسان يتصور واقعاً هو عكس ما يعيشه تمامًا، ويحلله ويطلق له الأحكام الشرعية، والحلول السياسية التي تناسبه، هذا والله سبق جيد ومقصد طيب.

 2- تعريف الفوضى:

أولاً: الفوضى في اللغة**:

نعرض في هذا البحث لمعنى الفوضى في كتب اللغة والأدب، ثم بعد ذلك نلخص ما جاء في معانيها. يقال: القومُ فَوْضَى فَضى: أي لا أمير عليهم، وكذلك إذا كانوا في أمر مختلط يَتَفَاوَضون فيه [1].

ويقال: مَتاعُهُم فَوْضَى بينهم: إذا كانوا فيه شُرَكاء. يُقَالُ: نَعَامٌ فَوْضَى، أَيْ مُخْتَلِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَقَوْمٌ فَوْضَى أَيْ مُخْتَلِطُونَ لَا أَمِيرَ عَلَيْهِمْ [2].

ومعنى الاختلاط هنا هو اختلاط ذوي الأحلام والنُهى بالبسطاء والغوغاء، وعدم القدرة على التفريق بين كبار القوم وصغارهم، ولا بين أصحاب العقول والمروءة والأراذل، فهذا هو الاختلاط، وعدم القدرة على التفريق بين ذوي الحسب وذوي الجهالة؛ مما يجعل المجتمع مضطربًا، ويتحكم فيه أراذل الناس والمنتفعون وأصحاب الجرأة الفاشلون أهل الجهل والرذيلة.

  وَيُقَالُ: قَوْمٌ فَوْضَى أَيْ: مُتَسَاوُونَ فِي الِامْتِنَاعِ عَنْ طَاعَةِ الْأَمِيرِ، قَالَ قَائِلُهُمْ: 

تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ          فَإِنْ تولوا فَبِالْجُهَّالِ تَنْقَادُ

لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ           وَلَا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

يعني أن الأمور يدوم صلاحها بأهل العقل والرأي، وأنها تفسد وتهيج الفتن بالجهال والسفهاء، وأن غياب أهل الرأي والعقل والسادة يترك الناس في ضياع وتفرق وتناقض.

وقَوْمٌ فَوْضَى مُخْتَلِطُون، وقيل: هم الذين لا أَمير لهم، ولا من يجمعهم. قال الأَفْوَهُ الأَوْدِي: [3]

لا يَصْلُحُ القَوْمُ فَوْضَى لا سَراةَ لَهم          ولا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادُوا

وصار الناسُ فَوْضَى أَي متفرِّقين. وقوم فَوْضَى أَي مُتَساوُونَ لا رَئيسَ لهم، ونَعامٌ فَوْضَى أَي مُخْتَلِطٌ بعضه ببعض. ومن ذلك قولُهم: باتوا فَوْضَى، أي مختلطين، ومعناه أنّ كلاًّ فوَّض أمرَه إلى الآخَر، وهذا يؤدي إلى ضياع الأمر؛ لعدم وجود مسئول محدد عنه [4].

وقولهم: أمرهم فوضى بينهم، أي لا يستأثر أحد بشيء دون غيره . وهذا من الصفات الحميدة، أي أن معنى الفوضى هنا معنى حميد؛ حيث إن هؤلاء القوم متساوون ومتسامحون فيما بينهم من المتاع والطعام وغير ذلك[5].

وقوم (فَوْضَى) إذا كانوا متساوين لا رئيس لهم، وهذا من المساوئ[6] .

والمال (فَوْضَى) بينهم أي مختلط؛ من أراد منهم شيئا أخذه، وكانت خيبر فوضى أي مشتركة بين الصحابة غير مقسومة . وهذا يبين مدى تسامح الصحابة فيما بينهم.

ويقال: مالهم ومتاعهم فوضى بينهم إذا كانوا شركاء فيه؛ يتصرف كل منهم في جميعه بلا نكير، وهذا من المحاسن.

قال أبرويز في وصيته لولده شيرويه: «ولا تجعل أمرك فوضى بين خدمك فيفسد عليك ملكك». أي: حدِّد لخدمك لكل منهم مسئوليته وأعماله حتى تستطيع تسيير أمور ملكك [7].

قال كعب الأحبار: «مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام؛ والعمود السلطان؛ والأطناب والأوتاد الناس. ولا يصلح بعضها إلا ببعض» [8].

أما معنى المساواة، فما كان المساواة فيه مضرة فهي في هذا الموضع مضرة وغير محمودة، كما في السياسة وغياب الآمر الحاكم، وما كانت المساواة فيه نافعة ومحمودة فمعناها محمود.

 نخلص إلى أن الفوضى لها معانٍ:

أولاً: الفوضى في السياسة، وهي المذمومة؛ لأن اعتقاد الناس أنهم متساوون في الآراء والرؤى يفضي إلى التناقض والتفرق، والتشرذم والفساد، والعجز عن جمع الكافة، وحُسن تنظيمهم بما يُفضي إلى اندثار الأمة.

ثانيًا: الفوضى بمعنى التفاوض، وهي وصف.

ثالثًا: الفوضى بمعنى التسامح، وإباحة أموال الإخوان لبعضهم البعض، بما يدل على المحبة والأخوة، كما في وصف الصحابة في أرض خيبر.

والمعنى الأول هو الذي يعنينا في هذا البحث.

 3- تعريف الفوضى السياسية:

لقد ذكر الإمام الجويني أهمية البيعة وتنصيب الإمام، ثم أتبع ذلك ببيان الحالة التي يمكن أن تحدث في حالة عدم وجود الإمام (وهي الفوضى السياسية)، فقال في ص28: «أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا البدار إلى نصب الإمام حقًّا، وتركوا –بسبب التشاغل به[9]–  تجهيز رسول الله ودفنه، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة».

ثم قال في بيان خطورة الإمام وأهميته: «ولا يرتاب من معه مسكة عقل، أن الذبّ عن الحوزة، والنضال دون حفظ البيعة، محتوم شرعًا» [10].

ثم قال الإمام الجويني -رحمه الله تعالى- في بيان خطورة غياب الإمام واصفًا الفوضى الناتجة عن ذلك: «ولو تُرك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع، ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء، وتفرق الأهواء[11]؛ لتبتر النظام، وهلك الأنام، وتوثب الطغام، والعوام، وتخربت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراة الناس، وفُضّت المجامع، واتسع الخرق على الراقع، ونشبت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات، وتبددت الجماعات ...» الغياثي ص28.

ثم قال: «ولا حاجة إلى الإطناب بعد حصول البيان» ص28... «وإن الله يزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن».

فنجد أن الإمام الجويني بيَّن، وأسهب في بيان مآلات الفوضى على الدولة والمجتمع المسلم، والاقتصاد والأنفس، والأمن، ومنها:

1- ضياع الحق بين الأهواء والآراء.

2- تفرق المجتمع وتحزبه، وتعصب الأحزاب ضد بعضها البعض، مما يؤدي إلى الاقتتال الداخلي، والتفرق، وسقوط النظام في الدولة.

3- سطوة الطغام والسفلة والفاسدين، والاعتداء على المجتمع، وافتقاد الأمن المادي والمعنوي، مما يؤدي إلى هلاك الناس، وضياع مصالحهم وأموالهم، بل وتعرض أعراضهم للاعتداء، وتبادل الانتقام.

4- وخشي الناس الطرق، والسفر وتعطلت الصناعات والتجارات (ضياع الأمن الداخلي في الدولة المسلمة)، وانهيار اقتصاد الدولة، وتردي أحوال المجتمع المادية.

5- وتفرق الناس والجماعات إلى مجتمعات صغيرة لتحمي نفسها من هذه الفوضى العمياء، وهي تزيدها من حيث لا تدري أو تدري، وهذا التفرق من الهوى، والإفساد [12] .

 الجويني والفوضى البناءة [13]:

فتبين مما سبق مدى إدراك الجويني -رحمه الله تعالى- لأهمية الإمامة، ومدى خطورة غيابها، ومدى الضرر الذي سيلحق بالمجتمع بسبب غيابها، ولكننا نرى الإمام في موضع آخر يقارن بين أمرين أحلاهما مر، ويرجح بين مفسدتين كلتاهما سم زعاف.

المفسدة الأولى: الظلم الناتج عن إمام فاسق بيّن الفسق:

وله سمات في ترتيب الدولة بطريقة تجعل الفساق والفاسدين هم السادة، والقرارات المتخذة هي لتنظيم وترتيب المظالم والمفاسد، وليس للصالح العام؛ مما سيفضي في النهاية إلى ضياع الخطة واختراق البيضة.

 والمفسدة الثانية: الفوضى السياسية:

وغياب الإمام هذه المرة عن قصد، وهو منع هذا الظلم المنظم، وهذا الفساد الرئاسي، وهو لم يتنازل ولم يمدح الفوضى، ويخفف من مفاسدها، ولكنه قارن بين عظم المفاسد الناتجة عن الحاكم الظالم الفاسد الذي يحمي الفساد في الدولة، وبين المفاسد الناتجة عن ترك الناس فوضى، ورجّح الإمام ترك الناس فوضى، أرحم بالناس من الصبر على إمام فاسد يدير الدولة بالفساد، ويحمي الفساد في الأمة، فيقول رحمه الله تعالى: «فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفًا ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر القول فيه على الفاهم إن شاء الله عز وجل، وذلك أن الإمامة إنما تُعنَى لنقيض هذه الحالة».

ثم قال: «فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة (المقصود هنا هو الظلم وحماية الظلم، وضياع الأمن، واستجراء العدو على المسلمين وضياع الأمة، وليس المقصود هو ترك الإصلاح فقط)  فيجب استدراكه لا محالة».

ثم قال في بيان أن الفوضى أفضل: ص66 «وترك الناس سدى ملتطمين مقتحمين لا جامع لهم على الحق والباطل، أجدى عليهم من تقريرهم اتباع من هو عون الظالمين، وملاذ الغاشين وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين».

ثم بيّن أن الإنسان بين مصيبتين عظيمتين ومفسدتين لا مناص من التلبس بإحداهما، فيقول رحمه الله تعالى: «وإذا دفع الناس إلى ذلك (أي اضطرار الناس إلى اختيار حالة الفوضى، بل وجاهدوا من أجل تحقيق هذه الحالة؛ لأن الظالم لا محالة لن يترك مكانه بسهولة ويسر)، فقد اعتاصت المسالك، وأعضلت المدارك، فليتئد الناظر هنالك».

 والإمام الجويني -رحمه الله- مدرك تمام الإدراك لصعوبة الاختيار، والتباس الأمور واضطراب الرؤى، وكيف أن الاختيار ليس بالهين، ولا اليسير، بل هو يحتاج إلى ذوي الأحلام والنهى، وأهل البصائر والحجى، وهو في جميع الأحوال من العلاج بالسم، واختيار سمّ أقل ضررًا من سمّ آخر، ولكنه ليس أهون منه». اهـ.

ونلاحظ أن هذا الذي ذكره الإمام الجويني تتوافر فيه العناصر الأساسية للفوضى البناءة وهي كالتالي:

1- قال صاحب الغياثي -رحمه الله تعالى-: «إن الفوضى أفضل من الإمام الذي يعمل نقيض الإمامة». وهذا أول شرط في الفوضى البناءة، وهو أنها مقصودة وبفعل فاعل.

2- ومعلوم أن الفوضى التي سيقوم بها المسلمون في حالة الإمام الذي يعمل بنقيض الإمامة يكون المقصود بها منع المفاسد، ودعم المصالح العامة، (وذلك من خلال إدارة الفوضى التي ذكرها الإمام الجويني، وسنذكرها فيما بعد)، وهذه ثاني صفة في الفوضى البناءة، أن أهدافها للمصالح العامة، ومفاسدها أقل من المفاسد المنظمة[14].

وفي حالات التحولات الكبرى في أي دولة لا بد أن تمر من خلال الانتقال من نظام إلى آخر بحالة من الفوضى؛ يمكن أن تكون مؤقتة وبسيطة، أو طويلة وثقيلة، وهذا الاختيار الذي اختاره الإمام الجويني سيمر بمرحلتين:

الأولى: الفوضى المفسدة ثم الفوضى المصلحة؛ لأن القائمين على إحداث الفوضى هم الصالحون وأهل الصلاح، والمقصود منها هو إيقاف الفساد، وما يحدثه الإمام من نقيض الإمامة، وفي حالة التحول إلى الفوضى المصلحة سيحدث صراع بين أهل الفساد وأهل الصلاح، وطالما أن الغلبة لأهل الصلاح فلا بد وأن يضعف الفساد والإفساد المنظم، ويمر بمرحلة إفساد فوضوي (تطول أو تقصر، وتشتد أو تضعف، هذا يعتمد على فطنة وقوة أهل الصلاح في إدارة الصراع).

3- لماذا لم يقل الإمام الجويني بعزل الإمام وتنصيب إمام صالح؟ وما هو الفرق بين الفوضى البناءة، وتنصيب الإمام الصالح؟

فنقول: إن عملية الفساد المنظم هي فساد نظام كامل، وليس فساد إمام فقط، ومعلوم أن الجويني -رحمه الله تعالى- يعي ذلك تمامًا؛ ويعلم صعوبة عزل الإمام المتمكن، ولكنه يرى أهمية إثارة المجتمع بكل طوائفه، وهذا فيه تقليل المفاسد وتقليل الدماء.

4- وعند استقرار الأمور لمجتمع صالح في التمكن من إدارة شئونه، والقيام بالواجبات الكفائية دون الإمام المفسد ونظامه، لا بد وأن يؤول الأمر في النهاية إلى تنصيب إمام صالح قادر على مواجهة هذا الفاسد، وعزله بسهولة؛ وذلك لأن شرعيته الشعبية وشوكته قد ضعفت بعزله شعبيًّا، وهذا من صفات الفوضى البناءة أنها تؤدي إلى تغيرات جذرية في نظام الحكم وتوجهاته.

 إدارة الفوضى في كتاب الغياثي:

لقد انتبه الإمام الجويني للفوضى وخطورتها، ولم يقف عند وصفها وتحليلها، وبيان مفاسدها فقط، بل بدأ في وضع البدائل والحلول، والإجراءات العملية لعلاج هذا الوضع المأساوي، وهذا من هدي السلف في جميع ما نزل بهم من نوازل.

وتدرج مع الأمر لدفع ما استطاع من مفاسده، وهذا ما يسمى بإدارة الفوضى أو إدارة الأزمة.

وقد أشار الإمام الجويني في تحليله أن الفوضى في معناها الرئيس ولبّها تعني الاضطراب وعدم القدرة على القيام بفروض الكفايات، وتعني ترك الناس ملتطمين متفرقين.

وإدارة الفوضى تعني:

1-   القيام بفروض الكفايات كمًّا، ونوعًا، وكفاءةً.

2-   جمع كلمة الناس ومعالجة التشرذم.

وهذا هو ما فعله الإمام الجويني في إدارته للفوضى؛ حيث تكلم عن فروض الكفايات وأهميتها، ووجّه الخطاب التكليفي بحسب نوعيتها، واحتياجها للكفاءة، وأما تنظيمها وجمع كلمة المسلمين، فقد وجَّه الخطاب للعلماء عند وجودهم وجعلهم أئمة الناس، ووجه الكلام للمسلمين أن يلتفوا حول كبرائهم وأهل الرأي منهم، ويلتزمون بطاعتهم، وينزلون على رأيهم.

وفي حالة غياب العلماء وجَّه الخطاب التكليفي للعقلاء والكبراء بأن يتحملوا مسئولياتهم الشرعية في إقامة فروض الكفايات وجمع الناس.

وقد تعرض الإمام لدرجات من الفوضى وكيفية علاجها، وبيَّن أن درجات الفوضى هي:

1- غياب الإمام، وانتقال الولاية للأمراء.

2- غياب الأمراء، وانتقال الولاية للعلماء.

3- غياب العلماء والأمراء، وانتقال الولاية لجماعة المسلمين وأهل الرأي والعقلاء من المسلمين.

وقد رأينا أن نضيف إلى درجات الإمام الجويني الدرجة الرابعة المعاصرة، وسنتكلم عنها على هدي ما ذكره الجويني في الحالات الثلاثة الأولى، وبما يناسبها إن شاء الله تعالى، وهي:

4- الحالة التي نعيشها الآن، وهي عدم وعي أهل الرأي والعقلاء بدورهم ومسئولياتهم تجاه الأمة، وعدم معرفة المكلفين بدورهم تجاه كبرائهم من العقلاء.

الرؤية التحليلية للإمام الجويني لفروض الكفايات:

بما أن الولايات متعلقة بفروض الكفايات، وتنظيمها، وإدارتها؛ فقد قام الإمام الجويني بتحليلها لبيان كيفية إنجازها في حال الفوضى، وهي كالتالي:

أولاً: أهمية الأخذ بالأسباب، وخطورة ترك الأسباب، يقول الجويني رحمه الله تعالى -  ص 177-: «فإن اعترض متكلف في إدراج الكلام»، وقال: «مَن جرَّد الاعتصام بطَول الله وفضله، ووصل حبل أمله بحبله، كفاه ملاحظة الأغيار، ووقاه ما يحاذر ويجتنب، ورزقه من حيث لا يحتسب. وقد ضمن الله أن يحفظ من الدين نظامه إلى قيام القيامة، والاستمساك بكفاية رب الأرباب أولى من الاتكال على الأسباب».

قلتُ (أي الإمام الجويني): «هذا من الطوام التي لا يتحصل منها طائل، ولا يعثر الباحث عنها على حاصل، كلمة حق أُريد بها باطل، ولو حكَّمنا مساق هذه الطامات لجرَّتنا إلى تعطيل القربات، وحسم أسباب الخيرات، ولاستوت على حكمها الطاعات والمنكرات، وبطلت قواعد الشرائع، واتجهت إليها ضروب الوقائع، وأضحى ما تشبث به المعترض في التعطيل من أقوى الذرائع، فمضمون ما بلَّغه المرسلون أسباب الخير واجتناب دواعي الضير. ثم الأكل سبب الشبع، والشرب سبب الريِّ، وهلم جرا إلى كل مسخوط ومرضي. وبهذه الترهات تعطَّل طوائف من ناشئة الزمان، واغتروا بالتخاوض والتفاوض بهذا الهذيان. والموفَّق لمدرك الرشاد، ومسلك السداد، هو من يقوم بما كُلِّفه من الأسباب، ثم يرى فوزه ونجاته بحكم رب الأرباب».

ثانيًا: الفرق بين المصائب والآفات السماوية، والمصائب البشرية، وأهمية الأسباب في الثانية:

يقول الإمام الجويني -رحمه الله- ص 172: «إذا بُليَ المسلمون بجدب في بعض سني الأزم، وألم بالناس قوتان، فالآفات السماوية لا يدخل دفعها تحت الإيثار والاقتدار، ولكن ما يمكن دفعه ويرتبط بالإيثار، والاختيار منعه من هرج أو ثوران متلصص، أو استجماع قطَّاع للطرق، أو وطء طوائف من الكفار أطراف ديار المسلمين، فيتعين القيام بالدفع قدر الإمكان». انتهى.

ثالثًا: فرض الكفاية إذا لم يتم يصبح متعينًا على كل قادر فاهم، وفي هذه الحالة يكون فرض الكفاية أفضل من فروض العين. يقول الإمام الجويني -رحمه الله - ص 174: «ليس يخفى على ذوي البصائر والتحقيق أن القيام بالذبّ عن الإسلام مفروض، وذوو التمكن والاقتدار مخاطبون به، فإن استقل به كُفاةٌ سقط الفرض عن الباقين، وإن تقاعدوا أو تخاذلوا ... عمَّ كافة المقتدرين على تفاوت المناصب والدرج. ثم إن الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى من فنون القربات من فرائض الأعيان». انتهى.

«... ثم ما يقضى عليه بأنه من فروض الكفايات قد يتعين على بعض الناس في بعض الأوقات .... فيصير ما كان فرضًا على الكفاية متعينًا بالملابسة».

رابعًا: تعين فروض الكفايات على من هو أهل لها، والمتميزين من الأمة، يقول الإمام الجويني في معرض كلامه عن صدر الإسلام نظام الملك، وكيف أن تميزه فيما أنعم الله عليه من نعم تُوجب عليه ما لا يجب على الآخرين، فيقول –رحمه الله- في ص 181: «حقوق الله تعالى على عبده على قدر النعم، والهموم بقدر الهمم، وأنعُم الله إذا لم تُشكر نَقم، والموفق من تنبه لما له وعليه، قبل أن تزل القدم».

خامسًا: انقسام فروض الكفايات إلى [15]:

1- ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم.

2- ما لا يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم.

قال الإمام الجويني -رحمه الله- ص 185: «أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر (الإمام) كعقد الجُمع، وجرّ العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو بلدهم (أي من الإمام)».

ثم قال في نفس الصفحة: «ومما يجب الاعتناء به أمور الولايات التي كانت منوطة بالولاة كتزويج الأيامى، والقيام بأموال الأيتام»، ثم قال في ص 186: «ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأموال المفوضة إلى الأئمة، فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان.. فالأمور موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق أن يرجعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن آرائهم .. وصار علماء البلاد ولاة العباد» انتهى.

سادسًا: ترك فروض الكفايات وأمور الناس (بدون قوَّامٍ عليها من الإفساد):

قال الإمام الجويني –رحمه الله- ص 185: «وإذ لم يصادف الناس قوّامًا بأمورهم يلوذون إليه، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عمَّ الفساد البلاد والعباد ..» انتهى.

ثم قال في نفس الصفحة: «وقد قال العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحقٌ على قُطّان كل بلدة وسكان كل قرية أن يُقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجى مَن يلتزمون إشارته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره».

فنجد أن الإمام الجويني -رحمه الله- قدم مقدمة عن أهمية فروض الكفايات وخطورتها، وبيَّن ما هو حق للإمام، وما هو صائر للرعية منها، وكيف أنه لا تستقيم الأمة بدون القيام بالفروض الكفائية، وأن تركها وعدم القيام بها يؤدي إلى فساد الأمة وضياعها، ثم بيَّن كيف إذا خلا الدهر من إمام أو سلطان أي الأمراء، وهناك فرق بين الإمام الخليفة والسلطان أو الأمير، فالخليفة هو إمام المسلمين عامة في دولة الخلافة، وهو الأصل، أي أن الدولة المسلمة لها خليفة واحد، ولكن لما ضعفت الخلافة، واستبد الأمراء والسلاطين بإدارة ولاياتهم دون الرجوع للخليفة، أصبح هناك سلاطين متعددون في الدولة الإسلامية، ولكن لهم وظائف وأحكام الخليفة في دولتهم أو ولاياتهم، لضرورة القيام بالفروض الكفائية، والحفاظ على شئون الأمة المسلمة، وحفظ بيضتها.

وهذا نوع ضعيف من الفوضى؛ حيث تعدد السلاطين، وتنافسهم فيما بينهم، وانقسام دولة الخلافة إلى ولايات متعددة، كل ولاية تدين بالسمع والطاعة لسلطانها، وتدين ببذل الأموال إليه، وبذلك تتفرق طاعة الأمة على عدد من السلاطين، وتتفرق موارد الأمة على عدد من بيوت المال، وتتعدد جيوش الدولة الإسلامية بقدر عدد  السلاطين، وهذا من الفوضى والضعف.

ولم ير الجويني -رحمه الله- في ذلك إلا نصح السلطان بالقيام بفروض الكفايات، وحماية دولة الخلافة من جهته، وإقامة جيش قوي لحماية ثغور دولة الخلافة، وإقامة العدل بين الرعية، ومواساة الفقراء، وغير ذلك من فروض الكفايات.

 الدرجة الأولى من الفوضى: تعدّد الأمراء وغياب الخليفة:

والرعية لها الحق في الانتقال من ولاية سلطان إلى ولاية سلطان آخر، ويكون عليها السمع والطاعة، وبذل الحقوق للسلطان الذي تعيش تحت ولايته وسلطانه، وليس للأمراء والسلاطين منع الرعية من التنقل بين الولايات؛ لأنها أرض الإسلام والمسلمين، وحرية التنقل هي من حقوق المسلم في دولة الإسلام.

 الدرجة الثانية من إدارة الفوضى: غياب الأمراء أو السلاطين، مع غياب الخليفة:

قال الجويني -رحمه الله تعالى– ص 186: «فإذا شغر الزمان عن الإمام، وخلا عن ذي نجدة واستقلال وكفاية ودراية، فالأمور مَوْكُولَة إلى العلماء، وحق على الخلائق أن يرجعوا  إلى علمائهم، ويَصْدُروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم ...» – اهـ. 

وهنا ذكر الجويني أن على العلماء أن يتقدموا لتحمل الأمانة، وإدارة شئون الدولة الإسلامية، وإقامة فروض الكفايات، وأن حقوق الخليفة تصبح حقًّا للعلماء، وأنه يجب على المسلمين بذل حقوق الإمام إلى العلماء، وأهمها بذل السمع والطاعة، والأموال.

ويجب على العقلاء من الأمة أن يساعدوا العلماء في إقامة فروض الكفايات بأموالهم وجهدهم، وأن يبذلوا لهم النصح والشورى، ومن هذه الفروض: تزويج الأيامى، كفالة الأيتام والوصاية عليهم، وجمع وتوزيع الزكوات، والغنائم والخراج، وغير ذلك من أموال بيت المال، وتكليف ذوي الكفاية بتجهيز الجيوش والدفاع عن الأمة، بل وإقامة جهاد الطلب إن أمكن، والسمع والطاعة من الرعية في النداء للجهاد (التجنيد النظامي في عصرنا)، وإقامة الجُمع والجماعات، وحماية الصناعات والحرف، والمهن وأهلها، وإقامة ولايات القضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الأمن في البلاد.

 الدرجة الثالثة من الفوضى وهي غياب العلماء:

قال الإمام الجويني –رحمه الله– ص185: «لو خلا الزمان عن السلطان، فحقٌ على قُطّان كل بلدة وسكان كل قرية أن يُقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجى مَن يلتزمون إشارته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره» اهـ.

وهذا حق على العقلاء والكبراء وأهل الرأي في كل قرية، أو حي أو مدينة، أن يسعوا إلى جمع كلمة أهل الحي أو القرية، وأن يجتمع أهل الرأي من المدن والقرى لتوحيد الرأي والاتفاق، بل واختيار كبير لهم؛ ليقوموا بالفروض الكفائية التي تحتاج إلى جمع وحشد، مثل الجهاد والتجنيد، فإن كل قرية بمفردها لا تستطيعه، وجمع الأموال التي هي من حق السلطان يؤول إلى الكبراء وأهل الرأي، وأيضًا صرفها في مصارفها بأولوياتها، ويجب عليهم إقامة الولايات العامة التي لا يستقيم حال الأمة بدونها، مثل ولاية النكاح والطلاق، (وهذا الكلام في عصرنا الحالي من أعوص المشكلات؛ لأنه يتم في القضاء العلماني، وولاية القضاء المفروض أنها من أولى الأولويات في عصرنا الحالي أيضًا).

الدرجة الرابعة من الفوضى، فقدان أهل الرأي (عدم وعي أهل الرأي والعقلاء بدورهم ومسئولياتهم):

وهذه الدرجة تعني فقدان الكبراء وأهل الرأي لدورهم، والجهل بما يجب عليهم تجاه أمتهم، وجهل العامة بما يجب عليهم تجاه كبرائهم كما في عصرنا هذا.

فيجب على العقلاء المدركين للأمر (وهم قلة وليس لهم أي دعم أو مكانة في المجتمع، بل والحركات الإسلامية لا تعترف بهم) أن يعملوا جاهدين على إزالة الجهل، ونشر العلم بالفوضى ودورهم فيها، وأهميته ذلك، وكيف يمكن للمسلمين علاج هذه الأزمة، وما هو دور أهل الرأي والحجى في ذلك، وما هو الخطاب التكليفي الموجه لهم في تحمل مسئولياتهم في إقامة فروض الكفايات بما يليق باحتياجات الأمة، ويليق بإعادة مجدها.

ولا بد من خطاب علمي تعليمي للأمة والأفراد؛ يبين لهم ما يجب عليهم في هذه الأزمة، من وجوب الالتفاف حول أهل الرأي والحجى ومبايعتهم، والسمع والطاعة لهم، والالتزام برؤيتهم في حماية المصالح الإسلامية، وإنجاز فروض الكفايات، وأداء الأموال التي هي حق للإمام إلى أهل الرأي، فإن قوام الدولة بالرجال والأموال، كما قال الجويني، رحمه الله تعالى.

وينبغي العمل على إيجاد أهل الاجتهاد في الإيالات، كما قال الإمام الجويني، وإيجاد أهل الكفاية من العلماء وأهل الرأي والعقلاء كما اصطلح على ذلك الجويني.

ولنعلم أن الإمام الجويني قد قسم العلماء إلى أهل دراية وكفاية، وعلماء ليسوا من أهل الدراية أو الكفاية، وأن الأولون يصلحون للولاية والقيادة، والآخرون يجب عليهم تقديم أهل الكفاية، وهم لهم وُزراء ومستشارون.



 * النسخة التي اعتمدنا عليها في هذا التحليل هي النسخة التي قامت بنشرها المكتبة العصرية ببيروت – لبنان، الطبعة الأولى عام 2006 م -1427 هـ، ومكتوب عليها عناية  «هيثم خليفة الطعيمي».

** التفصيل والإطالة في النقل من المعاجم اللغوية لمفهوم أو مفاهيم الفوضى، مقصود، حتى يصل التصور الذهني الكامل لمعنى الفوضى، وكيفية استخدامها عند العرب، وأنها تعني عدم التنظيم، بل وكل الآثار السيئة الناتجة عن غياب النظام والتنظيم، ولماذا كان المسلمون يخشون الفوضى في الحكم والدولة. 

[1] المحيط في اللغة، مادة فوض – المخصص، باب الشدائد والاختلاط.

[2] معاهد التنصيص على شواهد التلخيص 1 /396.

[3] طلبة الطلبة ، كتاب الشركة 3/23.

[4] تاج العروس، مادة فوض.

[5] مقاييس اللغة ، مادة فوض.

[6] المصباح المنير، كتاب الشين 1/327.

[7] المعجم الوسيط 2/325.

[8] شرح نهج البلاغة 16/128.

[9] أي بسبب التشاغل بنصب الإمام.

[10] أي النضال حتى يتم حفظ البيعة وتنصيب الإمام محتوم شرعًا، أي مقطوع بوجوبه على المسلمين من أهل الحل والعقد.

[11] من أول قوله: «ولو ترك الناس فوضى .... »، وحتى قوله : « .. وتفرق الأهواء» هو وصف للفوضى، والإمام رحمه الله قد ذكر الفوضى هنا صراحة، ثم أتبعها بوصفها، والوصف بمآلاتها، وما ستحدثه في المجتمع والأمة، ولا بد أن نعلم أن الإمام الجويني عندما ذكر الفوضى أو أسبابها، وهو خلو الزمان من الإمام، بعد ذلك ذكرها بأوصافها أو بأثرها على المجتمع، ولم يصرح بلفظ الفوضى ثانية، فلابد وأن ننتبه لذلك في بحثنا.

وبقية الفقرة في الكتاب من أول قوله: «لتبتر النظام ...» وحتى « ... تبددت الجماعات»، هي ذكر لمآلات وآثار الفوضى في المجتمع على المستويات كلها سواء السياسية، أو الأمنية، أو الاجتماعية، فلا بد من التأمل والتفكر في ذلك لإدراك حجم مصيبة الفوضى.

[12] كما في المجتمع المصري اليوم بعد ثورة 25 يناير.

[13] ولفظ البنَّاءة لم يذكره الإمام الجويني باللفظ، ولكن ذكره بالمعنى، فعندما تكلم عن الفوضى وأنَّها سَتُخَفِّف من الفساد والإفساد، وأنَّنا سنقوم بها اختيارًا من أجل إنجاز مهام الإمامة، فقد أعطى الفوضى معنى كونها بنَّاءة، وأيضًا معنى الفوضى المنظمة.

[14] هناك أربعة أحوال رئيسة يمكن أن تعيشها أي دولة، ( نظام صالح – فوضى صالحة – فوضى مفسدة – نظام مفسد).

[15] ويدل على ذلك أن الصلاة في جماعة والصيام والحج والجُمع كفروض جماعية كفائية تحافظ الأمة على كيانها حتى اليوم بقدر كبير، في حين أن دور الزكاة وأهل العلم فُقِد، والسبب في ذلك أن الأركان الثلاثة تتمتع بخاصية الأداء الجماعي المنظم؛ لأنها متعلقة بآحاد الناس وجماعة المسلمين، وأما دور الزكاة فهو متعلق بالدولة والإمام، وعدم معرفة أهل الرأي في الجماعات الإسلامية اليوم بدورهم في ذلك هو السبب، وأيضًا كان للشبهات والفهم الخاطئ دور في دعم الامتناع عن جماع الزكاة، وإنفاقها في مصارفها، وبذلك فقدت الزكاة قيمتها وأهميتها على مستوى الإصلاح الإسلامي، وأصبح أثرها الاجتماعي ضعيفًا.