من تأمّل سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدها حريصة على أن يفهم غير المسلمين الدين الإسلامي ورسول الإسلام على ما هو عليه وألا ينال شيئا منها تشويهاً يُكسب قلوب المتربصين بالإسلام فرصة للنيل منه.

ونجد ذلك شائعاً في حال السِّلم والأمان، وفي حال الحرب والجهاد والتحام صفوف الأعداء.

أولا: السياسة النبوية لصيانة صورة الإسلام في حال السلم

1. ترك الرسول محمد الحبشة يلعبون في المسجد؛ مُبيّناً مقصد سماحة الإسلام في ذلك.

أخرج الإمام أحمد في المسند بسندٍ جيّد من حديث عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالت : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ : لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً ، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ(1).

وجه الدلالة: أنّ الأحباش كانوا يلعبون خارج وقت صلاة الجماعة في المسجد بالدِرَقِ والحِراب؛ وما شدّد النبي صلّى الله عليه وسلّم عليهم؛ أو منعهم، مع أنّ بعض الناس قد يعجب من كونهم يلعبون في المسجد؛ وهو في الأصل ليس شيئاً سائداً في عهد النبوة ولا هو بالدائم في المسجد؛ إلاّ أنّه يبعث في نفوس الآخرين أنّ هذا الدين أتى بعقيدة لا تعقيد فيها؛ ودين سماحة فيه فُسحة، وأسلوبٍ دعوي لليهود الذين يجدون في أنفسهم رغبة للقيام بذلك لكنّهم يمتنعون بناء على الأغلال والآصار التي شرّعوها لأنفسهم.

2. لم يقتل النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم المنافقين لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه.

حين بلغ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قول رأس النفاق عبدالله بن أبى بن سلول في حق المسلمين: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(2) فأراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يقتله، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»(3)

وجاء في رواية أخرى: "فذكره للنبي - صلى الله عليه وسلم- فأمر أن يؤذن في الناس بالرحيل ليشتغل بعضهم عن بعض"(4).

قال النووي: " قوله صلى الله عليه وسلم (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) فيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد خوفاً من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه، وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم، لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم، ويجاهدون معه إما حمية، وإما لطلب دنيا، أو عصبية لمن معه من عشائرهم، قال القاضي: واختلف العلماء هل بقي حكم الإغضاء عنهم وترك قتالهم، أو نُسِخَ ذلك عند ظهور الإسلام ونزول قوله تعالى: {جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ}(5) وأنها ناسخة لما قبلها. وقيل قول ثالث: أنه إنما كان العفو عنهم ما لم يظهروا نفاقهم فإذا أظهروه قُتِلُوا"(6).

لقد كان الكفار المخالفون للنبي صلّى الله عليه وسلّم يعلمون أن ثمّة فئة منافقة تُناصب النبي صلّى الله عليه وسلّم العداء في الجبهة الداخلية، ومع أنهم يستحقون القتل، حتى أنّ الصحابة أشاروا عليه بذلك في أحيانٍ عديدة، وظهر لحنهم وريحهم وعُلم أمرهم بين عدد من أجيال الصحابة، وكانوا طعنة في الخاصرة، وعقبة في مشاريع انتشار الإسلام، إلاّ أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم راعى المصلحة الأكبر؛ فلم يقتلهم لبُعد خارجي؛ لئلا يُظنّ أنّ محمداً إذ يقتلهم فإنّه يقتل أصحابه؛ لأنّهم كانوا ممتزجين في الواقع والمجتمع؛ وإذا ما حصل هذا؛ جرى من خلفه بلاء وافتعال حروب وقلاقل داخلية؛ فقدّم سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم المحافظة على وجود هؤلاء خاصّة في وقت يتربص به العدو، ويكاد أن يفرح بانشغالات داخليّة وخلافات بينيّة؛ تدعوهم للانتهاض وقنص الفرصة للانقضاض على هدم بناء صرح الدولة الإسلاميّة الناشئّة الفتيّة.

ويُستفاد من هذه السياسة الشرعية النبوية : قطع الطريق على من يريد أن يقطع عليه الطريق؛ ويُمكن تسمية ذلك بالعُرف السياسي المُعاصر: (لعبة داخل لعبة) أي إن كُنتم تريدون اصطيادنا بسبب وجود من نكرههم من وسطنا؛ لتفرحوا وتُشغلوها حِمماً داخليّة؛ فنحن سنكون سداً منيعاً بل نحمي من نكره؛ لئلا يقع ما هو أعظم؛ ويكون المرء قد دخل في شبكة الصيد المنسوجة بالأحابيل والألاعيب الماكرة.

ومن هنا نُدرك معنى ما جاء في الرواية السابقة عند عمر بن شبّة : " فأمر أن يؤذن في الناس بالرحيل ليشتغل بعضهم عن بعض" فهذا عنوانٌ لسد جميع الطرق التي تؤدي للولوج في أسباب الفتنة والقيل والقال؛ وهي طريقة نبوية شريفة في فنّ النزاعات وفضّ الخلافات بأسرع الوسائل الممكنة.

إنّ من الأسباب في عدم قتل عبد الله؛ ألاّ يوجب ذلك نفوراً عن الدخول في الدين؛ إذ ليس الكل من عموم البشر يعلم حقيقة دواخل الأمور التي تقتضي قتله، أو تستوعب قتله في وقتٍ مُحدد، بل يحتاج كثيرٌ منهم أن يُشرح له الأمر باستفاضة عن سبب القتل إن حصل؛ ولأنّ هذا مُكلف وقتاً وجهداً؛ والناس عادة لا تتحمل شرح الأسباب الكثيرة، وفهم خيوط المشكلة؛ لأنّ أغلبهم يأخذون الأمور بظواهرها؛ ويغفلون عن كثير من دوائر الحدث؛ فكان الأولى إيقافه؛ لكسب قلوب من يريد الدخول في الإسلام؛ وتأليف أنفسهم بتحقيق مُنجزات دعويّة نفعها أعم من مجرّد قتل منافق لا يمنع من قتله شيء لولا تحقيق مصلحة أكبر للدين؛ فيُتغاضى عنه لنصرة دين الله والنصح له.

يقول ابن القيم رحمه الله : " إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحةً ، لئلا يكون ذريعةً إلى تنفير الناس عنه ، وقولهم : إن محمداً يقتل أصحابه ، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ، ومن لم يدخل ، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل"(7).

ومن ضمن الأسباب في امتناع النبي صلّى الله عليه وسلّم عن قتل عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول أنّ قتله يؤدي لوجود فتنٍ أعم من الفتن التي يُوقعها بين المسلمين؛ فيؤدي هذا لوجود خللٍ في تماسك الجبهة الداخلية؛ وقد يكون بعضُ أقاربه يأنفون له وينتصرون؛ فهو من قبيلة لها أنصارها؛ فلأن يجري العقاب أو العتاب من قومه على سوء أفعاله؛ أفضل من أن يجري على يد رسول الله؛ مع أنّه قائد الدولة الإسلامية في المدينة؛ ولهذا جاء في سيرة ابن هشام: " وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ كَانَ قَوْمُهُ هُمْ الَّذِينَ يُعَاتِبُونَهُ وَيَأْخُذُونَهُ وَيُعَنِّفُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهِمْ: كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ قَتَلْتُهُ يَوْمَ قُلْتَ لِي اُقْتُلْهُ، لَأُرْعِدَتْ لَهُ آنُفٌ، لَوْ أَمَرْتهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُهُ، قَالَ عُمَرُ: قَدْ وَاَللَّهِ عَلِمْتُ لَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْ أَمْرِي"(8).

ومن هنا نستشعر أنّ الدعوة للإسلام؛ لا تقوم على النفعيّة أو البراغماتيّة الخاصّة بالأشخاص؛ بل تقوم على البحث عمّا يُقرّب الناس في التعامل في ضوء مصلحة الإسلام؛ من خلال رؤية اجتهادية مقاصديّة تنظر في الغايات من البداية وفي مآلات النهاية.

وفي هذا الحديث ينقل الكرماني عن الخطابي قوله: "فيه باب عظيم من سياسة أمر الدين والنظر في العواقب وذلك أنّ الناس إنما يدخلون في الدين ظاهراً ولا سبيل إلى معرفة ما في نفوسهم فلو عوقب المنافق على باطن كفره لوجد أعداء الدين سبيلاً إلى تنفير الناس عن الدخول فيه بأن يقولوا لإخوانهم: ما يؤمنكم إذا دخلتم في دينه أن يدعى عليكم كفر الباطن فيستبيح بذلك دماءكم وأموالكم فلا تسلموا أنفسكم إليه للهلاك فيكون ذلك سبباً لنفور الناس عن الدين"(9).

3. عدم قتل النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم الخوارج وقت بدء ظهورهم للتألّف وعدم نفرة الناس عنه.

فإنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يقتل بعض الخوارج الذين خرجوا عليه؛ لئلا ينفر الناس عنه؛ حتّى بوّب الإمام البخاري في صحيحه على ذلك : ( بَابُ مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ، وَأَنْ لاَ يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ) ثم ذكر حديث أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ، جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ» قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: " دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"(10).

يقول ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث : و" َالْحَدِيثُ فِي تَرْكِ الْقَتْلِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمِيعِ إِذَا أَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَنَصَبُوا لِلنَّاسِ الْقِتَالَ وَجَبَ قِتَالُهُمْ وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَظْهَرَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا وَرَاءَهُ فَلَوْ قَتَلَ مَنْ ظَاهِرُهُ الصَّلَاحُ عِنْدَ النَّاسِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَرُسُوخِهِ فِي الْقُلُوبِ لَنَفَّرَهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَمَّا بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ قِتَالِهِمْ إِذَا هُمْ أَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَتَرَكُوا الْجَمَاعَةَ وَخَالَفُوا الْأَئِمَّةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قِتَالِهِمْ قُلْتُ وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَوِ اتَّفَقَتْ حَالَةٌ مِثْلُ حَالَةِ الْمَذْكُورِ فَاعْتَقَدَتْ فِرْقَةَ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ مَثَلًا وَلَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ كَأَنْ يَخْشَى أَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ لِلْفِرْقَةِ الْمَذْكُورَةِ لَأَظْهَرَ مَنْ يُخْفِي مِثْلَ اعْتِقَادِهِمْ أَمْرَهُ وَنَاضَلَ عَنْهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِخُرُوجِهِمْ وَنَصْبِهِمُ الْقِتَالَ لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ مَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ الْخَوَارِجِ فِي الْقِتَالِ وَثَبَاتِهِمْ وَإِقْدَامِهِمْ عَلَى الْمَوْتِ"(11).

4. الحث على صِلة الرحم رُغم عداء كثير من قومه له.

لقد كان صلّى الله عليه وسلّم يأمر بصلة الأرحام حتى مع شدّة عداء قومه له، ويُناقش دعاوى المشركين، فطالما قال كُفّار قريش أنّ دعوة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم أتت لتكريس الانقسام بين المجتمع، فاتّهموه بكونه ساحراً يُفرّق بين المرء وزوجه، ومن هنا نجد البُعد الأخلاقي والاجتماعي في دحض هذه الأباطيل؛ وتوضيح حقيقة الدعوة الإسلاميّة بأنّها دعوة خالصة من الفُرقة والتفرقة المجتمعية؛ بل حينما كان يؤذى من قومه؛ ويُسأل عمّ أرسله الله؛ يذكر أنّه أُرسل بصلة الأرحام، فقد قال عمرو بن عبسة السلمي : كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة ، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان ، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارا ، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جرآء عليه قومه ، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة ، فقلت له : ما أنت ، قال : " أنا نبي " ، فقلت : وما نبي؟ قال : " أرسلني الله " ، فقلت : وبأي شيء أرسلك ؟ قال : " أرسلني بصلة الأرحام ، وكسر الأوثان ، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء "(12).

والمُلحة في هذا الكلام أنّ الرسول أول ما بدأ في دعوته الحث على صِلَة الرحم؛ في مجتمع قبائلي تذود فيه القبيلة عن حِياضها، وتحمى حِماها، وتشتعل ثائرة القبيلة بأي شيء يمسّ وحدتها؛ فبيّن بكلامٍ جزلٍ سهلٍ أنّ دعوته أتت بصلة الأرحام.

وهو الذي توعّاه غير المسلمين عنه، وقالوه عنه رُغم خصومتهم له؛ ففي حديث أبي سُفيان مع هرقل حين سأَلَه هرقل قائِلاً: فماذا يأمُركم؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان: قلت: يقول: اعبُدُوا الله ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقول آباؤكم، ويأمُرنا بالصلاة والصدق والعَفاف والصِّلة(13).

إنّ في القرآن إشارة عميقة لخطر قطيعة الرحم؛ إذ يقول تعالى في سورة محمد : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (23) }(14) وفي هذا دلالة على أنّ من تولّى عن فهم شريعة الإسلام فهو الذي سيقطع الرحم؛ وفي هذا الأسلوب القرآني استدلال بقلب الحجّة التي ادّعوا أنّها لهم؛ لتكون عليهم؛ إذ دين الإسلام يدعو أساساً لصلة الرحم؛ فإن قيل: إنّه يُفرّق بين الرجل وأهله؛ فهذا غير صحيح؛ لأنّه لا يدعو لذلك؛ والحال الذي نُشاهدها فيكم أنّكم أنتم الذين تسفكون الدماء بينكم؛ وهذا الحال قبل إسلامكم؛ وإن صددتم عن هذا الدين؛ فإنّكم ستبقون على ما أنتم عليه فتفسدون في الأرض بالمعاصي.

مما ذكرته يتّضح جلياً أنّ الإسلام عُني بتوضيح الصورة الصحيحة في قضيّة صلة الأرحام، ولم يترك لهم المجال ليتحدّثوا كما شاؤوا؛ فهنالك كلام يُهمل ولا يُلقى له بالاً؛ وثمّة تُهم وأباطيل يستوجب كشفها وتوضيحها لئلا يغترّ بها مُغتر، أو يبقى يقولها مفتر!

وبقي هذا الحال مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكّة حتى دخوله للمدينة، وكانت دعوته إلى صلة الرحم من أوائل وصاياه؛ فعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْجَفَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ "(15).

ثانياً: السياسة النبوية في الحفاظ على صورة الإسلام وقت الجهاد.

أمر الله – تبارك وتعالى – بالإثخان في صفوف العدو المُحاربين، وقتالهم قتالاً شديداً يُعيد للمسلمين هيبتهم؛ وحين تضع الحرب أوزارها، وتكون القوّة والمُكنة للمسلمين، حتى يضرب الإسلام بِجِرانه؛ فلا مانع بعدها أنّ يُحسن إلى عموم الخلق؛ وخاصّة من المسالمين والنساء والصبيان والشيوخ والشباب المعتزلين للحرب، وغيرهم؛ إذ ليس من مقاصد الإسلام في الجهاد قتل الكفار؛ بل قتال المحاربين، وفرق كبير لا يفهمه دعاة الفتنة من أدعياء الجهاد بين قتل الكفار، وقتال المحاربين.

فقتل الكفار: تقصّد الكفرة بالقتل والإبادة، ومقاتلتهم بسبب دينهم فقط!

وقتال المحاربين: حالة تفاعل بين الطرفين؛ فطرف الكفار يُحاربون ويُمانعون ويصّدون عن الإسلام والدين؛ ويقومون كذلك بالمفاعلة القتاليّة؛ فيُجابهُهُم أهل الإيمان بعزيمة من حديد، ويستغلظون عليهم؛ حتّى يفيئوا إلى رُشدهم، أو ينهزموا ويلوذوا بالفرار.

في هذه الحالة إن حصل من بعضهم أسرى فالواجب الإحسان إليهم بالإطعام؛ رُغم كل ما عانوه منهم من أذى؛ إذ يقول تعالى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ( 8 ) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ( 9 ) }(16).

وهذا من أسباب التحسين للسمعة الإسلامية أنّ المحاربين منه رُغم كل شيء مسّهم من عدوهم؛ إلاّ أنّه بعدما تقف الحرب؛ يختلف التعامل بالإحسان إلى الأسرى؛ وكم من أسير أسلم، ومن رقيقٍ وإماء دخلوا للإسلام بسبب تعامل المسلمين معهم بأرقى التعاملات؛ حتّى صاروا من المجاهدين في سبيل الله مع جنود المسلمين.

وإذا جنح الأعداء للسِّلْمِ فليجنح لها المسلم؛ إذ دينه دين السلام؛ شرط أن يكون سلاماً عن قوة وليس عن دعة وخزي؛ ولهذا قال تعالى : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(17).

لقد عدّ الإسلام من أسباب الصدّ عن دين الله : اتخاذ الأيمان والعهود والمواثيق التي يقولها ويُبرمها المسلم مع الكافر؛ ثمّ يغدر به؛ لأنّه لن يثق بدينه، وتحصل هنا الأزمة الأخلاقيّة عند المسلم الذي يدّعي أنّه سيقود الناس للهداية؛ لكنّه غدر بغيره؛ ولهذا يقول تعالى : {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }(18).

يقول ابن كثير: " حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا ؛ لئلا تزل قدم بعد ثبوتها : مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى ، بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله ؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام; ولهذا قال : ( وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم )"(19).

ولقد فصّل علماء الإسلام في أحكام المُعاهدين والمستأمنين؛ إذ الأمان نوعٌ من الموادعة ، وهو عهد يبذله الإمام أو من دونه من المسلمين لحربي أو لعدد من أهل الحرب على أن يُقرُّوا في دار الإسلام مدّة معيّنة، وهم أقسام فمنهم الرسل والسفراء، ومنهم التجار، ومنهم المستجيرون لسماع كلام الله ومعرفة الإسلام، ومنهم من يطلب لنفسه حاجة خاصة بزيارة قريب أو مستشفى ؛ وقد قال تعالى : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه} "قال الحسن البصري: هي محكمة سنة إلى يوم القيامة، وقاله مجاهد" ولهذا قال القرطبي مُعلّقاً: وهذا هو الصحيح . والآية محكمة ، وذكر قول سعيد بن جبير : جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل ؟ فقال علي بن أبي طالب : لا ؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله (20).

وحرّم الإسلام الغدر، ولم يتعامل الرسول مع من غدر أو يتعاطى معه في تأييد موقفه ويُقرّه عليه، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم- لأبي بصير: " يا أبا بصير إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك "، فقال: أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبوني ؟ فقال: " اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك فرجاً ومخرجاً "(21).

وثبت في صحيح البخاري أن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – أنّ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا الإِسْلاَمَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ»(22).

وفي هذا دلالة على أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقبل منه أموالهم؛ مع أنّه كان قد فعل ذلك قبل إسلامه؛ وعاتبه على فعله يومذاك؛ حتّى استشعر خطورة الفعل المغيرة بن شعبة لهذا قال في رواية أخرى: "فأخذني ما قرب وما بعد"(23)، وحين علم النبي صلى الله عليه وسلم منه صدق إسلامه بيّن له أنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله.

قال ابن حجر:"ويستفاد منه – أي من الحديث – أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلماً كان أو كافراً، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة(24).

وقد أمر الشرع الحنيف بالوفاء بالعهد، وحذّر من نقض العهود؛ وجعل من لم يفي بالعهد ليس على طريقة النبي وسنّته وهديه، وتبرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم من فعله فقال صلى الله عليه وسلم : "من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه"(25).

يقول القرافي في هذا الصدد :" فمن اعتدى عليهم؛ ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذيّة، أو أعان على ذلك، فقد ضيّع ذمّة الله، وذمّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وذمّة دين الإسلام"(26).

قال البخاري: " فلعقد الذمّة فائدتان ظاهرتان: إحداهما: تمكينهم في دار الإسلام يروا محاسن الإسلام فيرغبوا. والثانية: أن يرى أهل الإسلام مقابح الكفر فيشكروا على بلوى الإسلام ويصبروا"(27).

وليس هذا الذي نذكره من قبيل الهزيمة النفسية في التعامل مع غير المسلمين، أو الشعور بالضعف والدونية، أو إرضاء الآخرين والتملق لهم ومداهنتهم، أو بسبب ضعف المسلمين في هذا الزمن؛ بل إنّها أصول شرعيّة تُقال في زمن القوة وزمن الضعف؛ فإنّ الإسلام لا يُقاتل الآخرين على عقيدتهم لأنّه لا إكراه في الدين؛ بل يُقاتلهم على كونهم قد استخدموا العنف في الدعوة لعقيدتهم، أو قاتلوا من أراد دعوتهم للإسلام فأردوا صدّ الناس عن دعوتهم.

والإسلام في الأصل يعتبر الجهاد في سبيل الله وسيلة لتحقيق الغاية وهي عبودية الله في الأرض؛ أو أن يكون الدين الإسلامي مهيمناً على الدين كلّه؛ ويُظهره على الدين كلّه؛ ومن لم يؤمن بالإسلام فالأمر له؛ بل من الغي إكراه الآخرين على عقيدة اختاروها ولم يريدون الدخول في الإسلام، وهو من معاني قوله تعالى : {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي} فمن المفسرين من قال: قد تبين الرشد في الإسلام من الغي الذي في الكفر؛ وبعض المفسرين قال: قد تبيّن الرشد في عدم إكراه الآخرين على الإسلام، من الغي وهو محاولة إجبارهم للدخول في الإسلام؛ والمعنيان صحيحان؛ إذا تأمّلنا كلّ واحد منهما؛ والاختلاف بينهم اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد.

ومما يحسن إيراده في هذا الموضع الاستشهاد بالحديث الصحيح عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ»، قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ». فَقَالُوا: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ». فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"(28).

في هذا الحديث تتبدّى طبيعة روح الهداية في قلب المجاهد لغير المسلمين؛ وأنّها مقدّمة على قتلهم؛ ومع أنّ هذا كان الخطاب فيه لليهود في خيبر حين غدروا، ومخاطبة أشد الناس عداوة للدين آمنوا؛ وهذا كلّه لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من محاولة استقطابهم للدعوة الإسلامية؛ وبيان أجر من دعاهم للهداية؛ وأنّه خير للداعية من حُمر النّعم؛ لهذا قال الإمام ابن حجر العسقلاني: "يؤخذ منه أن تألف الكافر حتى يسلم أولى من المبادرة إلى قتله"(29).

ولهذا يقول أحد علماء الشافعية الخطيب الشربيني: " وجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد، إذ المقصود بالقتال إنما هو الهداية، وما سواها من الشهادة، وأمَّا قتل الكفار فليس بمقصود، حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد كان أولى من الجهاد "(30).

وحين تحدث العلاّمة الملا علي قاري في تقسيم بعض العلماء للأبواب الفقهية، قال:" تخليص مؤمن من القتل مثلا أفضل من قتل كافر لقوله تعالى : ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، ولذا قدم كتاب النكاح على باب السير والجهاد ; لأن ; إيجاد مؤمن أفضل من إعدام ألف كافر؛ لأن المقصود بالذات من الجهاد وجود الإيمان وأهله، قال تعالى : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(31)(23).

ولقد تقرّر هذا الأصل عند العلماء وهو الفرح بهداية شخص وإنقاذه من عقوبة الله خير من مقاتلته، من عدّة مصادر وأخبار أتت في السيرة، ومن أبينها صراحة غير حديث علي بن أبي طالب السابق، ما جاء في السيرة النبويّة أنّ وحشي بن حرب قام بقتل حمزة بن عبد المطلب غيلة وغدرا يوم أحد بعد أن فعل حمزة بالمشركين الأفاعيل، فوقف صلى الله عليه وسلم على جثمان حمزة وقال: " والذي نفسي بيده لا أقف موقفا أغيظ لي من هذا الموقف" ثم أسلم وحشي بن حرب واندس في وفد الطائف مختفيا لما قدموا على الرسول - عليه الصلاة والسلام - فقال الصحابة: هذا وحشي يا رسول الله الذي قتل حمزة ألا نقتله؟ فسألهم: "هل قدم مسلما»؟ قالوا: نعم. فقال: «والذي نفسي بيده لإسلام رجل واحد أحب إليَّ من قتل ألف كافر"، فقبل إسلامه وعفا عنه (33).

والكلمة المقصودة ليس فيها حكم داخل في الأحكام التكليفيّة أو الوضعية؛ ليُبنى عليه عمل ، بل له ما يسنده من حديث رسول الله؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) فكان المقصد من الجهاد هدايتهم، فإن حصلت الهداية كان أفضل من قتلهم قطعاً.

إنّ مِمّا يُعزّز مبدأ تحسين صورة الإسلام وجود صُلحٍ حقيقي يحصل فيه أمان بين الطرفين؛ إذ يلتقيان ويتحدث كل منهما للآخر؛ وفي هذا يكسب المسلمون وقتهم في تجلية صورة الإسلام، ودعوة الآخرين إليه، ويحصل به فتحٌ مبين دون إراقة دماء وسفكها، أو إزهاق أرواح وهدمها؛ ولهذا سمّى الله صلح الحديبية فتحاً مبيناً؛ وعن هذا الفتح يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم من فتح الحديبية، إنما كان القتال حيث التقى الناس، ولما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضًا التقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا في تلك المدة، إلاّ دَخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر".

قال الإمام ابن هشام موافقاً الزهري على ذلك : "ويدل عليه أنه – صلى الله عليه وسلم - خرج في الحديبية في ألف وأربع مائة ثم خرج بعد سنيتن إلى فتح مكة في عشرة آلاف". (34).

يُعلّق الإمام ابن حجر على كلام الزهري موافقاً إياه فيقول: " فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية "(35).

ففي هذا الفتح عرف كثيرٌ من المشركين دين الإسلام عن قرب، وتجلّت لهم الصورة فيه، وأيقنوا بصدق هذا الدين وصلاحيته وإصلاحه للبشرية ؛ فكانوا خير مُعينٍ على نشر الدعوة الإسلاميّة؛ بل كانوا أساس الفتح لمكّة حين وقر الإسلام في قلوبهم؛ بعدما نقض العهد الكفار مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فكانوا على بيّنة من دينهم؛ وبسبب وفاء العهد من جند الصحابة، وإذ وقر الإيمان في قلوبهم، واستقامتهم في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلّم؛ تهيّأت لهم الأسباب في فتح مكّة؛ حتّى بطشوا بمن كانوا رؤوس الفتنة والإجرام، ممن صدّوا عن السبيل، ولاحقوهم وأثخنوا فيهم؛ ثمّ حين استبب الأمر وضُبطت الأمور؛ وقف النبي صلى الله عليه وسلّم وقال لكفار قريش: " ما تظنُّون أني فاعل بكم" قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم؛ فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء" فكان النبي صلى الله عليه وسلّم قد أطلق أرواحهم وفتح لهم أبواب البلاد؛ وحين لمسوا عدالته، دخلوا في دين الله أفواجاً كما قال تعالى : { إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّاباً }.

· الهوامش:

1. مسند الإمام أحمد (41 / 349) رقم الحديث : (24855) وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط ومحققو الكتاب حديث قوي، وهذا سند حسن، عبد الرحمن بن أبي الزناد حسن الحديث. وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح. وحسن إسناده الألباني في "السلسلة الصحيحة" (6/ 2 / 1023 - 1024 تحت رقم 2924).

2. سورة المنافقون، الآية : (18).

3. صحيح البخاري، ( 6/ 154) حديث رقم : ( 4905) باب قوله : {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، ط : (1)، 1422هـ

4. صحيح مسلم، ( 4/ 1998) حديث رقم : (2584) باب : نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

5. ابن شبّة، عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة البصري، تاريخ المدينة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، عام النشر: 1399 هـ : ( 1/374 ).

6. سورة التوبة: الآية : (73).

7. النووي، يحيى شرف ، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج / (16 / 139) الطبعة الأولى 1349 هجري - 1930 م ، المطبعة المصرية بالأزهر

8. ابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: مشهور آل سلمان، تخريج أبو عمر أحمد عبد الله ، دار ابن الجوزي : ( 5 / 7) الطبعة الأولى 1423 هجري.

9. ابن هشام، عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية ، ط: مؤسسة علوم القرآن، ص 293.

10. الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري ط 2 1401 هـ - 1981 م : دار إحياء التراث العربي، ( 14 / 127).

11. صحيح البخاري (9 / 17) حديث رقم: ( 6933).

12. ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة - بيروت، 1379م: (12 / 291).

13. صحيح مسلم، كِتَاب صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَاب: إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، (1/ 569) حديث رقم : ( 832).

14. صحيح البخاري، كتاب :{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء}: (6 / 35) حديث رقم : ( 4553).

15. سورة محمد : الآية ( 22 – 23 ).

16. مسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط(1) 1421 هـ - 2001 م، (39 / 201) حديث رقم : (23784)، وقالوا المحققون : إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، والحديث رواه ابن ماجه برقم (3251) وصححه الألباني.

17. سورة الإنسان: الآية : ( 8 – 9).

18. سورة الأنفال: الآية: (61).

19. سورة النحل: الآية : (94).

20. ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، 1422هـ / 2002م: ( 4 / 600).

21. القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن ، دار الفكر : (8 / 16) باختصار وتصرف.

22. ابن حجر، فتح الباري :( 5/349).

23. صحيح البخاري : ( 3 / 193) حديث رقم : (2731).

24. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1422هـ / 2001م : (3 / 25).

25. ابن حجر، فتح الباري: (5/341).

26. صحيح مسلم: (3 / 1476) حديث رقم : (1848) كتاب الإمارة ، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر.

27. القرافي، أحمد بن أبي العلاء، الفروق،: ( 3/ 15) دار عالم الكتب

28. البخاري، محمد بن عبد الرحمن ، محاسن الإسلام ، مكتبة القدس، سنة 1357هـ ، ص 6.

29. صحيح البخاري : (5 / 18) حديث رقم : (3701 ) كتاب فضائل الصحابة باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه.

30. ابن حجر ، فتح الباري، دار طيبة : ( 9 / 316).

31. الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار المعرفة ، ط1: 1418هـ ، 1997م: ( 4 / 277).

32. سورة الذاريات : الآية : (56).

33. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، علي القاري ، دار الفكر: (٦ /٢٤١).

34. رواها يُونس بن بُكير وهو حافظ صدوق، عن محمد ابن إسحاق في المغازي وكذا نقله السُّهيلي في الروض الأنف، ونقله الإمام ابن حجر في فتح الباري (7/370).

35. السيرة النبوية لابن هشام : ( 2 / 322).

36. فتح الباري، ابن حجر: ( 6 / 649).