عناصر الدراسة

-الحافة الأوروبية منطقة صراع لا تهدأ.

-التنافر الاستراتيجي بين روسيا والغرب.

-هل نحن على عتبة نظام دولي جديد؟

-روسيا وعصر الهيمنة والنفوذ.

-هل استسلم الغربيون أمام روسيا؟

-قراءة في الاستعدادات العسكرية للطرفين.

-روسيا دب بأقدام من طين.

-أربعة سيناريوهات للأزمة الأوكرانية.

الخاتمة

ملخص الدراسة:

بعد نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، استطاع الأمريكيون تحييد روسيا –وريثة الاتحاد السوفياتي- عن الساحة الدولية، لمدة عقدين ونيف من الزمن، وكان هذا التحييد يعمل بالتوازي مع مشروع توسع حلف الأطلسي، الذي ضمّ إليه جل دول أوروبا الشرقية، غير أن صعود أسعار النفط بقوة بداية من سنة 2003، جعلت روسيا تراكم ثروة مالية كبرى، مكنتها من تحديث قوتها العسكرية، ورفع مستوى المعيشة نوعا ما، إلا أن حرب الثمانية أيام في جورجيا ثم الأزمة الأوكرانية عجلت بإظهار روسيا خططها للعودة إلى الساحة الإقليمية، عن طريق استعمالها قوتها العسكرية في أوكرانيا بداية ثم في سوريا، غير أن هذه الدراسة تركز على الصراع القوي والمستمر بين روسيا والغرب في أوروبا، وبالذات على الأرض الأوكرانية، حيث تعمل روسيا بجدية لتقويض الاستقرار الأوروبي، وتفكيك الاتحاد الأوروبي، ونشر الفوضى في دوله، وتقوية الأحزاب اليمينية، بينما يحاول المعسكر الغربي الرد على ذلك من خلال العقوبات الاقتصادية القاسية، التي أربكت الروس إرباكا شديدا.

والصراع بين هاتين القوتين لا يمكن أن يهدأ على المدى القصير والمتوسط، بينما تبدو مؤشرات الصدام في المستقبل كبيرة، خاصة في ظل ترهل النظام العالمي، ومعاناته من تبعات الأزمة المالية العالمية التي ظهرت سنة 2008، وسنحاول في هذه الدراسة رصد أهم الاختلافات التي تؤجج هذا الصراع، وعرض بعض مظاهره، والتعريج على ذكر خطط كل معسكر للإطاحة بالآخر، مع ذكر النهج العسكري الجديد في حربه ضد خصومه.

الحافة الأوروبية منطقة صراع لا تهدأ

لم ينعم سكان أوكرانيا –تمثل حافة أوروبا- كثيرا باستقلالهم عبر الفترات التاريخية التي عرفوا فيها الاستقلال –وهي معدودة- وعانوا كثيرا من التدخلات الأجنبية، حيث ظلت أرضهم محل أطماع دائمة للقوى الإقليمية، والعالمية، ويظهر أن هذه الحقيقة التاريخية لم تتغير حتى اليوم، حيث دخلت ضمن مشروع أوراسيا الأمريكي منذ خمسينات القرن الماضي، كما ظلت بعد استقلالها –بعد سقوط الاتحاد السوفياتي- محل أطماع روسيا وريثة السوفييت.

ولطالما أفرز الصراع حول هذه الأرض متغيرات جوهرية في العالم، فالصراع الذي جرى على أرضها بين إمبراطورية السويد وروسيا آنذاك، فيما عرف بحرب الشمال العظمى (من سنة 1700م إلى سنة 1721م) (1) انتهى بانهيار الإمبراطورية السويدية، وظهور روسيا لأول مرة على الساحة الدولية بعد معركة سهل بولتافا، سنة 1709م، والتي أخرجت روسيا لأول مرة في تاريخها كقوة كبرى، ولم يكن الأمر خاصا بسهول المنطقة الشرقية، بل كان جنوب أوكرانيا مسرحا لمعارك عنيفة وحاسمة، انتهت بانهيار دول وإمبراطوريات، وظهور أخرى على مسرح الأحداث، ونقصد بالجنوب هنا شبه جزيرة القرم، فالحروب النابليونية الروسية ونتائجها الوخيمة على الطرفين، -كانت أحد أسباب أفول نجم امبراطورية نابليون بونابرت-، لا تزال أثارها حاضرة بقوة في المخيال الروسي والفرنسي، حيث قتل الآلاف من الروس، وأحرق الروس قراهم ومدنهم، وأحرقوا في النهاية موسكو؛ حتى يرهقوا الجيش الفرنسي الذي نال منه التعب والجوع، بينما خسرت فرنسا نابليون سنة 1812 حوالي 400 ألف جندي رغم وصول جيشها إلى موسكو. (2)

أما أبرز الحروب التي شهدتها هذه المنطقة الاستراتيجية وغيرت مجرى التاريخ، فمن المؤكد أن الحروب العثمانية الروسية تأتي في المقام التاريخي الأول، والتي استمرت قرنين من الزمن، وكانت سببا هاما في ضعف السلطنة العثمانية وتهيئتها للسقوط بعد ذلك –يتفق المؤرخون أن روسيا كان لها دور هام جدا في سقوط الخلافة العثمانية- ، فبعد خسارة العثمانيين لجزيرة القرم بدأ الانحسار عن أوروبا الشرقية وجنوبها نحو الداخل، ثم خسر العثمانيون آسيا الوسطى، حتى استقرّ العالم على خريطة نفوذ وهيمنة جديدة تتقاسمها قوى جديدة.

التنافر الاستراتيجي بين روسيا والغرب

إذن ومما سبق يمكن أن نصل إلى نتيجة متقدمة وهامة، وهي :أن هذه الرقعة الجغرافية من العالم ستبقى أحد أبرز مناطق الصراع عبر التاريخ، كما أن من ينتصر فيها يتمكن من رسم خريطة النفوذ العالمية والتأثير فيها، ويدرك الغربيون هذه الحقيقة جيدا، ويستمرون في تناقلها جيلا بعد جيل، ويؤكد هذا ما جاء على لسان خبراء الناتو: "تبدو الأزمة الأوكرانية نقطة تحوّل محتملة في الأمن الأوروبي-الأطلسي. بعد أن فاجأت الكثيرين، تحدث بعض كبار المسؤولين والسياسيين الأوروبيين عن تغيّر في المشهد الأمني الأوروبي، وعن كون الأزمة أوجدت حقائق أمنية جديدة للقرن الحادي والعشرين وبأنها تتطلب ردًا كبيرًا من جانب حلف الناتو.

إلا أن الأزمة هي في الوقت نفسه، تبلور عدد من المشاكل الأكبر وذات المدى الأبعد التي كانت تزداد شيئًا فشيئًا منذ مدة، وبخاصة حس التنافر الاستراتيجي المكثِف بين روسيا والغرب. على الرغم من تركيز الكثيرين على التوترات المتزايدة بين الغرب وروسيا منذ عودة فلاديمير بوتين إلى الرئاسة في 2012، والفشل التالي في "إعادة ضبط" السياسة الأميركية-الروسية، إلا أن العلاقة - وبالأخص في ما يتعلق بالأمن الأوروبي – كانت تتدهور باستمرار قبل ذلك." (3)

ويرى الخبراء الغربيون أن سبب الخلاف يرجع أساسا إلى الاختلاف في الرؤية النهائية لمفهوم الأمن عند الغربيين وعند الروس؛ فالغربيون يعتقدون أن توسيع الاتفاقيات الأوروبية التجارية مع دول أوروبا الشرقية والبلقان، وإلغاء نظام التأشيرات بين الاتحاد الأوروبي ودول شرق أوروبا -التي لم تنل عضويته- وضم المزيد من الدول الأوروبية إلى حلف الناتو هو السبيل لوحيد لتحقيق الأمن وإرساء الاستقرار، حيث يكون التكامل الأوروبي في الأخير وفق مشروع أوروبا العظمى هو الطريق الوحيد نحو السلام والحرية والرخاء.

بينما يرى الروس أن أوروبا لا يمكن أن تكون قارة واحدة، فهي في نظرهم تنقسم إلى قسم غربي وقسم شرقي، ويمثل القسم الشرقي منها حديقة خلفية وفناءً استراتيجيا لروسيا، ويعتقدون أن أوروبا الغربية لا تمثل أكثر من مشروع أمريكي يهدف في الأخير إلى الهيمنة على ما وراء أوروبا، وصولا إلى منابع النفط في آسيا الوسطى؛ لتحقيق مشروع أوراسيا وفق الرؤية الأمريكية بصيغته النهائية؛ لأجل ذلك يرفض الروس سياسة "الباب المفتوح" التي تنتهجها أوروبا وحلف الناتو، وتراها تهديدا وجوديا مباشرا لها.

إذن هذا الاختلاف في الرؤى بين أطراف الصراع هو الذي يغذي التحليلات السياسية الغربية التي تحذر من انقسام أوروبا، بعد ذهاب الروس بعيدا في تحقيق رغبتهم في تقسيم أوروبا، من خلال بث الخلافات بين قادتها من جهة وبين مكوناتها الشعبية من جهة ثانية، ومن خلال الاستمرار في مساعدة اليمين المتطرف على السيطرة على الحياة السياسية في أوروبا.

هل نحن على عتبة نظام دولي جديد؟

ولا يقف الأمر عند الخبراء والإعلام الغربي على الحديث عن الاختلافات السياسية الجوهرية بين الغرب وروسيا على الورق، بل يرون أن هذا الاختلاف قد بدأ يتجسد فعليا على الأرض، حيث تتساءل مجلة "لو كووريي انترناشيونال" بعد معركة ديبالتسفا شرق أوكرانيا عام 2015م، والتي انتصر فيها الانفصاليون الروس قائلة: "هل سيؤدي هذا إلى مؤتمر يالطا جديد لإعادة تقسيم أوروبا؟ بعد أن فشلت أوروبا في الوقوف في وجه الجهود الروسية الحثيثة لإعادة رسم خريطة أوروبا وفق المنظور الروسي، ثم استعادة مجد الاتحاد السوفياتي".

هذا الاستياء الذي تبديه مراكز الدراسات الأوروبية المهتمة بسياسات روسيا وحلف الناتو يرجع إلى سببين هامين:

الأول: وهو أن القوى الكبرى سواء أكانت عالمية أو إقليمية تظهر دائما استعدادا تاما لخوض حرب دموية من أجل الحفاظ على ما تراه مصالح قومية استراتيجية، وهذا ما لم يتفطن إليه السياسيون الغربيون، الذين تجاهلوا كل التحذيرات التي أطلقها خبراء أوروبيون، والتي أشارت في مجملها إلى خطورة مستقبل أوروبا بعد أن أظهر بوتين في جورجيا عدم مبالاته بالقانون الدولي في سبيل تحقيق ما يراه مصالح روسيا العظمى، وقد نبهت مجلة فورين بوليسي إلى مثال واقعي تعلم منه الروس كثيرا، ففي عنوان بارز أوردته مجلة فورين بوليسي الأميركية في مقال بعنوان: "ما تعلمه بوتين من ريغن" تُذكّر المجلة السياسيين الغربيين بتشابه ما يحدث في أوكرانيا وبين ما حدث في نيكاراغوا، عندما شن الرئيس الأمريكي ريغان حربا دامية على نيكاراغوا، بعدما أطاحت حركات يسارية بالديكتاتور التابع للسلطات الأميركية أناستازيو سوموزا ديبايلي، وهي الحرب التي أدت إلى مقتل الملايين.(4)

السبب الثاني: فهو ممارسة روسيا حربا نفسية شرسة ضد خصومها؛ لأجل التأثير فيهم، ونشر الخوف في الشعوب الأوروبية؛ وهذا ما يفسر لجوء روسيا إلى استعمال أقصى جهدها في توظيف الدعاية وانتهاج سياسة السخرية والتكذيب كوسيلة لمواجهة الحقائق التي تثبت الاتهامات الموجهة لسياستها، يقول الخبير "جانيس بورزينس" من مركز الأمن والبحث الاستراتيجي بأكاديمية الدفاع الوطني بـ لاتفيا : "هناك شكل جديد من استراتيجيات الحروب، لا يمكن وصفه بالمعنى الكلاسيكي للحرب، حتى في ظل تواجد كل العناصر التقليدية المتعارف عليها في المجال، الشكل الجديد يتلخص في التأثير".(5)

ومما يدل على ذلك أيضا، توظيف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمنظر والمؤرخ وأستاذ الجيوبوليتيكا المتطرف "ألكسندر دوغين" كمستشار سياسي له، وهو المعروف بطروحاته الراديكالية المتطرفة، حيث يرى أن النموذج الروسي هو الأصلح للبشرية حاليا، ومن أقواله:"يجب أن تهيمن روسيا لإنقاذ أوروبا من عدميتها"(6).

ولأجل هذا يرى أنه لا يوجد أي إشكال أخلاقي في أن تلجأ روسيا إلى استعمال الخيار العسكري لتنفيذ هذا المخطط المقدس، وهو لا يتردد في الكتابة في ذلك والدعاية له، كما أنه يرى أن حدود روسيا تتحكم فيها الحدود الجغرافية الحالية، واللغة الروسية، فهو من دعاة حماية الناطقين بالروسية أينما وجدوا، وهو من أنصار استعادة مجد المذهب الأرثوذكسي، كما أنه يصر على استعمال الأسلوب الشعبوي للتعبئة وإثارة الحمية الروسية، فبعد فوز المرشح الشيوعي البلغاري رومين راديف برئاسة بلغاريا صرح دوغين قائلا: "واشنطن أصبحت لنا، وكيشينيف "عاصمة مولدافيا" وصوفيا أيضاً.." (7)

روسيا وعصر الهيمنة والنفوذ

لا يقتصر الأمر على الخبراء والإعلاميين والمنظرين الروس في بث وإشاعة العمل بأسلوب التأثير في الخصوم لبث الرعب فيهم، بل إن الرئيس الروسي هو رائد هذا الأسلوب، باعتباره رجلا بخلفية استخباراتية، وأبرز مثال على ذلك ما جاء عن الرئيس الروسي بوتين فيما نقلته صحيفة دايلي ميل البريطانية عن تصريح مثير للاهتمام أدلى به بوتين في حفل رعته الجمعية الروسية الجغرافية، والذي أُذيع تلفزيونيا الخميس 24 نوفمبر 2016، ففي نهاية الفعالية دعا مقدم الحفل، فالديس بيلش إلى خشبة المسرح الطفلين ميروسلاف أوسكيركو "9 سنوات" وتيموفي تسوي "5 سنوات" اللذين اشتهرا بإتقانهما الجغرافيا. وسأل بوتين تيموفي تسوي عن مدينة واغادوغو عاصمة أي دولة؟ فرد الطفل بشكل صحيح "بوركينا فاسو". وعندما سأله بوتين عن اسم هذه الدولة قبل ذلك، تردد تيموفي قليلا ثم قال "الجزء العلوي من شيء ما"، فقال بوتين،: "فولتا" وأثنى على الصبي.

وقال أوسكيركو لرئيس الدولة إنه يعرف "كل الحدود، وجميع العواصم". عندها سأله بوتين "أين تنتهي حدود روسيا"، فقال الفتى: "إنها تمر من خلال مضيق بيرينغ، حيث الولايات المتحدة". وهنا قال الرئيس بوتين للفتى وهو يمزح معه: "حدود روسيا لا تنتهي أبدا".(8)

ويعلق الدكتور أكرم حجازي والخبير بسياسات النظام الدولي قائلا: " فهل كان بوتين يمزح فعلا!؟ الجواب: لا أبدا. لم يكن يمزح بقدر ما كان يقصد كل كلمة بل وكل حرف قاله.

والحقيقة أن العبارة كان من الممكن أن تصدر عن أي من زعماء الدول الكبرى، ابتداء من أعضاء مجلس الأمن الدولي، مرورا بألمانيا وانتهاء بالصين واليابان. فبعد الحرب العالمية الثانية، شاع في أوساط علماء السياسة والاجتماع، عبارة "الدولة العالم" التي يصل نفوذها وهيمنتها إلى حيث تمتد مصالحها. لكن حين يتعلق الأمر بروسيا فالمسألة تبقى ذات مضامين مرعبة، خاصة وأنها دولة توسعية متوحشة. ولعل تعليق ديمتري كاساتكين على كلام بوتين، والذي نقلته وكالة "أنتر فاكس" الروسية عن حسابه في موقع "تويتر" هو أبلغ ما يمكن الاستدلال به. إذ كتب يقول: "هل نتحدث عن الثقافة هنا أم عن أس-400؟!"، تساؤل؛ يعلم بموجبه يقينا أن روسيا لم تتوسع تاريخيا على أية أسس ثقافية بقدر ما كان توسعها الدائم يقوم على القوة العسكرية المجردة من أية منظومة أخلاقية أو قيمية أو إنسانية. ومن ينظر إلى خريطة روسيا على الكرة الأرضية سيجدها ابتلعت قرابة ثلث مساحتها في القسم الشمالي، وإذا أمعنا النظر في تكوينها الاجتماعي فسنقع على نحو 160 عرقية غير الروس الذين يشكلون حوالي 80% من إجمالي السكان.

بعد بضعة أيام من تصريح بوتين، وفي 1/12/2016، وقع الرئيس الروسي مرسوما جمهوريا حدد بموجبه العقيدة الجديدة للسياسة الخارجية الروسية التي جاء فيها أن: "المنافسة من أجل الهيمنة على العالم واستخدام القوة أصبح التوجه الأساسي للمرحلة الراهنة من التطور العالمي"، وأن روسيا: " ستعمل على توسيع وجودها في القارة القطبية الجنوبية". هكذا تبدو حدود روسيا مفتوحة على مصراعيها لتصل حتى القارة القطبية الجنوبية، وباستخدام القوة العسكرية بعيدا عن أية معايير أخلاقية أو قواعد قانونية، أو حتى نظام دولي لم يعد موجودا إلا شكلا بلا أثر أو بلا بديل كما تشير العقيدة إياها: « عدم وجود بديل للأمم المتحدة كمركز لتنظيم العلاقات الدولية وتنسيق السياسة»." اهـ. (9).

ومما يدل على توجه روسيا نحو تكريس استراتيجية توسعية تسعى لتحقيق الهيمنة الروسية على أوسع نطاق، تصدير الروس نظرية "حماية الناقطين باللغة الروسية" كقناعة وعقيدة ثابتة في السياسة الروسية، ويثبت ذلك محتوى الاتصال الهاتفي –دام ساعة ونصف- الذي جرى بين الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شهر مارس2016 – "روسيا لها الحق في حماية مصالحها والسكان الناطقين باللغة الروسية" (10).

كما تسعى الحكومة الروسية التي انتبهت إلى أن اللغة الروسية قد بدأت تضعف وتتلاشى بسرعة في الدول التي كانت حاضرة فيها- إلى نشرها من جديد في أكثر من 50 دولة عبر العالم، فقد نشرت وزارة التعليم والبحث العلمي الروسية مقالا هاما جاء فيه: "سوف يتم إحداث مجلس للغة الروسية قبل نهاية أغسطس/آب القادم، وسوف يقوم هذا المجلس بنشر اللغة والثقافة الروسية في بلدان رابطة الدول المستقلة ومعظم بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وبلدان الشرق الأوسط. وعلى قائمة الأولويات، حوالي خمسين دولة إلى الآن. وقد تم تخصيص مليارا ونصف
المليار من الروبلات لدعم المشروع حتى نهاية العام.

المهمة الأساسية المطروحة أمام مجلس اللغة الروسية المرتقب، هي إحداث شبكة مراكز تحت اسم "معهد بوشكين".

وفقا لرأي النائب الأول لرئيس مجلس الدوما للشؤون الدولية، ليونيد كلاشنيكوف، فإن تشكيل المجلس يأتي في سياق مفهوم "القوة الناعمة للدبلوماسية الروسية".

وفي هذا السياق أيضا، عبّرت أولغا كريشتانوفسكايا، مديرة مركز دراسة النخب بمعهد علم الاجتماع التابع لأكاديمية العلوم الروسية، عن ثقتها بإمكانية تعزيز النفوذ الروسي في الخارج عن طريق نشر اللغة الروسية، فقد قالت: "منطقة انتشار اللغة الروسية، كانت على الدوام منطقة نفوذنا الثقافي والجيوسياسي. وبالتالي، ففي أن نفقد السكان الناطقين باللغة الروسية في فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، مشكلة جيوسياسية، يدرس في مراكز تعليم اللغة الروسية أجانب مهتمون بالأعمال المرتبطة بروسيا إضافة إلى وجود عدد غير قليل من الناس الذين يحبون الثقافة الروسية".

أمّا نيكيتا مكرتشيان، أحد كبار الباحثين في معهد الديموغرافيا بمدرسة الاقتصاد العليا، فيقول إن عدد الناطقين باللغة الروسية تقلص في السنوات العشرين الأخيرة بدرجة كبيرة. فعلى حد تعبيره، "كان يتم تعليم اللغة الروسية في جميع أرجاء الاتحاد السوفييتي سابقا، وفي دول حلف وارسو، وفي كثير من البلدان الآسيوية والأفريقية. أما الآن، فيأتي إلينا أناس من سكان الاتحاد السوفييتي السابق، معرفتهم باللغة الروسية شديدة السوء". اهـ (11).

إذن تعلَّم الروس أخيرا أن انتشارهم في السابق لم يستند إلى أي مرتكزات ثقافية، وأن هذا الأمر لا يجب أن يستمر على الشكل السابق، ومع ذلك فإن أهم عقبة يواجهها هذا المجهود تكمن في أمرين: الأول: ضعف المخصصات المالية، حيث خصصت الحكومة مبلغ مليون دولار لتنفيذ هذه الخطة، الأمر الثاني: ليس للروس ما يمكنهم نشره في الدول الأخرى خاصة المجاورة لهم مثل الصين ودول آسيا الوسطى والقوقاز شرق أوروبا وتركيا؛ لأسباب تاريخية، لعل أهمها يمكن في أن الغالبية في الجوار الروسي تتذكر روسيا على أنها قوة غازية، وتستحضر حداثة اتصال الروس بالتحضر، وتستذكر بشدة صعوبة الطبع الروسي وقسوته، وبرودة المشاعر الروسية، والشعور بالتعالي أمام الآخر، ويظهر جانب من كل هذه الحقائق –وليست انطباعات- مقال نشره موقع روسيا اليوم، عنوانه "لماذا لا يبتسم الروس"، في محاولة لشرح سبب انغلاق الشخصية الروسية وقسوتها.

هل استسلم الغربيون أمام روسيا؟

بات من المؤكد أن الساسة في أوروبا قد اقتنعوا أخيرا أنه لا يمكن الوثوق بروسيا الاتحادية بأي شكل من الأشكال، بعدما باتت تشكل تهديدا وجوديا ضد أوروبا، خاصة مع رفض ساسة موسكو أي حوار حول شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا إليها بالقوة في 16 من شهر مارس 2014، وهو ما يعني صعوبة استئناف العلاقات بين الطرفين في المدى القريب والمتوسط، مع الإشارة إلى استمرار روسيا في القيام بمناورات ضخمة على حدودها الغربية، وفي بيلاروسيا، وسبق كل ذلك تغيير عقيدتها العسكرية لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، مع الإصرار على الاستمرار في إفشال أي خطط سلام في شرق أوكرانيا، الذي تريده روسيا ورقة ضغط دائمة بعد تجميد الصراع في المنطقة المنكوبة، وهو ما يعني ضرورةً تصاعد الهوة بين الطرفين بشكل مطرد.

وبسبب الاعتبارات السابقة دعا الأمين العام السابق لحلف الناتو إلى وجوب تغيُّر سياسات حلف الناتو من اعتبار روسيا طرفا يمكن التعاون معه في مسائل الأمن، إلى اعتبارها طرفا يشكل تهديدا وجوديا، ويجب التأقلم بسرعة مع هذه الحقيقة.

وهذا ما يعطي تفسيرا دقيقا لكثرة المناورات التي يجريها حلف الناتو في دول البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا).

قراءة في الاستعدادات العسكرية للطرفين

الجانب الغربي:

صحيح أن عدد المناورات العسكرية التي أجراها حلف الناتو كان كبيرا ولافتا للنظر، باعتراف الروس أنفسهم؛ إذ صرح الجنرال أندريه كارتابولوف، قائد القوات في مناطق غرب روسيا، أن الناتو أجرى خلال الفترة من شهر يونيو/حزيران 2017، وإلى غاية شهر سبتمبر/ أيلول 2017 نحو 50 مناورة وتدريبا عسكريا، شارك فيها نحو 60 ألف عسكري، بما في ذلك قوات أميركية، (12)،

إلا أن مستوى الجاهزية لدى حلف الناتو يبقى ضعيفا، حيث يشير تقرير مهم وخطير لصحيفة "لوموند" الفرنسية إلى مشاكل كبيرة يعاني منها الأوروبيون على مستوى التجهيز والاستعداد، وأنظمة الإنذار والدعم والتمويل: ".. فإذا كانت الأسلحة الأوربية تفوق نظيرتها الروسية بثلاث مرات، بأكثر من 190 مليار أورو، ونحو 1.5 مليون جندي، إلا أنه يجب الإقرار بأنها تآكلت، وتراجعت فعاليتها، فقط 50 ألف عسكري بعثوا في عمليات عسكرية، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعرف هذا جيدا، يقول دبلوماسي بولوني، ويطرح التساؤل اليوم حول قدرة الإنذار لدى حلف الشمال الأطلسي، وتدعم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا توفر حلف الشمال الأطلسي على قدرة إنذار دائمة توضع تحت أوامر قيادة عليا للجنرال "فليب بريدلاف" في أوروبا.

موضوع آخر يلقي بظلاله على تماسك حلف الشمال الأطلسي، وهو قيادة الحلف التي تفتقد للعنصر البشري المؤهل، وعلى سبيل المثال باريس لا تتوفر إلا على 0 % من الحصة التي يجب على كل بلد توفيرها للحلف من الضباط المؤهلين.

كما أن هناك مطالب لباريس أن تتحمل أعباء إضافية في الحلف وأنشطته عبر زيادة عدد الجنود والمقاتلات المشاركة.

أما حلفاء شرق أوروبا، فيطالبون بقوات وقواعد عسكرية أمريكية دائمة، في الوقت الذي توجد فيه فكرة مخازن الأسلحة تحت الدرس.

متاعب أخرى تقف في وجه تماسك الحلف تتمثل في مطالب الولايات المتحدة الأمريكية في أن يتحمل الأوروبيون جزءا من التكاليف التي يتطلبها التدريب والالتزامات المختلفة للحلف.

ويورد الخبراء كمثال على ذلك تكاليف برامج الدفاع الدائمة التي تطلبها بلغاريا ورومانيا، من سيتكلف بدفعها؟". (13) انتهى تقرير صحيفة لوموند الفرنسية، والذي يعد وثيقة هامة للخبراء والعسكريين الروس، حيث يثبت ضعف المعسكر الأوروبي، رغم الدعم المقدم له من الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن الغربيين يحاولون تغطية هذا الضعف من خلال التركيز على سلاح العقوبات الاقتصادية ضد روسيا، وقد حقق بعض النجاعة على المدى القصير، ويعود سبب عدم تأثيره بشكل حاسم في النظام الروسي إلى طبيعة الحكم في روسيا، حيث تغيب ثقافة المؤسسات والحريات العامة، فالعقد الضمني بين نظام الحكم في روسيا وبين الشعب يقوم على إلغاء المطالبة بالحريات مقابل توفير فرص المعيشة (وليس الرخاء حتى)، كما أن سيطرة الطبقة الأوليغارشية والعسكرية على الحياة فيها جعل هذه العقوبات إلى حد الساعة غير فعالة تجاه هذه الفئة.

ومع ذلك فإن الأوروبيين والأمريكيين يعولون على عامل الزمن، حيث يرون أن هذه العقوبات ستؤثر في النهاية على النظام الروسي بشكل يجعله ينكمش داخل حدوده الجغرافية.

أما جديد الاستراتيجية الغربية في مواجهة روسيا فهي تحييد ورقة الناطقين بالروسية، ونزعها من اليد الروسية الضاغطة، وقد بدأ حلف الأطلسي رسميا في إقامة دراسات ومؤتمرات حول السكان الناطقين بالروسية في دول البلطيق، حيث حضر حفل افتتاح أول مؤتمر خاص بهذا المشروع قيادات رفيعة من الناتو في هولندا، على غرار اللواء سكوت سميث نائب رئيس أركان قوات التحالف المشتركة -التي يرمز لها اختصارا بـ "JFC" والتي مقرها برونسوم في هولندا-، بالإضافة إلى مجموعة رفيعة المستوى من نخبة خبراء دول البلطيق، وكان هدف المؤتمر أو الحفل تحسين التصور الأولي لوضع الأقليات الناطقة بالروسية في دول البلطيق، ويبدو أن الغربيين يريدون أن يفوتوا على روسيا فرصة العمل بعنصر المفاجأة، -خاصة أن عدد الأقليات الناطقين بالروسية في شرق أوروبا حسب تصريحات الناتو يصل إلى 22 مليون نسمة- وخلص المؤتمر إلى أن دراسة هذه الورقة الروسية تهدف في النهاية إلى معرفة الإجراءات التي يمكن أن تتخذها روسيا في بيئة الأقليات الناطقة باللغة الروسية. (14).

ويبدو أن تدخل الناتو في هذه المسألة ودعوة خبراء دول البلطيق، قد جاء بعد محاولة استونيا الحد من نسبة غير المواطنين فيها، وهو ما يعني استفزازا خطيرا للكتلة الروسية في دول البلطيق، خاصة بعد احتجاج روسيا ضد هذا الإجراء لدى الأمم المتحدة في جلسة 30 سبتمبر2016.

ومن الإجراءات التي يحاول الغربيون التركيز عليها، تقوية الجيش الأوكراني، ودعمه في تجديد تشكيلاته البرية، حيث أرسل الأمريكيون ما لا يقل عن 300 مستشار عسكري أمريكي وآخرين من كندا، إلى قاعدة سرية غربي أوكرانيا، حسبما أفادت صحيفة Le Temps السويسرية.

وتتميز قاعدة التدريب التي أقيمت عام 2015 في حقل رماية سوفيتي سابق في مقاطعة لفيف غربي أوكرانيا بمساحتها الكبيرة، حيث يبلع طولها 25 كلم وعرضها 19 كلم، وضمّت إليها أراضي 19 قرية مهجورة.

وتجري التدريبات بشكل مكثف كما تتخللها دروس نظرية، مع التقيد التام بنظام تدريب يحتم على الأوكرانيين إعادة تنفيذ المهمة الموكلة إليهم من أولها إذا ما أخطؤوا، حتى ولو كانوا في نهاية التمرين.

ويركز الغربيون على جعل الجيش الأوكراني قوة ضاربة على مستوى البر لأسباب عديدة، نذكر منها:

-يتمتع الغربيون بأفضلية حقيقية ومتقدمة في سلاح الجو، لكن اهتمامهم المفرط بسلاح الجو تسبب في انهيار قدراتهم في سلاح المدفعية ومنظومات الصواريخ، وهي نقطة ضعفهم، ونقط قوة لروسيا، حيث يبدع الروس في استخدام هذا النوع من الأسلحة، وقد برهنوا على ذلك في الحرب الهجينة شرق أوكرانيا، حيث كانت المعارك تحسمها المدفعية بنسبة 80%، وهذا ما جعل الأوكرانيين يخسرون مساحة 13 بالمئة من أرضهم، وقد تفطن الأوكران إلى هذه الحقيقة، ما جعلهم يلحون على طلب رادارات بعيدة المدى وأكد الرئيس الأوكراني في 04 أكتوبر2015، أن نظيره الأمريكي باراك أوباما وقَّع تكليفًا بتسليم أوكرانيا رادارات بعيدة المدى مضادة لسرايا المدفعية، قائلًا: "حاجتنا لهذه الأسلحة مثل الهواء". وكان السفير الأمريكي في أوكرانيا جيفري باييت قال في أواخر سبتمبر الماضي: إن "بلاده ستورد الرادارات المذكورة من طراز "Q36" لأوكرانيا حتى أواخر الخريف الجاري، مشيًرا إلى أن هذا القرار اتخذ خلال محادثات بوروشينكو وبايدن، وسلمت أمريكا هذه الرادارات في النهاية.

غير أن توريد الرادارات لم يكن كافيا، حيث ألح الأوكرانيون على طلب مضادات الدروع الأمريكية المتطورة، "جافلين"، وقد نقلت رويترز وزارة الدفاع الأمريكية في 01 مارس 2018 أن الخارجية الأمريكية وافقت على توريد صواريخ "جافلين" المضادة للصواريخ وملحقاتها إلى أوكرانيا بقيمة 47 مليون دولار. وقال البنتاغون في بيان "إن منظومة جافلين ستساعد أوكرانيا في بناء قدراتها الدفاعية بعيدة الأمد للدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها" (16).

-كما سمحت المساعدات الأمريكية الضخمة لأوكرانيا منذ 2014 لوزارة الدفاع الأوكرانية على مضاعفة أعداد الجيش الأوكراني حيث وصلت إلى 255 ألف فرد في مارس 2018 حسب تصريحات وزير الدفاع ستيبان بولتوراك، وإصلاح منظومة الطيران، وإعادة بعث نظام التعبئة حيث يبلغ الاحتياط البشري لأوكرانيا 11 مليون فرد، كما تمكنت بفضل هذه المساعدات من رفع مستوى المناوبة في المصانع الأوكرانية حتى مستوى 24/24، ما سمح لها بإعادة تجهيز الجيش بمنظومات صواريخ الغراد وغيرها، كما نجحت في تطوير منظومة صواريخ باليستية جديدة تحمل اسم غروم 2، وأعلن الجيش أنه سيتم إنتاج كميات كبيرة من السلاح فى عام 2018، وقد يستطيع هذا السلاح أن يكون نظيرا لأسلحة الدفاع الجوي الروسية "إس- 300" و"إس-400". (17).

ويبدو أن الدعم الأمريكي يستمر في التصاعد حيث أقر مجلس الشيوخ الأمريكي في 16 من نوفمبر 2017، تقديم 350 مليون دولار على شكل مساعدة أمنية إلى أوكرانيا. (18).

الجانب الروسي:

يدرك الروس حجم الضعف الكبير الذي يعانيه جيشهم في المجال الجوي؛ ولذلك ركزوا في حرب شرق أوكرانيا على نظام المدفعية والراجمات الصاروخية، وهذا في الحقيقة تكتيك روسي قديم، منذ حروبهم الكبرى ضد القوقاز، يومكن تلخيصه في اللجوء إلى حصار العدو، ثم استخدام سياسة الأرض المحروقة عن طريق القصف المدمر والعشوائي، ويلاحظ أنهم يستعملون أي شيء لتحقيق هذه الاستراتيجية، وقد برهنت أحداث بلدة "إيلوفايسك" الأوكرانية أن الجيش الروسي مستعد حتى لنقض الأمان الذي يعطيه للجهة المحاصرة، ففي معركة إيلوفايسك أعطى الرئيس الروسي أمرا للجيش بتوفير "كوريدور" أي ممر آمن للمحاصرين من الجيش الأوكراني الذين تم حصارهم في نقطة قريبة من الحدود الروسية، وعندما بدأ الأوكرانيون يخرجون للانسحاب شن الانفصاليون المدعومون بآلاف الجنود والضباط الروس عملية قصف مدمرة، دمرت معظم البنايات، وقتلت مئات الجنود، حتى غدت البلدة بلدة أشباح، وهذا التكتيك نفسه الذي حصل في بلدة نوفو ازوفسك في شهر أغسطس 2014، وهي بلدة تبعد عن الحدود الروسية بـ15ـ كم، أمطرها الروس من وراء الحدود بصواريخ الغراد، وأحدثوا خسائر فادحة في الجانب الأوكراني واضطروه إلى الانسحاب السريع، ولعل أهم المناطق التي شهدت هذا التكتيك الروسي هي معركة المطار التي دامت 242 يوما، وقصفت بشتى أنواع الأسلحة والصواريخ، لتأتي معركة ديبالتسفا في 12 فبراير/فيفري 2015 كنموذج واضح للتكتيك الروسي في الحروب المقبلة، حيث تم حصار أكثر من 8000 جندي أوكراني بكل تجهيزاتهم، وتم قصفهم بالهاون والمدفعية والراجمات، والجديد في هذا التكتيك دمج الروس تكنولوجيا رصد حديثة إلى جانب سلاح المدفعية أو القصف بشكل عام، ولعل من المفيد هنا نقل تعليقات مترجمة لخبراء عسكريين روس وغربيين يرصدون بدقة التكتيك الحربي الروسي الجديد؛ والذي يمكن أن يكون التكتيك الأساسي في الحروب الروسية المستقبلية بنسبة كبيرة "... راجمات الصواريخ في أوكرانيا لعبت بمعنى ما دور الغارات الجويّة. بدلاً من أن تستخدم بشكلٍ جبهيّ وقابلٍ للتنبؤ، أصبحت الخطّة هي أن ترصد تجمّعاً معادياً، وتنسلّ براجماتك الى خطوط الجبهة، أو حتى الى داخل أراضي العدو، وتمطره من هناك بنيرانٍ دقيقة وهو غافل. يقول عاموس فوكس وغيره من الخبراء إنّ هذا التكتيك أصبح ممكناً بفضل مجموعات "استطلاع وضرب" تعمل على الشكل التالي: يقوم المراقبون الأماميون للكتيبة بتشغيل طائرات الاستطلاع المسيّرة -بشكلٍ خاص "أورلان-10" الروسية الصغيرة- لرصد أهدافٍ في عمق جبهة العدو، ثمّ ينقلون المعلومات مباشرة -من غير أن تمرّ بالمستويات العليا- إلى وحدات المدفعية الملحقة بهم لتصميم "كمينٍ" سريع،ــ وقد سهّلت أجهزة تحديد الموقع عبر الأقمار الصناعية وبرامج ادارة النيران الحديثة -التي يمكن تحميلها على "آيباد" واستخدامها من غير المتخصصين- القصف من أي موقعٍ بدقّة وسرعة، ومن غير تحضيرٍ مسبق."

في نصٍّ لرئيس الأركان الروسية، فاليري غيراسيموف، عن مفهوم "الحرب الهجينة"، تفصيلٌ لهذه الفكرة. يقول غيراسيموف إن وسائل الرصد الحديثة "كالطائرات المسيرة" وأنظمة التواصل والتحكّم الجديدة تتيح اليوم "ضغط الزمن" وتقليص الفجوة بين الرّصد والقصف، ما يسمح بمضاعفة تأثير السلاح المدفعي بشكلٍ فائق. هذا ما تبدّى واضحاً في ضربة "زيلينوبيليا" الشهيرة، حين أُمطر تجمّعٌ مدرّع للجيش الأوكراني، فجأةً، بقصفٍ صاروخي دقيق دمّر بحسب الأميركي فيليب كاربر ما يوازي كتيبتين مدرّعتين خلال أقلّ من ثلاث دقائق. قُتل ثلاثون جندياً أوكرانيا حكومياً وجُرح المئات، وتكدّست الآليات المحترقة بالعشرات على الطريق السريع، هذا كلّه، يشير التحقيق الذي جرى بعد سنتين، كان من فعل راجمة "غراد" صغيرة من عيار 122 ملم، حصلت على معلومات دقيقة عبر شاشة طائرة مسيّرة، ونفّذت القصف فوراً.

من هنا، يقول عاموس فوكس، حاول الانفصاليون الروس (والقوات الروسية) "اجتذاب" وحدات الجيش الأوكراني إلى «مناطق قتل»، يتم فيها حصارهم واستنزافهم وإمطارهم بالمدفعية. هذا ما جرى في مطار دونتسك، الذي اعتبره الأوكرانيون "ستالينغراد" جديدة، ولكنّه كان بالنسبة الى الانفصاليين الروس فرصةً لتجميد قسمٍ كبير من الجيش الحكومي في مطارٍ محاصر، لا قيمة استراتيجية له، ثمّ استنزافه بالمدفعية والراجمات. خسر الأوكرانيون خلال دفاعهم اليائس عن مطار دونتسك، أكثر من 200 قتيل و500 جريح، ينتمي أكثرهم إلى وحدات النخبة في الجيش الأوكراني. في ديبالتسفا، حصل شيءٌ شبيه: كان الجيش الأوكراني يعوّل على قطع أوصال "الانفصاليين الروس" في الدونباس، عبر فصل دونتسك ولوهانسك عن الحدود الروسية ثمّ عزلهما عن بعضها البعض. وكانت ديبالتسفا هي نقطة الارتكاز الشمالية في هذه الخطّة. يصف عاموس فوكس جيب ديبالتسفا على أنّه كان أشبه بـ"لسانٍ" للحكومة الأوكرانية يمتدّ داخل مناطق المتمرّدين شرقاً. قام الانفصاليون الروس بالهجوم على أطراف الجيب، والتهديد بعزله وخنقه، ثمّ حوّله إلى ميدان استنزاف للجيش الحكومي، الذي ظلّ يحاول إمداد القوات في ديبالتسفا وانجادها عبر "نقطة خنقٍ" ضيّقة، صار اسمها "المرجل"، يقصفها المتمرّدون باستمرار. حين تمّ إعلان الهدنة وانسحب الجيش الأوكراني من ديبالتسفا أخيراً، كان قد راكم خسائر توازي خسائره في مطار دونتسك.

أمّا في مدينة ايلوفايسك، المفصل الثاني في الخطة الأوكرانية لعزل أقاليم الشرق وتقطيع أوصالها، فقد تلقّى الجيش الأوكراني هزيمته الأكبر خلال الحرب. كما في باقي جبهات الدونباس، حين نشير إلى "الجيش الحكومي الأوكراني"، فإننا نتكلّم على خليطٍ من الجنود الحكوميين وكتائب اليمين المتطرّف التي تطوّعت للقتال في الشرق. حتّى الضابط الأميركي كوهين يعترف في دراسته بأنّ أكثر القوات الأوكرانية التي قاتلت في إيلوفايسك كانت من ميليشيات المتطوّعين: كتيبة "كريفباس"، كتيبة "دنيبر"، كتيبة "دونباس"، وكتيبة "آزوف" سمح الانفصاليون الروس لوحدات الجيش بدخول المدينة الاستراتيجية شرق دونتسك، تقع بينها وبين الحدود الروسية، كما أنها تتحكم بطريق رئيسية تربط دونتسك بلوهانسك، المعقلين الأساسيين للمتمرّدين. بعد ذلك، قامت قوات الانفصاليين الروس بضرب الكتائب الأوكرانية حول المدينة وطردها ومحاصرة القوة التي تقاتل داخلها. حين وجد الجنرال الأوكراني نفسه مع 1500 جندي محاصرين داخل إيلوفايسك، وهم يتعرضون إلى القصف المستمرّ، قام بمحاولة يائسة للفكاك والانسحاب من الفخّ انتهت أثقل هزيمة عسكرية للجيش الأوكراني.

في مقالٍ في "نيويورك ريفيو اوف بوكس"، يتجوّل الكاتب تيم جودا على طريقٍ كان يسلكه طابورٌ حكومي أوكراني منسحبٍ من إيلوفايسك، قبل أن يكمن له المتمرّدون ويدمّروه بالكامل. عدّ جودا 68 آلية محترقة مرميّة على جوانب الطريق، وجزم بأنّ اذلال صيف 2014، والهزيمة القاسية، ستحفر في ذاكرة أوكرانيا طويلاً. تسمّي حكومة كييف ما جرى «مأساة إيلوفايسك»، إذ قُتل أكثر من ألف جنديّ أوكراني خلال المعركة والانسحاب الفاشل، وأُسر نصف هذا العدد، واضطرّت الألوية الأوكرانية الى الخروج من أغلب اقليم الدونباس." (19)

ويمكن التعليق على هذه التكتيكات العسكرية الروسية بالقول: لا يوجد فيها جديد يذكر على مستوى استعمال القوة النارية الهائلة بعد الحصار والتقطيع، لكن الجديد هو استعمال الروس الخداع والبروباغندا، وهذه نقطة هامة يجب الانتباه إليها، حيث أدمج الروس إلى تكتيكهم عامل الخداع الناعم -تعلم الأوكرانيون أنه لا ثقة في التصريحات الروسية- وأهم دليل على ذلك إعطاء الرئيس الروسي فجر السبت 30/08/2014 الأمر بالسماح للجيش الأوكراني بالانسحاب، لتحدث بعد ذلك مجزرة رهيبة على الساعة العاشرة، كان هدفها الانتقام للقتلى من الجانب الروسي في المعارك التي استطاع فيها الجيش الأوكراني دحر الانفصاليين الموالين لروسيا بسهولة تامة، كما صرح بذلك الجنرال الأوكراني فاليري غاليتي لرويترز، وكان الهدف الثاني: إرهاب الأوكران من أن روسيا ستكون قاسية في تدخلاتها. (20)

وفي الأخير تجدر الإشارة إلى أن خبراء الناتو وقيادة الأركان العسكرية تجزم تماما إلى أن أهم دليل على أن هذه التكتيكات روسية فعلا، يكمن في الانتصارات الكاسحة التي حققها الأوكران ضد الآلاف من الانفصاليين الروس في شهر جوان وجويلية من صيف 2014، حتى أنها تحققت في الغالب على يد كتائب شعبية أوكرانية تطوعية، وبعد وصول الجيش إلى حصار قلب دونيتسك ولوهانسك، حصلت ضجة كبرى في روسيا، بسبب ما سماه الروس الراديكاليون خذلانا للناطقين بالروسية، وهو ما عجل بإرسال قوات روسية ضخمة، يقول الناتو إن عددها 8 كتائب، ويقول الناطق باسم الجيش الأوكراني ليسينكو إن عددها 40 ألف جندي، و2000 ضابط، وقد دلت صور القتلى الروس والأسرى الروس على وجود فعلي للجيش الروسي، بينما حاول بوتين أن يبرئ الجيش الروسي من ذلك بالقول إنهم استقالوا من الجيش وأنهم مجرد متطوعين، وقالت مساعدة وزير الخارجية الأميركي فيكتوريا نولاند أمام الكونغرس ردا على سؤال حول عدد الجنود الروس في شرق أوكرانيا "بإمكاني القول أنهم بالآلاف". (21)

-ما سبق يظهر اعتماد الروس على الحرب الهجينة وقد تفطن الناتو إلى ذلك، وطالب بإجراء دراسات عميقة لإيجاد حلول لهذا النوع من الحرب التي استعملتها روسيا في سيطرتها على القرم ثم في الحرب الفعلية في شرق أوكرانيا.

-أظهر التدخل الروسي في سوريا أن الإمكانيات الجوية الروسية ضعيفة بالمقارنة مع الغربية، حيث استعمل الروس القصف التدميري لتدمير الحواضن المدنية السورية، مثلما حدث في حلب بالضبط، كما أظهر استعمالهم للصواريخ الباليستية العابرة للقارات ضعفا كبيرا في الجانب التقني وفي الدقة، حيث سقطت صواريخهم في إيران، ما يدعم حقيقة ميل الروس إلى استعمال القوة الصاروخية الهائلة ذات التدمير الكبير، في حروبهم المستقبلية، سواء أكان ذلك مع الناتو أو في تدخلاتهم في الجوار أو في "الشرق الأوسط".

روسيا والمناورات:

لم تتوقف روسيا عن إجراء مناورات عسكرية في شرقها وغربها، لكنها وسعت عدد التشكيلات العسكرية بشكل ملفت للانتباه، وتجاوزت الأرقام عشرات الآلاف من الجنود، ولعل أبرزها مناورة "الغرب2017"، التي جرت في شهر سبتمبر من عام 2017، والتي تعد الأضخم منذ نهاية الحرب الباردة.

وأشارت وزيرة دفاع ألمانيا أورسولا غيرترود فون دير لاين موسكو مشاركة 100 ألف جندي روسي وبيلاروسي في مخالفة واضحة لاتفاقية فيينا التي تحدد العدد المسموح به للقوات العسكرية في المناورات التي تجري في أوروبا- التي أقامتها موسكو على حدود دول البلطيق، ووصفها الغرب بأنها "حصان طروادة". (23).

وعلق وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون وقتها بالقول: "إن هذه التدريبات أعدت لاستفزازنا واختبار قدراتنا الدفاعية لذلك يجب أن نكون أقوياء.. روسيا تختبرنا، تختبرنا الآن في كل فرصة، ونرى روسيا أكثر عدوانية، علينا التعامل مع الأمر". كما علق العميد ريميغيوس بالتريناس مدير قسم العمليات في وزارة الدفاع الليتوانية بقوله: "عندما تجري مناورات واسعة بالقرب من الحدود، مع حشد كبير للقوات المسلحة، يبقى قائما خطر وقوع عمل استفزازي متعمد أو غير متعمد.. روسيا تسعى لفرض هيمنتها عسكرياً على المنطقة"، بينما أشار بيان الاستخبارات العسكرية الليتوانية إلى أن روسيا: "تستعرض بوضوح استعدادها لنزاع مسلح طويل الأمد مع الغرب، وسياستها الخارجية تصبح أكثر عدوانية". (24)

خلاصة القول أن الأوروبيين لن يستسلموا أمام الاستفزازات الروسية، فهم يعتقدون أن الجهود المضنية التي بذلوها لبناء قارتهم وأمنهم بعد الحرب العالمية الثانية، لا يمكن أن تذهب أدراج الرياح الروسية، وهذا ما يصرح به خبراء الناتو منذ ظهور بوادر الأزمة مع روسيا: "يجب أن تصبح روسيا إذًا أولوية التحالف، بل وأبعد من مسائل إعادة التطمين المُفصلة جيدًا، هناك نقطتين تجدر الإشارة إليهما.

أولًا: من المهم أن يعي صانعو السياسات اختلاف الفهم لتاريخ ما بعد الحرب الباردة - بما فيها تفاصيل المبادرات الروسية مثل مذكرة كوزاك واقتراحات معاهدة ميدفيديف الأمنية.

ثانيًا: لقد حان الوقت لإعادة تقييم لروسيا بذاتها. وقد ثبتت صعوبة هذا الأمر في الماضي، ذلك أن علاقات الدول الغربية مع روسيا تختلف - وينتج عنه أن رؤية بعض الدول حول روسيا قديمة جدًا. وهذا أمر ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى حلف الناتو: فقد كان لإصلاحات الجيش الروسي، مثلًا، منذ العام 2008، بعض التأثير. فما هي نقاط قوة الجيش الروسي وما هي نقاط ضعفه؟ وما الذي بإمكان الناتو تعلّمه حول الإشارات التي تبثها موسكو؟ وكيف يمكن تجنّب المفاجآت في المستقبل؟"(25)

روسيا دب بأقدام من طين

لاشك أن الاستعداد لأي صراع عسكري يحتاج إلى استعداد مالي واقتصادي هائل، فالمال عصب الحياة، وعصب الحرب، ومن دونه لا يمكنه تحقيق أي نصر استراتيجي، وفي الحالة الروسية يعرف الروس قبل غيرهم أنهم فشلوا تماما في بناء اقتصاد دولة، وقد صرح فلاديمير بوتين في 04 ديسمبر 2015 أن روسيا قد فشلت أربع مرات في بناء اقتصادها، وكان السياق الزمني لهذا التصريح يشير إلى تضرر روسيا من العقوبات الغربية، التي أنهكت روسيا ماليا، بعد أن أدت إلى انهيار عملتها الوطنية "الروبل" وإفلاس آلاف الشركات، وانهيار نظام التوظيف في البلاد، وارتفاع الديون الخارجية، والعجز الكبير عن تجديد البنى التحتية خاصة الطرقات التي انتهى عمرها الافتراضي منذ 20 سنة، وتؤكد هذه الحقائق التي قيدت روسيا عن أي نهضة حقيقية تاتيانا كاستويفا جان في كتابها "روسيا بوتين في 100 سؤال" على هذا السؤال قائلة: "إن تاريخ روسيا وثقافتها يتسمان بقدر كبير من الجاذبية، كما أن قدراتها العسكرية كبيرة وذات شأن، ولكن سياساتها تبقى محل اختلاف وإثارة للجدل في الغرب، وكذلك فاقتصادها محبِط، وعلى غير ما يرام.."

ومع شدة الضعف الاقتصادي الذي تعاني منه روسيا إلا أنها توجد تقريبَا في منتصف طريق برنامج كبير لتسليح الدولة مدته عشر سنوات، حيث من التوقع شراء كميات كبيرة من أنظمة الأسلحة الجديدة أو تطويرها بالإضافة إلى شراء عتاد عسكري آخر، في جميع خدمات القوات المسلحة، خلال الفترة من 2011 إلى 2020. وضع البرنامج في البداية تصورًا لإجمالي النفقات اللازمة للقوات المسلحة تقدر بـ 19 تريليون روبل، أو 647 مليار دولارًا أمريكيًا وفقًا لمتوسط سعر الصرف الاسمي لعام 2011. يضاف هذا إلى الإنفاق على الجنود، والتدريبات والعمليات.

ويبدو أن استمرار الأزمة وتصاعدها لن يتوقف، فهي فاعلة جدا حتى وإن خفتت أصوات المدافع في شرق أوكرانيا بين أنصار أوكرانيا الأوروبية، وبين أنصار روسيا، وهذا ما سنتناوله في الجزء الأخير من هذا الملف.

وفي نهاية هذا البحث يجدر بنا وضعها سيناريوهات افتراضية قريبة من الواقع لمستقبل الأزمة الأوكرانية التي كانت سببا في الصراع الغربي الروسي، والذي لن يهدأ على المستوى القصير والمتوسط، وهذا ما ستظهره هذه السيناريوهات، التي تؤكد على خطورة هذا الصراع، وصعوبة إيجاد حل حقيقي.

أربعة سيناريوهات للأزمة الأوكرانية

زمنيا تدخل الأزمة الأوكرانية عامها الرابع، بعد أن عبرت مسارات معقدة، لعل أبرزها المسار الذي أخذته في بعدها الإقليمي والدولي بعد اتفاقيات مينسك2، التي عقدت في 12 من شهر فيفري/فبراير2015، غير أننا سنحاول قراءة مستقبل أوكرانيا بعيدا عن المسارات الحالية لأزمتها، من خلال تسليط الضوء على أربعة سيناريوهات محتملة، يمكن من خلالها رسم المشهد المستقبلي لأوكرانيا، وهي لا تخرج عن: الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو تكريس الانفصال، أو الأكرنة على الطريقة الفنلندية، أو العودة للفضاء الأوراسي.

السيناريو الأول: الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي

من المعروف أن أحلام الساسة الأوروبيين عقب إنشاء الاتحاد الأوروبي، لم تتوقف عند هذا الإنجاز التاريخي، فالحلم برؤية أوروبا العظمى ظل يراود ساستها ونخبتها، غير أن الأحداث التي عصفت بالاتحاد الأوروبي بعد ظهور الأزمة الأوكرانية ، وتفاقم أزمة الديون اليونانية، وخروج بريطانيا من الاتحاد بعد استفتاء الانفصال، وسلسلة الهجمات الدموية التي تعرضت لها كبرى العواصم الأوروبية، والصدام الأوروبي مع إدارة ترامب؛ جعلت عددا قليلا من الدول الأوروبية تبدي رغبتها في توسيع الاتحاد في الوقت الحالي، ما ألقى بظلاله على رغبة أوكرانيا في الانضمام للفضاء الأوروبي.

ويعد الاستفتاء –غير ملزم للحكومة- الذي تم تنظيمه في هولندا يوم 6أبريل/نيسان من العام الماضي، حول انضمام أوكرانيا للشراكة الأوروبية، أبرز مثال على هذا التغير الواضح في الوعي الجمعي الأوروبي، خاصة مع تصريح رئيس المفوضية جان كلاود يونكر من أن أوكرانيا لن تكون قادرة على الانضمام إلى أوروبا أو الناتو خلال 25 سنة القادمة، ما يعني ضربة موجعة لجهود أوكرانيا التي كانت تطمع في دخول الاتحاد الأوروبي مع نهاية 2020 حسب تصريحات الرئيس الأوكراني بيتر بوروشينكو.

ما يعني أن أوكرانيا لن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي حتى على المدى المتوسط ، خاصة أنها لا تستجيب حاليا لأي من المعايير الأوروبية التي تسمح لها بذلك، فأبرز المعايير السياسية الأوروبية مثل: سيادة القانون، ونظام ديمقراطي مستقر وحماية الأقليات ليست متحققة في أوكرانيا، أما المعايير الاقتصادية مثل: اقتصاد السوق الفاعل، والقدرة على المنافسة داخل الاتحاد، فتبدو فرص تحققها ضئيلة اليوم؛ بسبب الفساد المتجذر في البلد، مع سيطرة قوى الأوليغارشية على المشهد الاقتصادي الأوكراني.

كما أن أوكرانيا تظل غير قادرة على الوفاء بالتزامات العضوية، والتي من أهمها: التمسك بأهداف الاتحاد الأوروبي السياسية، والاقتصادية والنقدية، والحفاظ على المكتسبات الاجتماعية، ويلاحظ هذا خاصة في صعوبة اعتماد تشريعات وطنية تتوافق والمنظومة التشريعية الأوروبية، وأوضح دليل على ذلك، أن أوكرانيا تأخرت كثيرا في اعتماد بعض القوانين التي اشترطها الأوروبيون من أجل إلغاء نظام التأشيرات بين الطرفين، وكاد ذلك يعصف بجهودها لإلغاء نظام التأشيرات بينها وبين الاتحاد الأوروبي، والذي لم يتحقق إلا بصعوبة كبيرة، وتحتفظ أوروبا بحق إلغائه، علاوة على أن الفساد المنتشر في الإدارات، وعدم نزاهة القضاء، يثير قلق الأوروبيين، خاصة أمام انتهاكات حقوق المعارضين، كتسييس قضية الرئيس الجورجي السابق والحامل للجنسية الأوكرانية، والذي أسقطت عنه بسبب معارضته للحكومة وكشفه ملفات فاسدة خطيرة.

كما أن أوروبا أبدت انزعاجا واضحا فيما يخص وجود حزب قومي متطرف مؤثر داخل البرلمان الأوكراني، وهو حزب "سفابودا" القومي، بالإضافة إلى وجود منظمات يمينية لها تأثير كبير في الساحة الأوكرانية، خاصة منظمة القطاع الأيمن المتشددة، والتي تعلن تأييدها لليمين الأوروبي المتطرف، وهو ما يثير قلقا لدى القادة الأوروبيين.

بالمقابل يطرح الكثير من المتابعين للشأن الأوكراني مسألة استمرار المساعدات المالية الأوروبية لأوكرانيا، بعد الإشارات التي أرسلها الأوروبيون فيما يخص استبعاد ضم أوكرانيا للاتحاد حتى على المدى الزمني المتوسط.

الحقيقة أن أوروبا تواجه تحديات كثيرة، بسبب تحملها تبعات الأزمة الأوكرانية، فالخسائر المالية الأوروبية جراء فرض روسيا عقوبات على الواردات الزراعية الأوروبية فاقت 50 مليار دولار سنة 2015 وحدها، كما أن معاناة بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي ماليا- خاصة اليونان واسبانيا والبرتغال - يعني أن أمام أوروبا الكثير لتفعله لإنعاش اقتصاديات هذه الدول، بالإضافة إلى أنه لا أحد اليوم يمكنه أن يضمن لأوروبا ضمان الاستخدام السليم للقروض التي حصلت عليها أوكرانيا، بسبب التقارير المتواترة عن سوء استخدام هذه الأموال، لذلك يرى الأوروبيون أن حليفهم الأمريكي هو الأقدر على التصرف في هذا الجانب.

فالحضور الدبلوماسي والاستخباراتي الأمريكي في أوكرانيا الذي يفوق 15 عاما، يمنح الولايات المتحدة الأمريكية فرص مناورة أكبر من تلك التي تملكها أوروبا، غير أن الإدارة الأمريكية في عهد أوباما ثم في عهد دونالد ترامب ترى أنها لها أولويات أخرى، وبالتالي تفضل أن ترافق الحكومة الأوكرانية الموالية للغرب بطرق غير مباشرة، أي من خلال صندوق النقد الدولي.

ولا تزال أوكرانيا تواجه إلى اليوم صعوبات كبيرة في إقناع الشعب بإملاءات صندوق النقد الدولي، مقابل الحصول على ما تبقى من حزمة القروض التي تصل في مجملها إلى 45 مليار دولار، غير أنه لا مفر لها من تطبيق سياسات صندوق النقد الدولي للحصول على المال، تجنبا للانهيار التام، بعد أن اقتربت البنوك الأوكرانية عدة مرات من حافة الإفلاس، حيث وصل احتياط الصرف في البنك الوطني الأوكراني على سبيل المثال إلى 13 مليار دولار بداية 2016.

السيناريو الثاني: التقسيم

لا يزال شبح انفصال بعض الأقاليم المدعومة من روسيا يطل على المشهد الأوكراني، خاصة أن البروباغندا الروسية تعمل باستمرار على ترسيخ اسم الأقاليم الانفصالية والمعبر عنها في الصحافة الروسية بـ"جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك" في الوعي الجمعي الروسي.

غير أن الانفصال أو التقسيم مرفوض بشكل حاسم داخل أوكرانيا، وأكثر من هذا فإن الأوكران يرفضون حتى مقترح الفيدرالية الذي ظل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف يروج له في خرجاته الإعلامية، ويحاول إقناع الأوروبيين به في لقاءات العمل ذات الصلة بأوكرانيا.

أما مصير جزيرة القرم التي ضمتها روسيا بعد استفتاء رفضته أمريكا وأوروبا، فإنه سيكون في صلب المحادثات بين روسيا والغرب، وسيحاول الروس إقناع نظرائهم بأن القرم لا ينتمي تاريخيا إلى أوكرانيا، فقد ظل روسياً منذ انتزاعه من السلطنة العثمانية في القرن 18م.

والقرم الذي أصبح جمهورية تتمتع بالحكم الذاتي تحت مظلة أوكرانيا، شهد تقسيم البحرية السوفيتية السابقة إلى قسمين، حيث كان الجزء الأكبر من الأسطول السوفييتي من نصيب الروس، بعد استحواذ روسيا على 83٪ من الأساطيل البحرية ، بينما أخذت أوكرانيا الباقي، كما ظل ميناء سيفاستوبول، يخضع لروسيا بموجب اتفاقيات أوكرانية روسية أتاحت لروسيا استغلاله مدة 20 سنة لصالح أساطيلها، خلال اتفاقية وقعت في عام 1997، وتم تجديدها في عام 2010 بعد عودة حزب الأقاليم الموالي لروسيا إلى سدة الحكم، وتم الاتفاق بين ميدفيديف وفيكتور يانوكوفيتش على أن تستأجر روسيا الميناء إلى غاية 2042، في مقابل الحصول على خصومات مميزة على واردات الغاز الروسي، وتمويل جزء من الديون الأوكرانية، ما يعني أن روسيا لم تخف رغبتها في إبقاء القرم تحت سيطرتها الفعلية بموجب الاتفاقات السابقة، وهذا مؤشر هام لفهم هذا السيناريو.

ومما سبق يظهر أن روسيا ليست على استعداد لإعادة القرم إلى أوكرانيا، بدليل مضيها قدما في مشروع ربط القرم بروسيا من خلال ما بات يعرف بجسر القرم، والذي يتوقع الانتهاء من أشغاله سنة 2019، والذي يعني بعد ذلك فصل القرم نهائيا عن أوكرانيا، باعتبار القرم يحصل على الطاقة والمياه العذبة من خلال القناة البرية التي تربطه بأوكرانيا، وبالتالي تكريس تقسيم أوكرانيا على الواقع في الشق المتعلق بجزيرة القرم، مع الاستمرار في سياسة زعزعة استقرار دونباص، دون ضمه إليها في الوقت الحالي، بعد أن خفتت الأصوات المنادية بإعادة إحياء "روسيا الجديدة" والتي تحدث عنها بوتين في العديد من خطاباته، وروّجت لها النخب السياسية والفكرية بقوة، وعلى رأسها مستشار بوتين المتطرف ألكسندر دوغين، وهو ما يعني الاستيلاء على 13 إقليم أوكراني يتحدث اللغة الروسية.

من جانب آخر، تقف أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ضد مشروع التقسيم والفدرلة، غير أن الخيار الاخير غير مستبعد بشكل نهائي؛ إذا فشلت الحكومة الموالية للغرب من إيجاد توازن بين مختلف القوى السياسية الممثلة لمختلف أطياف الشعب.

السيناريو الثالث: الأكرنة على الطريقة الفنلندية

أوكرانيا تستطيع أن تبقى دولة مستقلة، سواء أكان استقلالها مثاليا أو أقل منه، وفقا للجهود التي يريدها الأوكرانيون والجهات الخارجية الفاعلة، والفرضية الأكثر احتمالا في هذا السيناريو هي أن تحذو أوكرانيا حذو فنلندا في علاقاتها بروسيا، فدولة فنلندا ليست عضوا في الناتو، إلا أنها لها علاقات متكاملة مع أوروبا، وعلاقات جيدة مع روسيا، كما ترتبط مع الفضاء الأوروبي والروسي بعلاقات تجارية واقتصادية واسعة.

غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات حقيقية، حيث على المعولين على هذا النموذج الأخذ بعين الاعتبار التناقضات الموجودة على مستوى التحالف الحاكم في أوكرانيا، والذي يجمع خليطا من الصقور الموالين للغرب، والقوميين المتطرفين، والفساد المسيطر على مفاصل الدولة، والوزن المؤثر للأقلية الناطقة بالروسية، شرق أوكرانيا وجنوبها، والكراهية الشعبية المتنامية ضد روسيا بعد مقتل أكثر من 10 آلاف أوكراني شرق البلاد.

وتشير كل هذه العوامل الداخلية إلى أن الحكومة الأوكرانية الحالية لن تكون قادرة على تنفيذ الإصلاحات اللازمة لضمان الانتعاش في البلاد، الذي يعد الشرط الأول لاستقلالها، وخطوة أساسية لتحقيق النموذج الفنلندي.

من جانب آخر فإن العوامل الخارجية تسير في نفس الاتجاه: فالأوروبيون لا يرون خيارا أحسن من تنفيذ اتفاقيات مينسك2، كما أن احتمال إيقافهم الدعم المالي السخي لأوكرانيا يبقى واردا؛ بسبب غياب تقدم ملموس في الإصلاحات المنشودة، وكانت استقالة وزير الاقتصاد الأوكراني ايفاراس ابرومافيسيوس في فبراير 2016، مؤشرا واضحا على فشل برنامج الإصلاحات إلى حد الآن، أما روسيا، فهي لا تنظر إلى أوكرانيا بنفس المنظار الذي ترى به فنلندا، فالقرب الجغرافي لأوكرانيا واعتبارها حديقة خلفية لها، والدعم الشعبي المتصاعد لسياسات بوتين، وانشغال الولايات المتحدة الأمريكية بالملف الأفغاني، والعراقي، والأزمة السورية، كلها عوامل تشير إلى أنه لا توجد عوامل خارجية قد تساعد على تحقيق النموذج الفنلندي في أوكرانيا.

كما يصطدم هذا السيناريو بعقبة حقيقية، وهي أنه حتى في حالة رغبة أوكرانيا في تحقيق هذا السيناريو فإنه من غير المتوقع أن تقوم روسيا بإعادة القرم إلى أوكرانيا، ما يعني استحالة قبول أوكرانيا بالأمر الواقع.

السيناريو الرابع: الانضمام إلى الاتحاد الأوراسي مع تحقيق شراكة واسعة مع الاتحاد الأوروبي

من الخيارات المطروحة أمام أوكرانيا الاندماج في الفضاء الأوراسي، حيث تجد أوكرانيا نفسها مجبرة على الاعتراف بحاجتها للأسواق الروسية، واستحالة إنكار الصلات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين، مع انفتاحها على أوروبا بشكل لا يهدد روسيا.

وهو خيار كان يبدو واقعيا أكثر قبل سقوط آلاف الضحايا، وقبل أن يفقد الأوروبيون ثقتهم في روسيا، بعد أن تأكدوا من أن النظام الروسي لن يقف عند أوكرانيا إذا لم يتم الوقوف بحزم في وجه مخططات الكرملين.

وثمة عامل آخر لا يمكن إغفاله وهو وجود أقليات بولندية، ورومانية، وألمانية، لها تأثيرها في أوكرانيا، الأمر الذي يجعل احتمالات نجاح هذا الحل ضئيلة.

كما أن احتمال تراجع روسيا عن ضم القرم، وعدم استعداد أوكرانيا للتنازل عنه، يرهن تحقق هذا السيناريو.

كما أن أوروبا تدرك أن سيرها في هذا السيناريو لا يخدم علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تشابك المصالح بينهما، وإن كانت أوروبا تدرك أن الأزمة الأوكرانية تعنيها أكثر من أمريكا، باعتبار أوكرانيا البوابة الشرقية لأوروبا.

أما سيناريو رجوع أوكرانيا للعالم الروسي، من خلال ثورة تعيد إنتاج النظام السابق الموالي لروسيا –لا تزال روسيا تعمل على تهيئة الأجواء لحصول ذلك-، يبقى احتمالا بعيدا؛ لأنه يعني حربا أهلية قد تتوسع إلى دول الجوار؛ لذلك تم استبعاد هذا السيناريو.

الخاتمة

مما سبق يظهر أن الأزمة الأوكرانية تعتبر أقوى تحدٍ يواجه النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة على حد قول زبيغينو بريجينسكي؛ بسبب الميزة الخاصة للنظام الروسي الحالي، والذي يلوح في كل مرة باستخدام القوة، ردا على الحرب الأمريكية ضده، وهي حرب استنزاف وتخريب قوية، يتقنها الأمريكان أفضل من غيرهم، وينقل عامر المحلل السياسي عامر محسن وصفا دقيقا لأحد الخبراء العسكريين وهو يصف التكتيك الأمريكي ".. كتب ستيفن غوانز قائلا: إنّ السّلاح الأقوى لأميركا في عالم ما بعد الحرب الباردة ليس القوّة العسكرية بمعناها المباشر الفجّ. الجيش الأميركي الهائل، وإن كان تهديده ماثلاً في أذهان الجميع، الّا أنّه لا يستخدم ضدّ دولٍ وجيوش الّا نادراً، وفي الغالب في وجه قوىً هزيلة.

الضّغط الحقيقي الذي تمارسه اميركا على المنافسين والخصوم، مثل روسيا وكوريا وايران، هو في قدرتها على شنّ حربٍ "غير رسميّةٍ" عليهم، عبر العقوبات والحصار والتخريب الاقتصادي، وصولاً الى تجنيد ميليشيات وقوىً تشنّ حرباً داخلية بالوكالة، أو تهزّ الاستقرار أو تفجّر ساحات المدن. المسألة هي أنّ النّظام المستهدف، في هذه الحالة، يعيش حالة حربٍ ومواجهة ودفاع، تمتدّ أحياناً لسنوات، من غير أن يكون، "رسمياً"، في حالة حربٍ مع اميركا أو أن تتحمل واشنطن كلفة المواجهة المباشرة."

وليس أمام الروس خيارات كثيرة؛ لذلك يفضلون الرد بالحرب الهجينة في الوقت الحالي، بدل استعمال تكتيك الجيش الأحمر الشهير، أي الدفع بقوات عسكرية هائلة، واكتساح الحدود من خلال طوابير ضخمة من المدرعات والدبابات، لتبدأ قصفا ناريا مدمرا وحشيا.

وفي الختام يجب التنويه إلى أن الأزمة بين روسيا والغرب لن تهدأ على المدى القصير والمتوسط، حيث تبقى الرغبة الروسية واضحة في العمل على استمرار سياسة "تجميد الصراع" في شرق أوكرانيا ودعم الميليشيات بالسلاح والمال –نشرت روسيا 700 دبابة في إقليم الدونباس حسب تصريحات ستيبان بولتوراك وزير دفاع أوكرانيا في 5مارس 2018-، ومما يؤكد -أيضا- أن هذه الأزمة قد تطول، وسينجر عنها صعوبة إيجاد حل دبلوماسي وسياسي على المدى المتوسط؛ موضوع ملف ضم لجزيرة القرم، وهي العقبة الأكبر أمام تحقيق أي حل يرضي جميع الأطراف، حيث يجب النظر بجدية إلى التمسك الأوكراني بأوكرانية القرم، والإصرار الروسي على أن الملف قد طوي نهائيا وغير قابل للنقاش.

ما يعني في النهاية بداية تفكك النظام العالمي، وستكون منطقة العالم العربي أبرز منطقة تتجلى فيها ملامح التفكك والانهيار؛ لشدة ارتباطها بهذا النظام، وباعتبارها منطقة نفوذ هامة لأقطابه.

المراجع:

1. معجم المعارك التاريخية ص 311، نجاة محاسيس.

2. مقال: نابليون ينسحب من موسكو مهزوماً،

http://www.al-jazirah.com/2004/20041019/xh1.htm

3. The Ukraine crisis and NATO-Russia relations https://www.nato.int/docu/review/2014/Russia-Ukraine-Nato-crisis/Ukraine-crisis-NATO-Russia-relations/AR/index.htm

4. ج. آ. س. غرنفيل، الموسوعة التاريخية العسكرية الكبرى لأحداث القرن العشرين، المجلد الرابع، 220-223.

5. بوتين قيصر روسيا الجديد،

http://choroknews24.com/news2427.html.

6. بلغاريا الغارقة في الفساد والشعبوية تستعجل العودة إلى حضن روسيا،

http://www.alhayat.com/Articles/18752196/

7. نفس المرجع.

8. مقال: بوتين حدود روسيا لا تنتهي أبدا،

https://arabic.rt.com/news/851227-.

9. د.أكرم حجازي، صيحة نذير. (مقال).

10. أوباما يهدد روسيا... وبوتين: حماية مصالحنا حق،

http://elaph.com/Web/Politics/2014/3/882094.html

11. افتتاح مدارس مجانية لتعليم اللغة الروسية في عشرات البلدان،

http://ar.russia.edu.ru/news/2764

12. روسيا تحشد قوات في الغرب،

https://arabic.sputniknews.com/russia/201712021028005353

13. بوتين قيصر روسيا الجديد

http://choroknews24.com/news2427.html.

14. الأقلية الناطقة باللغة الروسية من دول البلطيق الثلاث،

http://ar.cyplive.com/ru/news/nato-zanyalos-izucheniem-russkogovoryaschego-naseleniya-v-pribaltike.html

15. أمريكا تزود أوكرانيا بأسلحة حديثة،

https://www.tahrirnews.com/posts/315978/

16. أمريكا تقر صفقة محتملة لبيع صواريخ مضادة للدبابات إلى أوكرانيا

https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN1GE07R

17. أوكرانيا تختبر بنجاح صواريخ غروم 2 التكتيكية،

http://sdarabia.com/?p=42530.

18. الكونغرس يقر ميزانية دفاع ضخمة تفوق طلب ترامب،

http://www.dw.com/ar/

19. راجمات الدونباس: دروسٌ من اوكرانيا،

http://www.al-akhbar.com/node/277249

20. بوتين يطالب انفصاليي شرق أوكرانيا بفتح «ممر إنساني» لجنود محاصرين،

http://www.alhayat.com/Articles/4361752

21. مناورات عسكرية روسية على حدود الاتحاد الأوروبي ،

http://www.aljazeera.net/home/print/f6451603-

22. واشنطن: الاف الجنود الروس في شرق اوكرانيا،

http://elaph.com/Web/News/2015/3/988199.html

23. روسيا ترد على وزيرة دفاع ألمانيا: موسكو بلغت برلين بتفاصيل تدريبات "زاباد"،

http://www.youm7.com/story/2017/9/9/

24. مناورات عسكرية روسية على حدود الاتحاد الأوروبي،

http://www.aljazeera.net/home/print/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/4d2985c2-d401-4a7a-ba3e-41a63b82fb05

25 . The Ukraine crisis and NATO-Russia relations https://www.nato.int/docu/review/2014/Russia-Ukraine-Nato-crisis/Ukraine-crisis-NATO-Russia-relations/AR/index.htm

26. تاتيانا كاستويفا، روسيا بوتين في 100 سؤال