لا يخلو أيّ مجتمع مهما علت فيه قيم العدالة والمساوة، من طبقات وفئات تختلف مواقعها، وواجباتها، وحقوقها، ونظرتها للأمور، وهذه سمة مجتمعيّة وجدت مع الأنبياء-عليهم السّلام-وهم على قمّة الممارسة السّياسية، كما كانت ظاهرة مع أعتى النّظم القمعيّة، وتلاحظ في كلّ مجتمع وإن تفاوت مع غيره في العلم، والثّراء، والإنتاج.

وطبقة النّخبة توجد حتى لدى النّخاسين، وقد يرى بعض النّاس نفسه نخبويًا وليس هو كذلك، ويزهد في الوصف آخرون وهم الأولى به، وبالمقابل فربّما دخل معهم من ليس منهم، وإنّما قادته ذنوب العباد، أو خفايا الأقدار؛ فغدا متربّعًا على بساط النّخبة الوثير؛ بينما مكانه الطّبيعي بعيد عنها كلّ البعد، وربّما تأنف جلّ الطّبقات من دخوله ضمنها!

واستعرض اليوم على عجالة كتابًا عنوانه: صناعة النّخب، تأليف: أحمد عمرو، صدرت طبعته الأولى عام 1439=2018م عن المركز العربي للدّراسات الإنسانيّة بمصر، وعدد صفحاته (134) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مدخل، وفصلان، ثم قائمة بالمراجع، فالفهرس، وفيه أخطاء طباعيّة آمل إدراكها في الطّبعات القادمة، وأتمنّى أن تكون طباعته الثّانية أكثر ترتيبًا، وأجمل في الإخراج بما يناسب محتواه المهم.

ومن أعظم أفكار الكتاب التي تحتاج لتركيز واستفاضة، أنّ النّخب يكبر نفعها إذا توافقت مع قيم المجتمع وثقافته، وسعت في تحقيق المصلحة العامّة، ولم تبلغ النّخبوية دون استحقاق بعلم أو عمل، فلا خير في نخبة تحمل قيمًا مخالفة للشّعب، أو تصادم ثقافته، والبلاء يتعاظم من نخبة دخلت الحلبة دونما مؤهلات حقيقية.

والفكرة الأخرى، أهميّة أن تحمل النّخب قضايا أمّتها وأناسها، على أنّها مشروعها الأكبر، وإليها ينصرف همّها وهمّتها، وأذكر أنّي قرأت في كتاب للأستاذ هيكل، عن لقائه بالزّعيم الهندي نهرو، على فراش مرضه الأخير، حيث نقل فيه عن نهرو ما معناه: إنَّ في كلِّ شعب وأمّة نخبة، وجموع غفيرة من العامّة، ولا مناص من أحد خيارين: إمّا أن تحمل عقول النُّخبة ثقل الأكثريّة، وتخدمهم وتسعى في صلاحهم، أو تسقط عضلات الأكثريّة فتكتم أنفاس الجميع، وتحطّم أضلاعهم! فهل من نخبٍ تسمع، وتعقل، وتعمل بالمصالح؟

وثالث فكرة من أفكار الكتاب، أنّ ثقافتنا الإسلاميّة غير مرتهنة بنتاج الدّراسات الإنسانيّة، المتأثرة بحضارة الغرب وقيمه، وطبعًا، يمكن الإفادة منها كمدخل غير نهائي، قابل للتّعديل أو الرّفض، ثمّ سبكها ضمن سياق منتجات حضارتنا العلميّة أو العمليّة، كأهل الحلّ والعقد، وأهل الاجتهاد، وجماعة العلماء، وغيرهم مما عرف في تاريخنا الحضاري الذي لم نعطه قدره الحقيقي.

ومن المفهوم أن تكون النّخبة قليلة العدد، وتتركز في يديها مكامن القوة، وأعظمها القوة السّياسية، وهذه المعاني كتب عنها المؤلف في مدخله الثّمين، ثمّ بحث في الفصل الأول النّخبة ومنطلقاتها النّظريّة، وتحدّث عن بعض حيل النّخب وألاعيبها، وبيّن خصائصها، من قلّة، وقوة، وتواصل، ومكانة، وتأثير، وتوازن. وعرّج على أدوارها في صناعة الوعي، وتثبيت القيم، وخدمة الشّأن العام، وأخيرًا ختم بإشكاليات النّخبة، وعلى رأسها الهويّة، والشّرعيّة، والمشاركة.

وحمل الفصل الثّاني عنوان النّخبة وتفاعلات الواقع، وذكر الباحث أنّ آليات صناعة النّخب هي الإعلام، والتّعليم، والمال، فالإعلام التّقليدي منه والجديد، يصنع نخبًا حقيقيّة أو زائفة، ويضعها في خانة الصّدارة أمام الجماهير.

ويعطي التّعليم للأفراد صفة النّخبويّة بما يحملونه من شهادات، وويح أمّة يتولى أعاديها تعليمها أو صناعة نخبها من خلال التّعليم والابتعاث، وما أخطر قول سارتر: إنّنا نصنع متعلّمين لا يملكون كلامًا إلّا ما نضعه في أفواههم! وللاقتصاد أثر محوري في صناعة النّخب، فالمال يهب لصاحبه صلاحيّة وحكمة، وإن كان فاسدًا أخرقًا!

ثم تحوّل الأستاذ أحمد عمرو إلى النّخبة والإصلاح، وجال مع النّخبة الدّينيّة، ثمّ مع النّخبة العلمانيّة، ولو وضع النّخبة “التّنويريّة” في قسم مستقل، ولم يفرّعها تحت العلمانيّة لكان أنسب. وبعد ذلك حلّل المؤلف أسباب فشل النّخب، وذكر أمثلة عربيّة معاصرة وقديمة، ثم ختم مباحث الفصل بالمقارنة بين النّخبة وأهل الحلّ والعقد، وخلا الكتاب المختصر من خاتمة تلملم أطرافه.

ومن الزّوايا الملّحة التي أتوقع أن يحرص عليها المؤلف الموفق في طبعته الثّانية، الحديث عن الجماعات الوسيطة، والشّبكات المجتمعيّة، ومكانتها في طبقة النّخبة، وهي سمة مشرقة امتازت بها الحضارة الإسلاميّة، وكانت علامة مضيئة في حياة الأمّة، وبهرت الباحثين في علوم الاجتماع؛ ثمّ بدأت تخفت تحت سياط الاستبداد، وبلاء الانفراد بالسّلطة، وكم من خيرات ضاعت بغيابها، وكم من شرور تعاظمت بتركها الفضاء العام، أو إخراجها منه.