"منهج البحث في الفقه الإسلامي : خصائصه ونقائصه"

[ عرضُ وكشفٌ لأهمّ مباحث الكتاب ]


تُعدّ القراءات الفكريّة/ الشرعيّة في كتب الباحثين؛ من أهمّ الجوانب التي تتجلّى فيها طبيعة تفكير المؤلف في الكتابة والتأليف إذ يتغيّى الباحث في كتابه الوصول لهدف منشودٍ يُعالج من خلاله قضيّة تستحق البحث والنظر.

هذا يدعو لأن تغدو هذه القراءات الفقهيّة عبر إطار منهجي ذات انتظام منهجي في بناء المباحثات الكليّة؛ حتى الوصول إلى مناقشة المباحث الفروعيّة الجزئيّة، ودقائق المسائل.

بين يدينا كتاب : " منهج البحث في الفقه الإسلامي: خصائصه ونقائصه" تأليف: أ. د. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان - أستاذ الفقه وأصوله بالدراسات العليا الشرعية بجامعة أم القرى (سابقاً)، وهو من مطبوعات المكتبة المكية/ دار ابن حزم (الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996م)، ويقع الكتاب في 285 صفحة من القطع الكبير.

· لمحة موجزة عن أقسام البحث :

في أقسامٍ أربعة نثر المؤلف كنانته المعرفيّة مُبيّناً أنّ الفقه الإسلامي متميز بين العلوم بموضوعه ومضمونه، وأنه مستقل بمنهجه ومبادئه، ومع أنّ المؤلف ذكر في خاتمة بحثه نتائج البحث؛ إلاّ أنّه يحسن إيرادها في مقدّمة القراءة ؛ حيث توصّل إلى عدّة نقاط يدور عليها قطب رحى البحث الذي سوّده وألّفه، وذلك في نقاط عديدة ومنها:

1. التخصص في الفقه الإسلامي ضروري لكل من يريد البحث فيه، وهو طريق الإبداع، وله وسائله.

2. استنباط الأحكام الشرعية له أصوله، ويحتاج لتأهيل علمي مع صفاء إيماني، وفطرة مستقيمة.

3. التجرد والموضوعية في فهم النصوص، أو بفهم عبارات المخالفين، من لوازم المنهج في الفقه.

4. التصور الواعي للأحداث في إطار واقعها المُعاش والبيئة حولها لتأسيس الحكم على أسس سليمة.

5. أورد الباحث الخصائص الموضوعية والفنية للبحث الفقهي، وهي معيار الجودة، وميزان التفاضل بين البحوث فيه وهذا تكفّل به القسم الثاني من بحثه.

6. عرض الباحث في القسم الثالث أهم النقائص التي تقلل من جودة البحث.

7. تناول البحث في القسم الرابع المبادئ والقواعد فيما تصح نسبته للمذاهب، والمعايير العلمية لقبول الآراء أو رفضها، والأسلوب الأمثل للرد على المخالفين، وأخيراً القيمة العلمية والعملية للقول الضعيف والشاذ.

8. تحدث عن عوائق البحث النفسية والفكرية والخارجية والطارئة.

9. عرض في القسم الخامس أسلوب كتابة البحث الفقهي، وكيفية تناول المصادر الفقهية، وفهم النصوص، ووضع هيكليّة البحث.

[المنهج الاجتهادي العام في الفقه الإسلامي].

بيّن المؤلف أنّ تعريف المنهج: ( فن التنظيم الصحيح لسلسلة الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بنا عارفين).

وتحدث عن المنهج في الفقه الإسلامي إذ يرتكز على خطوات عديدة كالاستقراء للنصوص المتصلة بالموضوع، ومن ثمّ التحليل العلمي، وهنا تظهر مهارة الباحث، ومن ثمّ بحسن الاستنباط، وهو يقوم على معنى الاجتهاد الذي لا يخلو عصر يكون فيه من يقوم لله بحجة على خلقه.

وقد أوضح المؤلف أنّ أول خطوة في الاجتهاد النظر إلى الإجماع؛ فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه ولو خالفه كتاب أو سنة علم أن ذلك منسوخ أو متأول؛ لكون الإجماع دليلاُ قاطعاُ لا يقبل النسخ ، ولا تأويلا.

يلي ذلك أهمية ضرورة النظر إلى الأدلة المتواترة، وأنهما على رتبة واحدة، لأن كل واحد منهما دليل قطعي.

ويؤكد في مواطن كثيرة في كتابه إلى ضرورة تحليل الأدلة تحليلاً علمياً يبين أبعاد النص وتفسيراته ومفهوماته وفرضياته بتجرد وموضوعية كاملة، وأنّها تُكْتَسَبُ بعد طول ممارسة، ونقل عن الزركشي أنه مما يُعينه على ذلك أن تكون له قوة على تحليل ما في الكتب ورده إلى الحجج فما وافق منها التأليف الصواب فهو صواب، وما خرج عن ذلك فهو فاسد، وما أشكل أمره توقف فيه.

ويلفت المؤلف الانتباه عَقِبَ ذلك إلى نظر الباحث لأخبار الآحاد فإن عارض خبر خاص منها عموم الكتاب والسنة فالراجح أنه يخصصهما كما نقله عن ابن قدامة في الروضة، ثم ينظر في قياس النصوص.

وقد بيَّن أنّ الاجتهاد ليس بتجميع الأدلة من الكتاب والسنة فحسب، أو حفظها عن ظهر قلب، وإنما هو الدليل وقوة الفهم وجودة الفكر ووفور العلم والاستنباط فلا أثر للكثرة؛ إذ الشخص الواحد قد يكون أكثر تحقيقاً وفهماً من كثيرين كما نقله عن السلمي الشافعي في كتابه فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد.

وقد ذكر المؤلف نماذج بحثية انتخب فيها عرض منهجٍ للشافعي والطحاوي في البحث الفقهي من خلال البدء باستعراض الآيات القرآنية، ثمّ ما ثبت في السنة النبوية، عرضاً وتحليلا واستنباطاً، وكان يعتمد على اللغة العربية في فهم النصوص.

أوردَ المؤلف نقلاً عن الشافعي كلمة (البحر) فهل يُطلق على الماء العذب كما يُطلق على المالح سواء؛ لبيان ما يُباح صيده منها للمحرم؛ وقد لجأ الإمام الشافعي في هذا إلى التحديد اللغوي أولاً ليُرتّب عليه الحكم الشرعي؛ وذلك في باب تحريم الصيد)، ونقل قوله تعالى { أحلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحُرّم عليكم صيد البر ما دُمتم حُرُماً} فقد قال الشافعي: والبحر اسم جامع فكل ما كثر ماؤه واتسع قيل هذا بحر؛ فإنّ قال قائل فالبحر المعروف : البحر هو المالح، قيل: نعم، ويدخل فيه العذب، وذلك معروف عند العرب؛ فإن قال قائل: فهل من دليل عليه في كتاب الله؟ قيل: نعم، قال الله عز وجل { وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً}.

كما أنّ الشافعي رحمه الله كان يقوم بتطبيق القواعد الأصولية، وهذا منهج مثالي يمنح القارئ الثقة في الأحكام المستنبطة؛ كما ينمي لديه ملكة الاستنباط؛ حيث يقف بصورة عملية على الطريقة التي سلكها الأئمة المجتهدون في استنباط الأحكام نظرياً وتطبيقياً

· بين الترجيح والاجتهاد:

نبّه المؤلف إلى ضرورة الاستدلال بالمعقول، ونقل عن الشافعي قوله: ليس كل العلم يوجد به كتاب وسنة نصاً، وأن الاجتهاد في الغالب فيما لم يسبق فيه رأي، أو سبق فيه رأي أو مذهب لكن دعت الحاجة لإعادة النظر فيه؛ لظروف وملابسات جديدة، أو وجود أدلة وبراهين لم تكن بين يدي مجتهدين سابقين جرياً على قاعدة تجدد الاجتهاد.

أما الترجيح الفقهي فهو معدود في أنواع الاجتهاد وهو الأكثر ممارسة بين الفقهاء، والراجح عندهم أي أنه صواب وما عداه خطأ؛ لكنّه بيّن من خلال نقولات علميّة خلاف هذا القول؛ وأنّ الترجيح عند الأصوليين زيادة وضوح ، يرجع إلى مأخذ الدليلين مما لا يستقل دليلاً، وأنّ الدليلان في عملية الترجيح متكافئاً متعادلان من حيث القوة والثبوت، وليس هو من قبيل موازنة بين قوي ثابت، وضعيف ساقط؛ وإنما يقدم أحدهما على الآخر لوصف أو معنى يختص به، أو ميزة ينفرد عنها، فعدوه من قبيل الجائز والأفضل لا من قبيل الخطأ والصواب.

وقد صرّحوا بذلك نظرياً والتزموه في بحوثهم ودراساتهم عمليا وبيّن في نقله عن السيوطي قوله أنّ المذاهب كلها صواب، وأنها من باب جائز وأفضل، لا من باب صواب وخطأ، وخلص في ذلك أن الاجتهاد لا يكون بغرض التشهي.

أما ما لم يكن من هذا القبيل بل هو انحراف ظاهر عن الدليل، أو ما يكون الحكم فيه عن هوى فهو ما يُحكم عليه بالخطأ، والقاعدة في هذا أن الخطأ والصواب يستعملان في المجتهدات والحق والباطل في المعتقدات كما نقل عن التهانوي.

ثم تطرق إلى مناهج الترجيح وبيّن أن الطريقة الشافعيّة ميّالة لكثرة الأدلة وانضمام علّة إلى علّة، بخلاف الحنفية فإنه يحصل عندهم بزيادة الوضوح في أحد الدليلين، وحجّتهم أن الشهادة والفتوى لا تتقوى بكثرة العدد، فإن شهادة شاهدين، وشهادة أربعة فيما يثبت بشاهدين سواء، وشهادة عشرة وشهادة أربعة فيما يثبت بأربعة سواء.

· خصائص البحث الفقهي وعناصره:

يبدأ بالتخصص؛ فالأصالة والإبداع، لكن من غير المقبول أن يقصر الإبداع على المتقدمين حتى لم يبق لأحد بعدهم شيء يضيفونه.

كما أنه من غير المقبول عجز المتأخرين عن اللحاق بالمتقدمين إذ تقصر مواهبهم وتضيق ملكاتهم وأفكارهم عن إضافة جديدة، ومنها فالمؤلف يُخالف الحصكفي الذي نُسبت له مقولة يتعللون بها في توقف الإبداع والابتكار بقوله: العلوم ثلاثة أقسام:

علم نضج وما احترق: وهو علم النحو والأصول.

وعلم لا نضح ولا احترق: وهو علم البيان والتفسير.

وعلم نضج واحترق: وهو علم الحديث والفقه".

وقد خلص المؤلف إلى جواز إحداث قول لم يكن عليه الأئمة الأربعة شرط التزام صاحبه بالمنطلقات الأصولية في فهم الأدلة؛ لأن الإبقاء على هذا هو إغلاق لبوابة الاجتهاد؛ فمن كان من أهله في محله وأخذوا بشرطه فلا إشكال أن يُشاركوا برأيهم؛ ويمنعوا المتطفلين على موائدهم.

كما أن من القضايا المهمة في مجال الفقه فهم الأدلة؛ لأن المجتهد على التحقيق هو من يأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها كما يقول الإمام الشوكاني.

وعلى الباحث أن تكون له عناية بالمقصد الشرعي، وقد نبّه أنّ المقاصد عندهم يعنون بها عدّة معاني:

1. فهي في اصطلاح الأصوليين ما يُسمى بالمناسبة حيث أنه الذي يجلب للإنسان نفعاً أو يدفع عنه ضراً كما نقله البيضاوي وغيره.

2. وتاره يُعبرون عن المقاصد بالمعاني المستخرجة كما فعل الزركشي حين قال : (من فقه الفقه قولهم في حديث ميمونة : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به) إن فيه احتياطاً للمال، وإنه مهما أمكن أن لا يضيع فلا ينبغي أن يضيع).

3. وتارة يُقصد بالمقاصد الشرعية أنها المصالح كما بينه الرازي في قوله عن المصلحة الشرعية: (هو الوصف الذي يتضمن في نفسه، أو بواسطة حصول مقصود من مقاصد الشرع، دينياً كان ذلك المقصود أو دنيوياً).

من مهمّات العلم بالشرع الإسلامي أنّه كما بيّن الغزالي: "كثير الالتفات إلى المعاني، قليل الالتفات إلى الصور والأسامي"، بيد أنّه نبّه على ضرورة البعد عن الإغراق والمغالاة فيها؛ لأنّ: " التدقيق في حكم المشروعية من ملح العلم لا من متينه عند المحققين؛ بخلاف استنباط علل الأحكام وضبط أماراتها، فلا ينبغي التنقير عن الحِكَم لا سيما فيما ظاهره التعبد؛ إذ لا يؤمن فيه من ارتكاب الخطر، والوقوع في الخطل، وحسب الفقيه من ذلك ما كان منصوصاً، أو ظاهراً، أو قريباً من الظهور" كما يقوله الإمام المِقَرِّي.

ثم تحدث عن ضرورة وعي الباحث الفقهي بالدراسات الإنسانية والاجتماعية؛ فهذه الدراسات تقدمت في الوعي بالأساليب البحثية كالإحصاءات والاستبيانات وقدمت أنماطاً من التحليل الكمي والنوعي يُساعد على تفهم الواقع أو المشكلة تفهماً سليماً.

إن كثيراً من الجوانب المتعلقة بالمعاملات والأنكحة حكم فيها العلماء من خلال عصرهم ضمن تصورات وخبرات ومستويات علمية ومن غير المعقول أن تعلل الأحكام بها حالياً فقد كان الفقهاء يعدون بعض الأمراض موجباً لفسخ النكاح لأنها كانت مما يستعصي علاجه مثل الرتق والفتق والبخر؛ ولكن الحال اختلف اليوم فلا يصح القول بقولهم السابق.

أوضح المؤلف أنّ الباحث الفقهي ينبغي أن يكون له علم جيد بتخريج الأحاديث النبوية؛ بعزو الأحاديث إلى مخرجيها وقدرة الحكم عليها صحة وضعفاً؛ لأنها هي الأساس الذي ينطلق للاجتهاد، وقد أشار المؤلف لبعض الكتب النافعة في ذلك كتحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، وما جمعه المؤلف محمد فؤاد عبد الباقي في كتابه: "تيسير المنفعة"، وكذا ما كتبه صاحب مفتاح كنوز السنة، وكذا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي.

لم يدع المؤلف التذكير بضرورة الرجوع للمصادر الأصلية الفقهية باختيار النص المناسب من الكتب الفقهية المعتمدة، والأمانة العلمية في نقله، كما أنّ المنقولات عن المذاهب لا تكون إلا بعد الاطلاع على ما ذكره علماء المذهب وحرّروه واعتبروا مذهباً، ولهذا حذر علماء كل مذهب من الأخذ والنقل عن كتب في المذهب غير أنها ليست معتمدة عندهم فضلاً عن عد رواية لإمام المذهب هي المذهب؛ فضلاً عن نقلِ مذهب من كتاب ليس من كتب المذهب بل من مذهب آخر.

مما يُلاحظ على المؤلف في هذا الجانب أنّه نقل عن كثير من علماء الفقه في المذاهب الفقهيّة؛ خلا الحنابلة، وكان الأحرى به أن يأتي بنقلٍ عن الحنابلة يؤكد هذا المفهوم.

· أهمية التحرير المذهبي في كتب الفقهاء :

أوضح المؤلف أنّ الكتب المعتمدة لدى أئمة المذاهب من خلالها نتعرف على رأي جمهور الفقهاء في المذهب؛ وبيرز وحدة الفكر بينهم.

ويصبح التمييز سهلاً بين رأي الجمهور في المذهب وأقوال الآخرين التي تمثل اجتهادات فردية لدى الاطلاع والوقوف على رأي المخالف.

وفي ذلك حماية الباحث والفقيه والمفتي من البلبلة الفكرية التي تنشأ عن تعدد الأقوال، والوجوه المروية عن أئمة المذهب؛ لأنّ الفقهاء تكفلوا بتحرير تلك الأقوال وتنقيحها وخلصوها من التعددية والمفروض أن يبدأ اللاحق حيث انتهى السابق لإضافة الجديد للموضوع.

لكنّه مع ضرورة الاهتمام بالكتب المعتمدة إلا أنه أشار إلى أنّ هذا لا يُلغي الاهتمام بالكتب الأخرى في المذاهب الفقهية لعدّة أسباب:

1. البحث والتفتيش عن شروحات لمسائل في المتون والشروحات المعتمدة لم يتم التطرق لها بشكل واضح، ولم تتسع الكتب المعتمدة لمعرفتها فيتم عرضها في كتب المذهب الأخرى.

2. العرض المفصل للأقوال المقبولة والمخالفة القوية والضعيفة المتقابلة المتباينة لا سيما المبسوطة والموسعة مما لا تهتم كتب المتون والشروح المعتمدة.

3. مناقشة كافة الأقوال في حرية فكرية تامة دون تقيد بالقواعد المذهبية، واستدلال لكل واحد منها قد يؤدى إلى ترجيح المرجوح في المذهب أو تضعيف الراجح.

4. الاطلاع على مثل هذه الكتب والمدونات يصقل ملكة الباحث وتغذيه بروح الاجتهاد والعمل له.

[ نقائص البحث الفقهي ]

اهتم في هذا القسم ببيان القضايا المؤثرة أثناء عملية البحث في الفقه، وأهمها:

أولا: الاستدلال بالحديث دون تمييز بين الصحيح والضعيف وذكر لذلك عدة أسباب:

أ‌. الثقة في نقل المجتهدين السابقين دون مناقشة، أو فحص للأحاديث التي يروونها، قد كشف هذه الحقيقة العلامة قاسم قطلوبغا عن هذا السلوك قائلاً: " إن المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله كانوا يُملون المسائل الفقهية وأدلتها من الأحاديث النبوية بأسانيدهم : كأبي يوسف في كتاب الخراج والأمالي، ومحمد في كتاب الأصل والسير، وكذا الطحاوي والخصاف، والرازي، والكرخي إلا في المختصرات، ثم جاء من اعتمد كتب المتقدمين، وأورد الأحاديث في كتب من غير بيان سند، ولا مخرج فعكف الناس على هذه الكتب".

ب‌. تغليب الجانب التعليمي وذلك بقصد استثنار همة طالب العلم إلى مراجعة الحديث في دواوينه ومصادر الأصلية حتى يكون على صلة مباشرة.

ت‌. الرغبة في التوسع في الجدل، والإسراف في العمل بالقياس والرأي دون التفات إلى الأحاديث، والبحث بينها عن الصحيح.

ثانيا: الاعتماد على المختصرات :

من أهداف المؤلفين لها : تيسير حفظها على المبتدئين، وسرعة استحضارها للفقهاء لمتقدمين.

لكن هذه المختصرات لا يصح الاعتماد عليها للإفتاء وحل المشكلات العويصة الفقهية كما بيّن اللكنوي.

فمن ثم ينبغي ألا يتوقف الباحث في النقل والاقتباس على المختصرات، ولا يقتصر في فهمه عليها، بل لابد من الرجوع إلى الشروح المعتمدة، والدواوين الفقهية الموسوعة، حيث الإسهاب في التعبير، والاستدلال ووضوح الألفاظ، وشهود المعاني دون لبس.

ثالثا: النقل بالمعنى:

لدى الفقهاء السابقين طريقة في نقل كلام من سبقهم بالمعنى غير أنّ مناهج البحث الفقهي التي يُحبذها الفقهاء نقل النص كاملاً خوفاً من الوقوع في محاذير ليس أقلها عدم فهم النص واستيعابه، بل قد يؤدي النقل بالمعنى لتغيير الحكم، وتحريف المعاني.

غير أنّ نقل الكلام بالمعنى باختصاره أو إعادة صياغته يتوجب عدم اختلاف المعنى بحال، والتأكد من سلامة فهم النص روحاً وجوهراً، وصياغته في عبارة تؤدي المعنى المقصود من النص الأساس.

يقول أحمد بن حمدان: "اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الألفاظ بأعيانها، والاكتفاء بنقل المعاني مع قصور التأمل عن استيعاب مراد المتكلم الأول بكلامه، أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي".

رابعا: النقل من غير المصادر الأصلية :

فالأصل في نقل الآراء ونسبتها والاحتجاج لها أن تؤخذ من مؤلفات أصحابها، أو من ينتسب إليهم، فلكل مذهب كتبه ومدوناته، فلا يؤخذ فقه المذاهب الأربعة وآراء مجتهديهم من كتب الظاهرية أو الشيعة، والعكس كذلك.

أما إذا لم تتوفر فيلجأ حينئذ للنقل من مدونات موثوقة يُعرف أصحابها بأمانة النقل، وصدق القول، ممن لم يعهد عنهم التحريف أو التحامل أو التزيد على الآخرين، وإن تجاوز المصادر الأصلية إلى غيرها يمثل ثغرة وضعفاً في البحث لا يخلص منه إلا بالعودة إليها؛ فالنتائج السليمة هي نتاج المصادر الصحيحة.

خامسا: الإسهاب في التعريفات:

ذكر المؤلف أن التعمق والإيغال في عرض تعريفات الأقدمين، وإعادة كل ما كتب عنها من نقد إضافة، أو نقصاً عبر القرون والدراسات الماضية يجعل البحث خاملاً يفقد حيويته، ويُرغم القارئ على تجاوزه والانصراف عنه، ما لم يكن سببه علمياً وجيهاً يدعو لبعض ذلك ، والتصرف معها بلباقة ومهارة.

ولقد بلغ الأمر ببعض العلماء المحققين أمثال علي بن عبد الصمد الجلاوي أنه كان ينهى الطالب عن الاعتناء بالمناقشة في الحدود والتزييف.

سادسا: الإسهاب في الاستدلال لقطعيات الشريعة :

فمعلوم بداهة في الفقه الإسلامي أن النص الشرعي له جانبان: جانب الثبوت، وجانب الدلالة، فالقرآن قطعي الثبوت لأنه منقول بالتواتر.

ومن ذلك المعلوم من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس.

وذكر المؤلف من ضمن ذلك موضوع القياس، وموضوع الاستصلاح، وموضوع الاجماع.

ومن الأمثلة الكثيرة على نقد المتقدمين لهذا المنهج نقد القاضي عبد الجبار لنهج شيخه أبي هشام في إطالته في إثبات حجية الإجماع حين أسرف في عرض الأخبار المروية، والأحاديث الكثيرة المتداولة قائلا:"وإنما ذكرنا ( الاستدلال على حجية الإجماع) ليعلم أن الرواية فيه كثيرة بألفاظ مختلفة، وتداول الصحابة والتابعين لذلك مشهور ظاهر، واعتمادهم على الإجماع ظاهر، وإن كنا لا نحتاج إلى تتبع الألفاظ في مثله، وكثير من فرائض الزكوات، نستغني عن تتبع الألفاظ إذا كان المعنى المنقول متعارفاً"

سادساً: توضيح المسائل بالأمثلة الفقهية الغريبة :

لقد كان كثير من الفقهاء يذكرون الأمثلة الفقهية بما يُحاكي واقعهم وعصرهم الذي يعيشون فيه؛ لكنها تفقد حضورها في واقعنا الحالي؛ لاختلاف استخدام الوسائل المتعلقة بالمواصلات، أو الكلمات.

وإن مما يعزل البحث الفقهي عن العصر الذي يعيشه أن يبتعد عنه فكراً، واستحضاراً للواقع، يجتر فيه الباحث الأمثلة الماضية المدونة في الكتب التي لم يصبح لها وجود اجتماعي، أو حضور علمي.

سابعا: تداخل الموضوعات الفقهية:

فيدرك كل ذي ممارسة بالفقه صعوبة البحث في مصادره ومدوناته ولهذا أسباب عدة:

منها: عدم وجود ترتيب موحد للأبواب والموضوعات الفقهية بين أرباب المذاهب.

ومنها: الاسترسال في التعبير في جمل طويلة يصعب إرجاء الضمائر إليها، ومتعلقات الأفعال إلى ما يُناسبها .

ومنها: خلوها من الفهارس التفصيلية للمسائل الجزئية.

مثاله : بيع الوفاء يذكر في المصادر الفقهية في عدة مواضع مختلفة حسبما يظن الفقيه مناسبته: يذكر أحياناُ في البيوع الفاسدة، كالبزازي.

ومنهم من يذكره في خيار الشرط كقاضيخان، وصاحب البحر.

ومنهم من يذكره في الإكراه كالزيلعي.

وذكره صاحب الدرر والغرر في تذنيب قبيل باب الشفعة.

وبالمناسبة فهذا البيع له عدّة أسماء وعناوين: بيع العِدّة والأمانة، وبيع الناس، وبيع المعاملة وهو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن برد المشتري إليه المبيع.

وقد تنبيه لهذه المشكلة الزركشي فأسهم في حلها بتأليف كتاب (خبايا الزوايا) وشرح في مقدمته موضوع الكتاب والأسباب الداعية لتأليفه قائلاً: ( ذكرت فيه المسائل التي ذكرها الإمامان الجليلان: أبو القاسم الرافعي، في شرحه للوجزي، وأبو زكريا في روضته – تغمدهما الله برحمته – في غير مظنتها من الأبواب).

[ مبادئ وقواعد عامة ]

ذكر تحت هذا الموضوع قواعد ومنطلقات مفاهيميّة وهي :

1. ضرورة نسبة المذاهب والآراء. وهذا يلزم منه الدقة وصدق النسبة.

2. الإلزام بمفاهيم الأقوال، فما يُفهم من الألفاظ والعبارات ضمناً أو مفهوماً أو لزوماً فلا تصح نسبته إلى صاحب ذلك القول، بدعوى التخريح، أو اللزوم أو المفهوم أصبح هذا قاعدة بين العلماء فذكروا أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه.

وقد عبر عن هذه القاعدة الأصولية والقانون الفكري الإمام القرافي فقال: "إن الكلام إذا سيق لأجل معنى لا يكون حجة في غيره لأن العادة قاضية أن المتكلم يكون مقبلاً على ذلك المعنى، معرضاً عن غيره، وما كان المتكلم معرضاً عنه لا يستدل بلفظه".

والالتزام بهذه القاعدة لدى دراسة النصوص الفقهية أكبر عون على التجرد والإنصاف، بل هو حائل حصين بين الباحث والتحامل على المخالفين، وتقويلهم ما لم يقولوا، علماً بأنّ لهذا المبدأ أصوله في الشريعة الإسلامية، ذلك أن مفهوم المخالفة لا يحتج به في استنباط الأحكام الشرعية إلا بشروط:

1) أن لا يكون تخصيصه بالذكر لموافقة الواقع.

2) أن لا يكون جواباً عن سؤال.

3) أن لا يكون تعيينه بسبب جهل السامع لحكم المنطوق.

4) ألا يكون تأكيداً للنهي.

5) ألا يكون ذكره لأجل الامتنان.

6) أن لا يكون الحكم مسوقاً لحادثة بعينها.

هذه شروط من يعتد بمفهوم المخالفة من الجمهور، في حين أن الحنفية لا يعدونه معتبراً بأقسامه في كلام الشارع فقط، وأما في متفاهم الناس وعرفهم، وفي المعاملات والعقليات فهو معتبر .

3. الاختلاف الفقهي:

وهذا النوع من الاختلاف عنوان الرحمة بالأمة المحمدية ودليل على مرونة الشريعة الإسلامية وسعتها، ولهذا يقول عن عطاء لا ينبغي لأحد أن يُفتي الناس حتى يكون عالماً باختلاف الناس؛ فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي بين يديه.

4. المعتد به من الخلاف:

فهنالك خلاف حقيقي معنوي، مثل التلفظ بلفظ الطلاق ثلاث مرات فالجمهور يجعلونها مطلقة طلقة بائنة بينونة كبرى، وابن تيمية يجعلها مطلقة طلقة واحدة.

وهنالك خلاف لفظي شكلي كالاختلاف في مسألة الفرض والواجب عند الحنفية خلافاً للجمهور الذين يرونهما بمعنى واحد، والعلماء لأجل ذلك يدرسون سبب الخلاف وتحليله ويقومون بتحرير محل النزاع.

5. معرفة الحق:

لهذا شدد الفقهاء على توخي الحق ومعرفته والاجتهاد في تطلبه، والطريق إلى الحق والبحث عنه ليس بالأمر العسير لمن يبحث عنه ويبغيه : " إنما يبين الصواب في الأمور المشتبهة لمن أعرض عن الهوى، والتفت عن العصبية، وقصد الحق لطريقه، ولم ينظر في أسماء الرجال ولا في صيتهم، ذلك الذي يتجلى له غامض المشتبه، فأما من مال به الهوى فعسير تقويمه " كما قال أبو الأجفان محمد الراعي المالكي.

وليحذر الباحث من التعصب الفقهي فكثير منه الناس لمكانة بعض الناس في قلوبهم يُصابون بضرب من الوثنية الفكرية كما يقول الوزير ابن هبيرة الحنبلي: ومنها [من مكايد الشيطان] أن يقيم أوثاناً في المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يتبين الحق فيقول: ليس هذا مذهبنا، تقليداً للمعظم عنده ، قد قدمه على الحق).

6. لا يُهجر الرأي الصحيح بسبب قائله.

7. السلوك السوي في الاعتراض على المخالف.

فلابد من حسن الفهم قبل الاعتراض على القول لأن من اعترض ولم يفهم وقع في عماية على حد ما قاله الغزالي.

ولهذا وضع العلماء شروطاً وآداباً لمن يتصدى لمتابعة آراء المخالفين، والرد عليها تتلخص في الآتي:

1) الدراية التامة بموضوع المناقشة تأصيلاً واستدلالاً فهذا الذي يحقق سلامة الاعتراض ويضمن قوة الرد.

2) أن يحمله على ذلك القصد للوصول إلى الصواب، وليس التشهير والتشنيع على المخالف بما لا يليق بأهل العلم.

3) حمل كلام المخالف الممل الصواب والحسن ما أمكن، لأنا أمرنا أن نسحن الظن بكل مسلم فمن باب أولى العلماء.

4) أن يكون الناقد موضوعياً لا يخرج عن موضوع الخلاف إلى أمور جانبية لا تفيد العلم.

ومن الواجب في مجال مناقشة آراء المخالف والرد عليها التزام الأمانة العلمية التي تقتضي بالنسبة لنقل كلام المخالف.

أ‌. التأكد التام من صحة نسبة الرأي إلى صاحبه، والتثبت من مصادر صحيحة عرفت بنزاتها وليس نقلاً بالحكاية أو منه من مصادر صحيحة عرفت بنزاهتها، وليس نقلاً بالحكاية أو تلقياً بالرواية ممن لاثقة بروايته.

ب‌. نقل الكلام المعترض عليه نصاً دون تزيد أو نقص لا يسمح في مجال النقد والمعارضة نقل كلام المخالف بالمعنى

8. الأقوال المتعارضة في كتابات المؤلفين

قد يُصادف الباحث في بعض الكتب آراء متعارضة؛ لمؤلف واحد في كتاب أو كتابين، والطريق المناسبة لاعتماد ذلك تكون إذا كان التعارض في كتاب واحد في موضعين مختلفين منه فإنّه يعتمد رأيه المُدّون في الباب الذي تنتمي إليه المسألة أصالة، وقد قرّر هذه القاعدة الإمام النووي.

أما إذا كان التعارض في كتب مختلفة في مسألة فقهية؛ فإنه يأخذ بالقول الآخر منهما لاعتبار أنه تراجع عن رأيه ذاك؛ كما بيّنه محمد سليمان المدني في كتابه الفوائد المدنية في بيان اختلاف العلماء من الفوائد الشافعية.

أما إذا كان الاختلاف بين التصنيف وبين الفتاوى فالمعتمد الأخذ بما في التصنيف؛ لأن الأخيرة مُكيّفة على نازلة معينة لها ظروفها وملابساتها، كما بيّنه العلاّمة عبد الله بن ياسين الفاسرواني، وكذا محمد بن سليمان المدني الكردي.

وهذه القاعدة تعد عند الحنفية كذلك إذ إن الفتاوى تأتي في نهاية ما يلجأ إليها المفتي والباحث من المصادر؛ لكونها في عامتها اجتهادات فردية، وتخريجات على الأصول مع احتمال في المخالفة للرأي الراجح في المذهب.

9. الأقوال الضعيفة والشاذة:

فإن للفقهاء مصطلح خاص في تعريف القول الضعيف وهو شامل لخلاف الأصح، وخلاف المعتمد، وخلاف الأوجه، وخلاف المتجه.

وأما خلاف الصحيح فالغالب أنه فاسد.

أما الشاذ فهو ما ينفرد به قائله مخالفاً للدليل والقياس؛ فهذا المعنى العام للشاذ من الأقوال في الفقه.

غير أن الشافعية يُطلق الوجه الشاذ عندهم على الوجه الذي خرّجه الأصحاب واستنبطوه باجتهادهم على غير قواعد الإمام ونصوصه.

وفي الجملة فقد حذّر العلماء من الاعتبار بالقول الشاذ ، وضمّه في تصانيف الكتب، فالأصل اطّراحه إلا في حالة التنبيه عليه؛ خاصّة إذا أراد أحد أن يُشهره؛ فيُذكر ليُنكر ويقرر القول في استبعاده (كلامي).

لهذا نبّه العلماء على أنّ مذاهب المجتهدين الشاذة التي كاد الإجماع يُعقد على خلافها فهذه كلها لا يجوز تقليد أربابها، كما بيّنه ابن حجر.

ويقول ابن عابدين في هذا الخصوص: الواجب على من أراد أن يعمل لنفسه، أو يفتي غيره أن يتبع القول الذي رجّحه علماء مذهبه، فلا يجوز له العمل، أو الإفتاء بالمرجوح إلا في بعض المواضع، وقد نقلوا الإجماع على ذلك.

[الخطة والتطبيق في البحث الفقهي ]

موضوع كبير كهذا خاض فيه المؤلف في أهمّ القضايا التي تشير لفائدة البحث على المستوي الشخصي إذ هو يزيد في المواهب ويُنمي المعارف، وذكر أن العلم يحصل بثلاثة أشياء: العمل به، والتصنيف، والتعليم، كما بيّنه ابن رجب.

وفي مجال التصنيف والبحث فلابد من انتقاء المعاني والأفكار، وحسن الترتيب والترابط بينها.

ولابد في البحث الفقهي من إيصال المعلومة بأجمل العبارات، فيكون لغة البحث وأسلوبه علمياً سلساً واضحاً، بلغة عربية فصيحة، واضحة، وقد ذكر الإمام ابن عبد البر أنّه " مما يستعان به على فهم الحديث ما ذكرناه من العون على كتاب الله، وهو العلم بلسان العرب، ومواقع كلامها، وسعة لغتها واستعارتها، ومجازها، وعموم لفظ مخاطبتها، وخصوصه، وسائر مذاهبها، لمن قدر فهو شيء لا يُستغنى عنه "

ثم بعد ذلك يقوم بإعداد خطة البحث؛ فيبدأ التفكير في تدوين خطة البحث الفقهي بالتحليل العلمي لموضوع البحث إلى عناصر رئيسة واضحة، ثم تغذية تلك العناصر وتنميتها بالقراءة في المصادر الفقهية، ليزداد تصور الموضوع وضوحاً، وأفكاره نماء، ومن ثم يتمكن الباحث من إكمال تصوره لترتيب عناصر البحث، ووضعه في هيكل فكري مقبول.

ويحتاج الباحث أن تكون بدايته لخطة البحث منظمة ومقننة تحميه من الحيرة والارتباك التي تعكس آثارها عليه، وعلى البحث معاً، التي غالباً ما تصحب المبتدئين قي كتابة البحوث، فيقرأ كتب المتقدمين ويستعرضها، وينظر في خطتهم في بداية كتبهم وحسن تنسيقهم وترتيبهم ككتاب المقدمات الممهدات لابن رشد، وكتاب بدائع الصنائع للكساني، ويقرأ جملة من كتب وأبحاث المعاصرين التي اهتم كتابها ببيان ملكة الفقه وقدرته على المشكلات مع خطة فقهية مناسبة في عرض الكتب ومنها كتاب مصادر الحق للسنهوري، وكتاب التشريع الجنائي في الإسلام لعبد القادر عودة.

تبدأ خطة البحث بتدوين الباحث في بطاقات مستقلة الموضوعات والأفكار الرئيسة التي عرضت له أثناء قراءته للمصادر، والاقتباسات النصية التي تدل عليها.

ثم تصنيف كل مجموعة تحت عنوان يميزها عن المعلومات الأخرى.

ثم يضم إلى تلك المعلومات العناصر والأفكار الجديدة ذات العلاقة بالبحث.

ثم يقسم تلك الموضوعات إلى أبواب وفصول أو بحسب ما يختاره الباحث من أنواع التقسيم في ترتيب منطقي وتسلسل فكري منظم، وكلما تعمق الباحث في القراءة تعمقت معلوماته في الموضوع المراد بحثه.

تطرق المؤلف عقب ذلك للحديث عن طريقة البحث في كتب البحث المذهبية والمقارنة.

فعلى الباحث تحديد الهدف قبل البدء هل سيكتب في شيء مقارن أم مذهبي بحت؟

فإذا كان دراسة مذهبية فقهية فعليه أن يعرف المتون المعتمدة في المذهب فيطلع عليها ثم يدون ما يحتاجه منها.

وأن يعرف الشروح المعتمدة لتلك المتون ويدون ما تفيده من إضافات وزيادات.

مع الاطلاع على مدونات أخرى في مجال المذهب الذي يدرسه مما لا يرقى الى مستوى الكتاب المعتمد في المذهب للعثور على ما قد يجده من آراء وجيهة، أو أدلة مساعدة، أو تحليل مفيد لم تهتم بها المدونات السابقة.

وإن أراد البحث في كتب فقه مقارن؛ فعليه أن يذهب لكتب الفقه المذهبية المعتمدة في كل مذهب ويقرأها ويقارن بينها للخروج برأي مناسب علمي، مع توسيع دائرة مجال البحث في كتب المذاهب للأخرى غير المعتمدة، أملاً في الحصول على معلومات أخرى ربما لا توجد في الكتب المعتمدة، ويبحث في كتب المتقدمين وأدلتهم.

نبّه المؤلف إلى ضرورة اطلاع الباحث على كتب التفسير خاصة التي تُعنى بالأحكام الفقهية ، ويندر وجودها في كتب الفقه نفسه، ويهتم بصحة النقل، ودقة العزو، وفهم الأدلة والأقوال، مع ضرورة أن يكون الباحث حين كتب موضوعاً فقهياً يُقدّم قائمة بما كتب في الموضوع من دراسات، وما قدم فيه من رسائل علمية ليعرف ما سيضيفه الباحث إلى العلم من جديد

· كيفية التوصل إلى فهم النص الفقهي ؟

لابدّ من التأمل والتدقيق في فهم النصوص؛ كما يُنال فهم النص الغامض بمذاكرته ومناقشته مع كل من يتوخى منه الاستفادة من أهل الخبرة.

كما يفهم المصطلحات الفقهية، ويدقق فيها، ومفردات المسائل، وينتبه لها إن كانت مسلّمة أو من قضايا الخلاف.

كما يجب معرفة القوادح والاعتراضات الواردة على ما كان من قضايا الخلاف، وإمكانية دفعها والجواب عليها.

ومن المفاهيم المهمة في البحث الفقهي أن يعرف كيفية التوصل إلى فهم النص الفقهي؛ إذ يُعد التأليف فيه من أدق أنواع التأليف، وقد صِيغت مباحثه في أسلوب علمي اختيرت مفرداته بعناية فائقة فكل كلمة وجملة موضوعة فيه لها غرضها

ومن المقترحات المفيدة التي ذكرها في هذا الشأن نقلاً عن الشيخ عليم الدين بن عبد الرزاق الحنفي:

1. إلقاء نظرة عامة على الفصل والمبحث الذي يريد بحث مسألته ليكون لديه تصور مناسب بشأنه.

2. فهم المصطلحات الفقهية ومفردات المسائل.

3. تأمل تلك المصطلحات إن كانت مفردة أو من قضايا الخلاف.

4. معرفة القوادح والاعتراضات الواردة عليها.

وحين يصعب تحقيق تلك الدرجة من الفهم والاستيعاب ينبغي البحث في سبب ذلك فربما يكون واحداً من الأسباب التالية:

1. خفاء في اللغة وتعقيد في الألفاظ.

2. غرابة في المصطلح.

وهذان السببان تتكفل كتب اللغة ومعاجم المصطلحات الفقهية بتذليلها والكشف عن معانيها.

3. خطأ في التعبير بسبب سهو أو نسيان. وهذا يتغلب عليه بالتصحيح والمقابلة على الأصل.

4. قصور في الإدراك وبطء في الفهم، ويتغلب عليه بإعادة قراءة المبحث بتدبر وتأمل، وتفقيط النص وتفقيره، وإن بقي المعنى مستغلقاً فليرجع لكتاب آخر يتحدث عن المسألة ذاتها.

على الباحث ألاّ يغفل عن مصطلحات المؤلفين من خلال حروف المعاني، والرموز الدالة على الأسماء لفقهاء معينين في المذهب، وكمثال: فإن مختصر خليل وضع في بداياته جميع ما يفيد طالب العلم بهذا الخصوص.

كما ينتبه لمصطلحات عامة جرى العرف العام بين المؤلفين على استعمالها، وبخاصة في المؤلفات الفقهية وفيما يلي التعرف لأهمها كما ذكرها العلامة عليم الدين بن عبد الرزاق الحنفي ومن ضمن الجوانب التي وضح منها المقصود عند المؤلفين الفقهاء:أن الشارح والمحشي إذا زاد على الأصل شيئاً فالزائد لايخلو إما أن يكون بحثاً أو اعتراضاً أو تفصيلاً لما أجمله، أو تكميلا لما نقصه وأهمله، والتكميل إن كان مأخوذاً من كلام سابق أو لاحق فإبراز وإلا فاعتراض.

ومن ذلك ما ذكره صاحب غمز عيون البصائر أن الفرق بين التذنيب والتذييل أن التذنيب إلحاق ما قلّ بما قبله، والتذييل: إلحاق ما كثر بما قبله.

كما أن هنالك مصطلحات في عناوين الفقهاء، مثل الطُرر بضم الطاء وهي (طرف كل شيء وحرفه) إذ يُطلقها فقهاء المالكية على التعليقات والتهميشات التي اعتاد الفقهاء تدوينها على هوامش الكتب من كافة جوانبه، أثناء التدريس والإقرار حيث يبدأ هذا النوع من التأليف الفقهي بالتعليقات التي قد تحتوي استدراكات، أو توضيحات أو تقييدات فقهية.

ومن ذلك كتب الماجريات أي ما جرى عليه العمل، وهي مدونات الأقضية تحرص على النص على ما جرى به العمل القضائي، نظراً للمبدأ الذي تبناه علماء المالكية، وهو يحتم الإلتزام بما جرى به العمل القضائي، كما في كتاب أبي الوليد الباجي المسمّى : (فصول الأحكام) فهو موضوع أساساً لبيان ما جرى عليه عمل الحكام)

ومن ذلك (السفينة) وهو مصطلح خاص في البلاد الحضرمية لكتاب يجمع فوائد متعددة غير مرتبة ولا مترابطة وهو منهج معروف ومألوف عند جامعي الفوائد الفقهية ويسمونها السفن، ومن أشهرها : "سفينة النجا" للعلامة سالم الحضرمي وتجمع بين أصول الدين والفقه والتصوف.

ومما لابد منه الدراية بالمصطلحات الفقهية؛ فمثلا: مصطلح النظر، فهو لفظ يشتمل على ثلاثة أنواع: فإن كانت في أصول الفقه كانت جدلاً، وإن كانت في فروع الفقه سُميّت خلافيات، وإن كان في شروط المناظرة وقواعدها لتجري على أصول سليمة سُميت آداب بحثية.

والباحث يجب أن يكون لديه عرض منهجي للبحث الفقهي الذي ينسجم مع المبادئ والأسس التي تمثل حقيقته، فلابد من تسلسل للأفكار يقود السابق اللاحق، ومناقشة للأفكار مناقشة موضوعية بعيدة عن التحيز والتشهي.

ولابد من عرض تعريف وبيان للحد المناسب، مع بيان الأدلة المناسبة حسب الترتيب المقرر في أصول الفقه، ثم بيان التحليل العلمي للأدلة، مع الاستنباط الفقهي السليم، وبيان مقاصد الشريعة، وبيان مسائل تطبيقية.

من المهم كذلك الانتباه أثناء تأمل الاختلاف إلى كونه اختلاف لفظي؛ فينبغي توضيحه ولا يقف عنده فقد قرر العلماء أن المناقشة في الألفاظ بعد فهم معناها ليست من شأن المحققين، وربما قالوا: المُحصّلين، أو الفضلاء بدل المحققين، بل شأنهم بيان محاملها الصحيحة، ولا يشتغلون بذلك إلا على سبيل التبعية، تدريباً للمتعلمين وإرشاداً للطالبين." كما بيّن عبد الله العلوي الشنقيطي في نشر البنود على مراقي السعود

ثم تحدث عن الخاتمة في كتابة البحث الفقهي التي تعنى بانتهاء الموضوع وإكماله بذكر النتائج التي توصل إليها الباحث أثناء رحلته العلمية أثناء الإخراج لأفكار والإنتاج للموضوع؛ فينبغي العناية بها فكراً وأسلوباً ومنهجاً مع التهذيب والتحرير وإعادة النظر.

كما ينبغي العناية بالفهارس التفصيلية والتي تعد دراسة تحليلية من نمط آخر، لأنها تهتم بجزئيات المسائل، والموضوعات مصنفة أقساماً وأنواعاً حسب طبيعتها وموضوعاتها، والتي تساعد على الاستفادة من البحث بأقصى حدود الإمكان، ومع أهمية ما نراه موجوداً في عصرنا من العناية بها؛ حتى صار فناً خاصاً في علم التأليف، لكن مما يُعاب على بعضها أنها أخذت صورة نمطية، ومنهجاً تقليدياً بحتاً، فالفهارس يجب أن تكون موجودة ضمن آلية البحث وموضوعه، فليس من المناسب حين تورد قبيلة أو قبيلتين في كتاب فقهي يذكر لها فهرس خاص بها؛ فهذا أنسب وألصق بكتب الأنساب والحواضر والبوادي.

أما عن فهارس الكتب الفقهية فيجب أن تشتمل على فهرس القواعد الفقهية، وفهرس المسائل الأصولية، وفهرس المسائل الخلافية، وفهرس مسائل الإجماع، وفهرس الكتب الفقهية، وفهرس الكتب الأصولية، وإذا كان البحث في موضوع فقهي معاصر؛ طبي أو اقتصادي فحسن أن يضع له فهرساً، وإذا كثرت فيه قرارات المجامع الفقهية فليضع له فهرساً.

نبّه المؤلف على ضرورة تفادي الأخطاء الإملائية مع توخي الانتباه لعلامات الترقيم الإملائية، وأن يهتم بها وبجودتها وذكر جُملة منها.

وتحدث عن عوائق البحث ومنها شعور المرء بملل أو سأم، وضيق نفس من طول مدته، فهذا يعرض لكثير من الباحثين، ومن أكثر العوائق وثوق الأمل في الزمان المستقبل والتسويف، وعدم انتهاز الفرص، وتأتيه مشغلات تلهيه عن الكتابة في وقت أمس ما يكون للكتابة فيه.

أو وثوق المرء بالذكاء وظنه أنه سيحصل كثيراً في وقت قليل، ويفوته الكثير!

· استنتاجات عامة :

هذا الكتاب يمتاز بعدّة مُميّزات:

1. يُعدّ من أشهر الكتب التي يرجع إليها عدد من الباحثين في الدراسات العليا؛ فله دور في رفع مستوى الكفاءة البحثية لدى الطلاب الأكاديميين تحديداً، وعموم طلبة العلم عموماً.

2. بيّن الباحث أنّ كتابه نتيجة وحصاد جهد عشرين عاماً من التعليم والتدريس الفقهي من المناقشات والمباحثات مع الأساتذة والعلماء والمشايخ والطلبة.

3. المؤلف ليس كغيره من المؤلفين العرب يستفيد من غيره؛ ولا يذكرهم في مقدمة كتابه؛ بل قدّم كتابه بشكر عدد من العلماء والباحثين الذين ساهموا بمطالعة كتابه وتطويره ورفع مستوى الكتاب علماً ومعرفة.

4. يذكر المؤلف بعد كل قسم من أقسام كتابه كتباً مقترحة معينة على استكمال القراءة في الموضوع الذي بحثه.

5. يتّضح من خلاله أنّ الباحث مُلمٌّ في مباحثاته التي تنمُّ عن تجربة علمية دقيقة في مجال البحث في الفقه الإسلامي؛ وذلك بكثرة إفاداته الملتقطة من بطون الكتب؛ وتنوع مصادر بحثه؛ مع إفادته الجيّدة وربطه المستحسن بمنهجيّة البحث في الفقه؛ بعلم أصول الفقه فقد ذكر عدّة قضايا عدّها منهجيّة في طريقة البحث الإسلامي؛ وكانت أصولها مستمدّة من كتب أصول الفقه.

6. يتوسّط فيه المؤلف بين دعاة التقليد والجمود على المذهب والتصلب بالتعصب؛ وطريقة من يفتحون الباب على مِصراعيه للاجتهاد؛ فهو يدعو أساساً للبحث المذهبي؛ لكنّه يذكر عَقِبَ ذلك معنى ضوابط الاجتهاد، وكيفيّة الترجيح؛ ويسند ذلك بأقوال عدد من علماء المذاهب تؤكّد فكرته.