لا يسع المختص بالعلوم الشرعية أن ينفكّ عن واقعه طالما أراد أن يتّصل بعلوم الشريعة؛ إذ أنّ الشريعة الإسلاميّة بطبعها شريعة حيويّة حركيّة؛ لا تقبل الضمور أو الانكماش؛ فضلاً عن الانزواء؛ خلافاً لما كان عند الرهبان والقساوسة والبطارقة النصارى الذين يعتزلون واقعهم في صوامعهم وكنائسهم للتعبدّ؛ الذي جاوزوا فيه حدّهم كذلك فآل إلى الخزعبلات والبدع المُحدثة والرهبانيّة التي ليس للدين صلّة فيها؛ والكهنوتيّة التي تؤدي طقوساً خُرافيّة ما أنزل الله بها من سلطان.

إنّ روح العلوم الشرعية؛ وروحُ روحها وهما القرآن والسنّة ما كانا يتنزّلا إلاّ في واقع الحياة؛ حتّى أنّ كفار قريش قالوا : ولِمَ لم يتنزّل القرآن جملة واحدة؟

فأنزل الله تعالى : { وقالوا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتّلناه ترتيلاً * ولا يأتونك بمثلٍ إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً} فكانت أفانين القرآن تتنزّل طبقاً لإصلاح الحوادث والوقائع والنوازل المستجدة في الواقع؛ فضلاً عن شرح طبائع الأشياء والحديث عن الأشخاص وإصلاح الأفكار؛ حتّى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يتساءل كفار قريش عن سر حراكه في أسواقهم، ويقوم معهم بالاجتماع على موائد الطعام والشراب : {وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً} ويؤكد على هذا مرّة أخرى فيتحدث عن حال المُرسلين سابقاً وأنّ رسول الله لا يختلف عنهم فيقول: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلاّ إنّهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق}

إنّ دور حملة الشريعة مخالطة الواقع مخالطة عميقة؛ ليستخرج منه أفضل الطُرق في معالجته لشؤون الحياة؛ وفهم الطبائع والوقائع والمواقع؛ ولا علمَ صدق بدون فهم حق؛ ومالم يكن العالم بالشرع عالماً بكلّيات العلوم البشرية والإنسية؛ التي تتمحور حولها كثير من التطبيقات والإجراءات التدبيريّة والبشريّة؛ وإلا فلن يجد العالم التربة الخصبة؛ والاستنباط الصحيح من القرآن والسنّة لإصلاح واقع الناس.

لا غرو بعدئذٍ أن نرى عدداً من علماء الإسلام ومفكريه يحثُّون طلبة الشريعة على فهم ودراسة علم الاجتماع وما يلتصق به من تفرعات نفسية أو سياسية أو اقتصادية أو تربوية، وغيرها؛ كي يكون لديهم معرفة بعلوم الدين والدنيا؛ كما أوضحه الأستاذ والشاعر الهندي المشرقي محمد إقبال؛ فيما يقول الشيخ الطاهر بن عاشور: "أنّ من أسباب ضعف الباحث الفقهي عدم عنايته بعلوم الاجتماع مع حاجة الأمة له"(1)

فالخبرة والمهارة والمعرفة بشؤون المجتمع مما يجعل المرء مقتدراً على فهمه على النحو الصحيح؛ ومن لم يكن أهلاً لذلك لم يستطع أن يؤدي رسالته؛ وقد جعل الإمام ابن تيمية بعض مسائل القتال والحرب من هذا القبيل فقال ابن تيمية: "والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا"(2).

من هنا نجد إشادة العلماء بكتاب المقدمة لابن خلدون وما فيها من خِبرات وتلمسات لحياة الناس الاجتماعية؛ ومعرفتها وفهمها، ومثله كتاب تحصيل النشأتين وتفصيل السعادتين للراغب الأصفهاني، وإغاثة الأمة بكشف الغمة للمقريزي، وغيرها من الكتب التي بحثت في الشأن التاريخي الاجتماعي؛ كما في تعليقات ابن كثير في البداية والنهاية على بعض الأحداث، والذهبي في تاريخ الإسلام وغيرهم من العلماء المتفحصين.

وقد ذكر العلاّمة محمد الخضر حسين أن : " العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة، كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة، ويطالعونه بأحوال بلدهم، وقال أحد علمائهم:

وأتعبُ إن لم يُمْنَحِ الناسُ راحةً * وغيريَ إن لم يُتْعِبِ الناسَ يَتْعَبُ

وإذا قصَّ علينا التاريخ أن فريقاً من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة، فقد قصَّ علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة، ويمثلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة، وترفع له بين الخلائق ذكراً.

كان أهل العلم يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى، فهذا أبو بكر ابن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحية من سور أشبيلية محتاجة إلى إصلاح، ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم بسدادها، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد الأضحى، فأحضروها، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة.

وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيراً ما كان يخرج إلى الثغور، ويتصرف في إصلاح ما وهي منها، حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة"(3).

إنّ إصلاح واقع الناس يبرز من معايشة المشكلة وبياناتها؛ فإذا بانَ عنها وانقطع عن النظر فيها؛ لم يسعفه الدليل في تعامله مع الناس بسعادة التأثير؛ أو على الأقل إفحاج حجّة النظير.

ولن يستطيع الفقيه ملء الفراغ بحُكْمِه حتّى يملأه بحكمته وحُسن تقديره للموقف وقراءته للواقع؛ لهذا قال أسيادنا من علماء المنطق: ( الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره) وما لم يُحسن المرء فهم الأشياء، وإدراك حقائق الأمور، وكُنه طبائعها؛ ويتصورها كما هي عليه دون أحكام مُسبقة أو مُعلّبات فكريّة دون وكس أو شطط؛ وإلاّ فستقصر همّته الفكريّة عن تمثّلها بالذهن = فالمُكوّن الصحيح في التصور أن يراها ذهنياً ثم تتمثّل أمامه في الخارج الذهني؛ ويرى انعكاساتها وارتداداتها على الواقع والوقائع.

والمُلاحظ أنّ الحكم ليس مقتصراً على الناحيّة المعنويّة أو الفكريّة؛ بل هو متعلّق بعالم الأشياء ومثلها المحسوسات؛ وهذا كلّه يعطي للمرء التوخّي في حالة الحكم؛ وإتقان النظر والفكر حالة التصور؛ لأنّ الحكم معناه على مبناه، ومنتهاه يقوم على مبتداه.

إنّ قاعدة : "الحكم على الشيء فرع عن تصوره" قاعدة صحيحة ذكرها علماء المنطق؛ وأعملها فقهاء الإسلام في دراساتهم للواقع وإعطاء الحكم المناسب للفقه؛ فباتت قاعدة فقهية / أصولية شريفة؛ لا تقلّ مطلقاً عن قاعدة : "الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً" إذ هذه القاعدة مرتبطة بعلّة يستنبطها الفقهاء من خلال دراستهم للشيء مما هو منصوص عليه أو في حكم المنصوص عليه مما يتطابق مع العلّة؛ فيما هذه القاعدة (الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره) اتصالها بالسياق الإنساني والمجتمعي والبشري أكثر من غيره؛ لأنّ صلتها ليست بجانب حُكمي فقط بل بجانب متعلق بالنظر العيني الذي يؤهّل المرء للحكم السليم؛ ولهذا فما يكون من أحكام خاطئة يكون سببها تصورات مشوّهة، أو وهميّة؛ وهذا ما يتطلّب من الفقيه الخبرة بحقائق الأشياء جيداً؛ والتأني والتثبت قبل القول الحُكمي.

وكُلّ شيء له أداته وأناته الخاصّة به؛ فالحكم على قضيّة متعّلقة بالاقتصاد؛ سيستعملُ معها الباحث كافّة الأدوات والمهارات ويستعين بالخبرات والتجارب في النظرة الشموليّة للقضيّة الاقتصاديّة التي يُريد أن يستخلص منها حُكمها الخاص بها؛ وتلك مهمّة شاقّة؛ تتطلب الصبر والرويّة في الأمور؛ حتّى يُعطي ثمرة ونتيجة حُكمة؛ تكون محمولة بأكفّ العلم ودلائل الحكم الصحيح، وتُقاس عليه كافة مباحث العلوم الإنسانية الأخرى من علوم السياسة والتخطيط والإدارة والتربية والنفس والاجتماع وغيرها.

إنّ الخِبرة بالشيء ضرورة ماسّة قبل الحكم عليه؛ وعدم الإحاطة به سيُسبب الحكم الجاهل؛ والاستعجال الموقع بالزلل، وهو نقيض الصبر؛ لهذا حين وقف موسى بن عمران مع الخضر عليه السلام؛ وطلب منه أن يُعلّمه ممّا علّمه الله؛ وكانت تعاملات الخضر مع عوالم ثلاث مختلفة:

في البحر بخرق السُّفن لئلا يستخدمها الظالمون.

وفي البر بتقصد القتل للغلام الكافر العاق.

وفي المدينة بحفظ الجدار من السقوط على أنّ أهلها لم يقوموا بالضيافة.

فحينما لم يُدرك موسى عليه الصلاة والسلام أسرار ما فعله الخضر عليه السلام؛ واعترض عليه ولم يُطق أن يتحمّل رؤية شيء يُتعامل معه بخلاف ظاهره؛ بيّن له أسباب تعاملاته؛ وهي المقتضية للخبرة التي تحدث عنها سابقاً؛ وطلبها ممّن يُريد أن يتعلّم أن يحسن التعامل معها بالصبر؛ لتكوّن الخبرة.

وفي سورة الكهف إشارة أخرى لذلك مع قصّة ذي القرنين؛ فعلى الرُّغم من اهتمامه بالأسباب؛ وإتباعه السبب، وطلبه الإعانة من قومه؛ واهتمامه بالقوّة ليحسن العمل؛ وطلبه أقوى العوامل المعينة على حفظ الحدود وسد السدود من الحديد؛ واستخدام النار لإلحامه؛ هذا كلّه ومع مكانة خبرته؛ إلاّ أنّها تحت خبرة الله فقد قال تعالى: {كذلك وقد أحطنا بما لديه خُبراً}.

هذا كلّه يعطي الباحث في علوم الشريعة ضرورة دقّة التصورات على وجهها؛ والصبر على تعاطيها؛ والإفادة من أهل الخبرة والتجربة؛ وهو ما يؤدي إلى زرع الأمل والأمن في الواقع؛ وقلة الهوى والبغي.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:" فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصورا تاما ظهر لهم الصواب وقلت الأهواء والعصبيات، وعرفوا موارد النزاع " (4).

أمّا إذا كثُرت التصورات الخاطئة؛ أدّى هذا للتضييق على الناس في أمور معيشتهم؛ والتشدد الذي يجعل الحكم المباح في أصله حراماً لسوء التصور؛ أو التميُّع والتساهل في قلب الحكم من كونه حراماً إلى مباح؛ لهذا أكّد علماء الإسلام على ضرورة التصور في الفتوى؛ وخاصّة أنّ الفتيا ليست مجرّد سؤال من كتاب فقهي؛ أو إجابة على متن فقهي كتبه صاحبه فحسب؛ بل له دور في المخالطة والمعايشة لنفسيات الناس واجتماعياتهم وبيئتهم؛ مما يستعين به الفقيه مع علمه الأصل بالأحكام التكليفيّة إلى استصحاب الأحكام الوضعية أو ما يُسمّى عوارض الأهليّة؛ هذا فضلاً عن التصور الواقعي للحالة المعينة التي حصلت فيها المسألة؛ فمن أساء التصور أساء الفهم ومن أساء الفهم أساء الحكم؛ لهذا قال الشيخ الحجوي الثعالبي: "أكثرُ أغلاط الفتاوى من التصور" (5).

لقد كان علماء الأصول يُركّزون على قضايا في ضرورة فهم طالب الشريعة لها؛ قبل الحكم عليها وذلك بخُماسيّة نظريّة؛ ذكرها الإمام أبو حامد الغزالي - رحمه الله - فقال:" فعلى كل ناظر في المسائل وظائف خمس:

أولها: (وضع صورة المسألة وفهمها.

والثانية: طلب الاحتمالات فيها واستقصاؤها.

والثالثة: حصر ما ينقدح من جملة تلك الاحتمالات، وتقليلها ما أمكن.

والرابعة: طلب أدلة الاحتمالات.

والخامسة: طلب الترجيح في تلك الأدلة "(5).

وإنّ المتتبع لهذه الكلمات التي ذكرها الإمام الغزالي وهي: صورة المسألة؛ فهمها، طلب الاحتمالات، استقصاء الاحتمالات، الأدلة، الترجيج؛ فهي كلمات ستبعث في نفس الفقيه أنّ التكييف الفقهي للمسألة لابدّ أن يمرّ بمراحل مختلفة ترتيبيّة؛ وأنّ الحكم ليس اعتباطاً أو أنّه حالة ارتجاليّة، أو تؤخذ فيه الأمور بشيء من الأصول العامة، ويجري الحكم فيها بطريقة طوباويّة لا تُحكم الأمر وتستقرئ حدوده وتستقصي احتمالاته وتلغي ضعيفها.

ولقد قعّد العلماء في كتبهم؛ وخاصّة علماء الفقه وأصوله أنّ معرفة الأحكام الفقهيّة متفرّع عن معرفة صُورة المسألة وأشكالها والتفريق بين دقائقها؛ فالفقيه يُمكن اعتباره قائلاً بحكم الشرع بعد استتمام تصوُّره للمسألة الواقعية، كما وأنّ المتخصّص فقهياً عليه أن يستفرغ الفقيه وسعه لدرك حقيقة المناط ومعرفته ومن ثمّ تحقيقه وإسقاط حكمه في أرض الواقع؛ وكثيراً ما يحصل الخلل والعجل في فهم بعض المسائل ولم يستوفِ الناظر فقيهاً فصل حُكمها؛ وحين تكلّم الإمام ابن تيمية عن جواز بيع المغيّبات في الأرض، وأنّ الغرر فيه مغتفر، وردّ على من منعه من الفقهاء للغرر؛ قال: قد يكون أهل الخبرة به أعلم من الفقهاء الذين لم يُباشروا ذلك.

جاء مجموع الفتاوى لابن تيمية قوله: "وكون المبيع معلوما أو غير معلوم لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم ; بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء ; وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها . وقد قال الله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } والإيمان بالشيء مشروط بقيام دليل يدل عليه ، فعلم أن الأمور الغائبة عن المشاهدة قد تعلم بما يدل عليها فإذا قال أهل الخبرة : إنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم في ذلك دون من لم يشاركهم في ذلك وإن كان أعلم بالدين منهم . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تأبير النخل: {أنتم أعلم بدنياكم . فما كان من أمر دينكم فإلي } . ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة"(7).

وقال العلاّمة ابن القيم : " وإن قيل : " كلما أردت بيع شيء منه فاقلعه " كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم ، وإن قيل : " اتركه في الأرض حتى يفسد ، ولا تبعه فيها " فهذا لا تأتي به شريعة ، وبالجملة فالمفتون بهذا القول لو بلوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقف عليهم ، ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض ، ولا بد، أو إتلافه وعدم الانتفاع به ، وقول القائل : " إن هذا غرر ومجهول " فهذا ليس حظ الفقيه، ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك ،فإن عدوه قمارا أو غررا فهم أعلم بذلك ، وإنما حظ الفقيه يحل كذا; لأن الله أباحه ويحرم كذا ; لأن الله حرمه ، وقال الله وقال رسوله ، وقال الصحابة .

وأما أن يرى هذا خطرا وقمارا أو غررا فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا منه ، والمرجع إليهم فيه ، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبا أم لا ، وكون هذا البيع مربحا أم لا ، وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية ، والأمور العرفية ، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية"(8).

فالاختلاط بأعيان التجارات وأشكالها وألوانها؛ يُعطي لدى الباحث الفقيه معرفة منضبطة بما يُمارسه السوق المالي من بياعات وتجارات.

وفي المُقابل فإنّ كثيراً من التُّجار يقومون بالعل التجاري البحت؛ وينهمكون في السوق المالية؛ ومتابعة الأرباح والحذر من الخسائر، والتعرض لكل صفقة يجنون من خلفها مالاً؛ فيندر منهم من يتفقه في أصول دينه ويعرف الحلال والحرام في أساليبه التجارية؛ أو يُحاول معرفة الفروقات بين العقود الفاسدة والصحيحة، ولا يُقايس الشيء بعقله؛ حيث يفتقد المقياس الشرعي والمعيار الاقتصادي الإسلامي الذي يضبط تجارات الناس؛ فقد لا ينتبه لذلك التاجر الذي " يمضي عمره في جمع المال كيف اتفق، ففكره مصروف إلى ذلك عن النظر إلى صحّة العقود"(9) كما يقول الإمام ابن مفلح المقدسي الحنبلي.

هذا يعني أنّ الطرف المتخصص في العلوم الشرعي؛ والطرف الآخر المتخصص في القضايا المالية والاقتصادية يحتاج بعضهما لبعض في فهم مكّملات ما تُحكمه الشريعة؛ لتتكون المدارك الصحيحة؛ ويحسن القيام بها في أرض الواقع.

تلك لمحة موجزة عن ضرورة التأني والتثبت والتدقيق في معرفة صورة الشيء قبل الحكم عليه ؛ فكيف إذا كان ذلك في قضايا الشرعة الإسلامية؟!

· الهوامش:

1. أليس الصبح بقريب، للطاهر بن عاشور، ص26

2. الفتاوى الكبرى لا بن تيمية : ( 5/537).

3. بتصرف واختصار عن مقال بعنوان: العلماء والإصلاح، العلماء والإصلاح، للشيخ محمد الخضر حسين، نُشر عام 1349هـ الموافق 1930م ضمن (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين) (5/116)

4. مجموع فتاوى ابن تيمية : (12 / 103).

5. الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي الثعالبي : ( 2/571).

6. حقيقة القولين في توجيه تخريج الإمام الشافعي لبعض المسائل على قولين للغزالي، (ص: 64 – 65)

7. مجموع فتاوى ابن تيمية : (29 / 439).

8. إعلام الموقعين لابن القيم : ( 5 / 4)

9. الآداب الشرعية؛ ابن مفلح : (2 / 224).