مراجعة كتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي»

للدكتور مُصطفى حسني السباعي رحمه الله تعالى [1]

1- غاية الكتاب وظروف تأليفه:

الكتاب الذي بين أيدينا أصلُه رسالةٌ علميَّةٌ تقدّم بها المؤلف لنيل درجة الدكتوراة في الفقه والأصول وتاريخ التشريع الإسلامي من كلية الشريعة في الجامع الأزهر عام 1369هـ= 1950م.

كانت الساحة الثقافية والأدبية في مصر في ذلك الوقت قد اعتراها من الفساد ما اعتراها، إذ بدأ رواج التأثر بالمناهج الاستشراقية في دراسة التراث في كليات الآداب، وعلى رأس مروجي تلك المناهج: طه حسين، كما أن شبهات المستشرقين كانت قد تسللت إلى الأزهر، بواسطة بعض الأزهريين الذين ابتُعثوا إلى دول أوروبا وحصلوا منها على الشهادات العالية، ورجعوا إلى الأزهر مدرّسين ليبثوا تلك الشبهات في طلابهم.

وقد كان تحصيل المؤلف الشرعي واتصاله بالتراث، ونشأتُه في أسرةٍ علميّة في حمص قبل أن يقدم إلى مصر، مُؤهِّلَةً له للتصدِّي لتلك الشبهات، والتصنيف في ردِّها.

يحكي المؤلف في مقدّمة كتابه قصة تأليفه، وخلاصتها أنه لما كان طالبًا في الأزهر سنة 1939م، قام أحد الأساتذة وهو علي حسن عبد القادر بتقديم محاضرات في تاريخ السنة اعتمد فيها على ترجمةٍ لكتاب دراسات إسلامية للمستشرق اليهودي المجري جولد تسهير، وكان يعدّ أقواله حقائق علمية، وفي إحدى المحاضرات نقل الأستاذ عن المستشرق اتهاماته للإمام الزهري بالوضع في الحديث، فحمل ذلك المؤلفَ على مناقشة أستاذه، ولمَّا رأى عدمَ استجابته قام بكتابة بحثٍ مُدعَّمٍ بالأدلة العلمية، وكان ذلك البحث نواةً للرسالة العلمية التي حصل بها المؤلف على درجة الدكتوراة سنة 1950م. (ص19-21).

ولم يقوَ باعثُ الشيخ مصطفى السباعي على نشر تلك الرسالة إلا لما ظهر كتاب محمود أبو رية الذي قدّم له طه حسين (أضواء على السنة المحمدية)، وهو الكتاب الشهير في الطعن في حجية السنة النبوية، وفي صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، سيما أبي هريرة رضي الله عنه، فأضاف الدكتور السباعي على وجه السُّرعة إلى أصل الكتاب مناقشاتٍ لأبي رية، ودفعه للطبع بعد إلحاح من أصدقائه، في ظروف من المرض ألمّت به، فطُبِع الكتاب لأول مرة عام 1381هـ = 1961م، في مطبعة المدني بمصر، ثم صدرت طبعتُه الثانية بعد وفاة المؤلف بتقديم الدكتور محمد أديب صالح عن المكتب الإسلامي بدمشق سنة 1975م.

ومما يذكر هنا أن كتاب أبي ريّة المذكور تصدّى للرد عليه قبل صدور كتاب المؤلف بعض الأعلام في ذلك الوقت: كالشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، رحمهما الله تعالى، وقد نوّه المؤلف بكتابيهما في مقدمته، وشكرهما على صنيعهما. (ص44).

فغاية الكتاب إذًا تلبية حاجة ملحة، وهي الانتصار للإسلام، وذلك بالانتصار للسنة النبوية المطهرة وأئمتها، وإبراز مكانتها في التشريع الإسلامي، في ظل رواج شبهاتٍ حولها في مصر في النصف الأول من القرن الماضي، ذلك الرواج الذي كان في معظمه أثرًا عن تلك الصدمة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولذا صح أن يُقال: إن الاستجابة لها بالنقض تعد تجليًّا من تجليات المقاومة لآثار الاستعمار الغربي.

2- موضوع الكتاب:

في سبيل تحقيق تلك الغاية، جعل المؤلفُ موضوعَ الكتاب نقض شبهاتٍ حول السنة النبوية وأئمتها، ولمّا رأى أن ذلك لا يتمّ إلا بتثبيت حجية السنة وإبراز جهود أئمتها في الذب عنها؛ ضمّن كتابَه مادتين:

الأولى: مادة تأصيليَّة: شكلت الباب الأول والثالث من الكتاب، دلل فيها على حجية السنة النبوية، وبحثَ علاقتَها بالقرآن الكريم، وأبرزَ جُهودَ أئمة السنة في مقاومة ما أسماه (حركة الوضع)؛ أي ما قام به بعض المبتدعة وغيرهم في قرون مبكرة في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بدوافع متعددة.

ومجال حجية السنة الذي قصد المؤلف في هذا الكتاب تثبيتَه: إنما هو المجال التشريعي، أي في باب الفقه والعمل، كما دلّ على ذلك عنوان الكتاب بوضوح، أما إثبات حجيتها في مجال الاعتقاد وأبواب القدر والصفات، ومناقشة المخالفين في ذلك من المتكلّمِين، فلم تكن من موضوع هذه الرسالة.

والثانية: مادّة نقدية: شكَّلتِ البابَ الثاني، تتضمَّنُ مناقشةً لشبهاتٍ حول السنة النبوية، وأصحاب هذه الشبهات الذين ناقشهم المؤلف أربعة:

المستشرق اليهودي جولد تسهير في كتابه (دراسات إسلامية).

والكاتب المصري أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام)، والذي كان شديد التأثر بالمستشرقين.

ومحمود أبي رية في كتابه (أضواء على السنة المحمدية).

كما ناقش المؤلف مضمون مقالين للطبيب محمد توفيق صدقي كان قد نشرهما له محمد رشيد رضا في (مجلة المنار) بعنوان (الإسلام هو القرآن وحده) في أول القرن العشرين الميلادي.

وثمة مادة نقدية هامشية في خاتمة الكتاب، وهي النقدُ للنقد الذي وُجِّه من قِبَل بعض أهل الحديث للإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، وجرى بسببه سجالٍ قديم، وقد أعيد إحياء هذا السجال في العصر الحاضر. وعلى أية حال؛ لا يخفى أن النقد لأبي حنيفة يعدُّ مصدره مصدرًا تراثيًّا صرفًا، لا مصدرًا استشراقيًّا.

3- طريقة المؤلف في الكتاب وموارده:

سلك المؤلف في تقسيم الكتابِ ما يُسلك في تقسيم الرسائل العلمية، وذلك تقسيم الكتاب إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، والفصول إلى مباحث.

وقد ظهر في الكتاب قدرة جيدة لدى المؤلف في تنظيم الأفكار وترتيبها، سواء على مستوى هيكل الكتاب وخطته، أو على مستوى الترتيب والتنظيم للأفكار لدى مناقشة شبهات الخصوم، كما ظهرت قدرته في تحليل النصوص التراثية وبيان مقاصد أصحابها سيما لدى مناقشته لشبهات المستشرقين.

ويتحرَّى المؤلف في عزو الأقوال، فيستغرب نقل بعض الأصوليين عن الظاهرية عدم الاحتجاج بأخبار الآحاد (ص168)، ويبينُ عدم صحة نسبة القول بالكذب في الحديث للخوارج (ص81-82)، إلا أن هذا التحرّي إنما هو بحسب ما تصل إليه يديه من مصادر، ولذلك نجده في تحريره لقول المعتزلة في السنة لا يرجع إلى كتبهم وإنما لكتب الأشعرية وكتاب (تأويل مختلف الحديث) لابن قتيبة. (ص134-142). ونجده عندما يتبين له غلطه في عزو قولٍ لأحد يتراجع عن ذلك، كما نفى نسبة القول بإنكار الزيارة للقبور لابن تيمية بعد أن كان قد عزاه له في الطبعة الأولى(ص219).

وكما أن المؤلف في مناقشاته للمستشرقين يبذلُ الجهد في تحليل النقول التراثية التي يغلطون في فهمها أو يحرفونها، فإنه يبذل الجهد في معرفة المصادر التراثية لما يذكرونه، ومن ذلك أنه في مناقشته لدعوى حبس عمر رضي الله عنه لبعض الصحابة لقيامهم بالتحديث والرواية، يقول: (لقد لبثت كثيرًا أشك في هذه الرواية وأقلبها على جميع وجوه النظر، حتى قرأت في كتاب الإحكام لابن حزم..). (ص65).

ويعتمد المؤلف على كتب مصطلح الحديث التقليدية اعتمادًا قريبًا من الكلِّي في بعض مباحث الباب الأول، لدى بحثه في منهج المحدثين في معرفة من تُقبَل روايته ومن تُردُّ، ولدى بحثه في الوضع وسماته ودوافعه.

ويعتني بنقل كلام الإمام الشافعي حيث يناسبُ ذكره، ويورد النقول الطويلة من كتبه، فقد أورد نقلًا طويلًا من (جماع العلم) في مناقشة من ينكر أخبار الآحاد، ونقلًا طويلًا من (الرسالة) في تثبيت حجية أخبار الآحاد.

كما يعد كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر من مراجع الكتاب التي تكرر النقل عنها في مواضع متعددة.

ويثبت المؤلف خلاصات أحيانًا لبعض الفصول في نهايتها، كما يثبت خلاصات حول الظاهرة التي يرصدها، كالخلاصة التي ذكرها في سمات المستشرقين (ص188-189) قبل خوضه في تفاصيل الردود عليهم، وكتلخيصه لرأيه في كتاب أبي رية (ص362-373).

وقد أحال المؤلف في دفاعه عن أبي حنيفة (ص412) على كتاب كان قد ظهر في مصر لمحمد زاهد الكوثري (تأنيب الخطيب) وذلك في نقد الروايات التي أوردها الخطيب البغدادي في الطعن في أبي حنيفة.

وقد أثبتَ المؤلفُ في آخر الكتاب قائمة في أهم المصادر في أربع صفحات، على الرغم من شح الإمكانيات التي أتيحت له لدى تأليف الكتاب، فقد تحدّث الدكتور محمد أديب صالح رحمه الله تعالى في مقدمته للطبعة الثانية من الكتاب عن الظروف الصعبة التي كانت تحول بين المؤلف وبين المراجع لدى تأليفه الكتاب (ص و).

4- عرض إجمالي لفصول الكتاب:

الباب الأول بعنوان (السنة في التشريع الإسلامي) احتوى أربعة فصول، الفصل الأول: معنى السُنّة وتعريفها، والفصل الثاني: في الوضع في الحديث، والفصل الثالث: في جهود العلماء لمقاومة حركة الوضع، والفصل الرابع: في ثمار هذه الجهود.

في الفصل الأول بين المؤلف المعاني التي يُستعملُ لها لفظُ السنة، فبين معناها عند الأصوليين، والمحدثين، والفقهاء، وبين أن المعنى المستعمل لدى الأصوليين، وهو ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، هو المعنى الذي أراده في كتابه هذا. (ص47-49).

ثم ذكر الأدلة الدالة من القرآن الكريم على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وذكر الشواهد الدالة من حال الصحابة رضي الله عنهم على طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه والرجوع إليه والاقتداء به. (ص49-54).

ثم ذكر أن الأدلة التي دلت على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته تدل أيضًا على وجوب طاعته بعد وفاته، وذكر نصوص النبي صلى الله عليه وسلم الحاثة على التزام سنته بعد وفاته. (ص54-56).

ثم تحدّث عن الكيفيات التي كان الصحابة من خلالها يتلقون السنة النبوية، فذكر منها: ملازمتهم لمجالسه، وسؤالهم إياه عمّا يقع لهم من أمور، وسؤالهم زوجاته، وذكر تفاوتَ الصحابة في إحاطتهم بأحواله نظرًا لاختلافِ أحوالهم هم. (ص56-57).

ثم تحدّث عن الأسباب التي من أجلها لم تُدوّن السنة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر توجيهات العلماء لاختلاف الروايات الواردة في النهي عن الكتابة والإذن بها. (ص61).

ثم تحدّث عن تفاوت الصحابة في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين مكثرين ومقلين، وأن الاحتياط وخوف الخطأ هو الذي حمل المُقلِّين على الإقلال، وذكر أن التحديث قلَّ في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بالنسبة للأزمنة اللاحقة، وعلل ذلك بأن خطتهما كانت حمل المسلمين على العناية بالقرآن أولًا، وعلى التثبُّت. (ص61-64). إلا أنهما لم يكونا يعاقبان من يحدّث، وبيّن أن الرواية التي وردت في حبس عمر لبعض الصحابة لتحديثهم، والتي يعتمد عليها المستشرقون وأذنابهم، رواية موضوعة. ونقل كلام ابن حزم فيها (ص64-66).

ثم ناقش قولًا نسبَهُ لبعض المناهج الأزهرية في وقته زعموا فيه أن شرط أبي بكر وعمر للعمل بالحديث أن يرويه اثنان فأكثر، وحاصل مناقشته أن (الثابت الصحيح من عمل أبي بكر وعمر وعلي عملهم بخبر الراوي الواحد فقط، وأنه في الحالات التي اقتضت طلب راو آخر أو استحلافه لا يستلزم ذلك أن يكون مذهبًا عامًّا وخطة مقررة، وبهذا التوجيه والتحقيق يلتقي عمل هؤلاء الصحابة الثلاثة الكبار مع عمل الصحابة الآخرين من حيث اكتفاؤهم براو واحد). (ص72).

الفصل الثاني في الوضع في الحديث، ذكر فيه أوَّلًا عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم لم يكونوا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الكذب في عهدهم لم يكن موجودًا، واستدلّ لذلك بأنه ثبت عنهم أنهم أنكروا منكرات في عصرهم، لم يكن بينها الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ص76-78).

ثم أورد مبحثًا في البواعث على الوضع فذكر منها: الخلافات السياسية، والزندقة، والعصبية للجنس والقبيلة، والقصص والوعظ، والخلافات الفقهية والكلامية، والجهل بالدين مع الرغبة بالخير، والتقرّب للملوك والأمراء بما يوافق أهواءهم، وذكر أمثلة لكل باعث (ص79-88). وهذا المبحث مبحث تقليدي من مباحث علم المصطلح، وقد اعتمد فيه المؤلف على ما أورده المصنِّفون في المصطلح في كتبهم، حتى في الأمثلة التي ذكرها، وزاد بعض القضايا مثل مناقشته للقول بأن الخوراج يكذبون.

والفصل الثالث في جهود العلماء لمقاومة حركة الوضع، وذكر من تلك الجهود:

1) الرواية بالإسناد، وأورد فيه أثر ابن سيرين، وأثر ابن عباس المشهورَين في أن الرواية بالإسناد احتيج لها لما وقعت الفتنة.

2) والرجوع إلى الصحابة والتابعين وأئمة هذا الفن.

3) ثم ذكر جهود المحدّثين في نقد الرواة، ونقل من كتب المصطلح مباحث تقليدية، كالمباحث المذكورة في فصل معرفة من تُقبَل روايته ومن تُردّ، فذكر أصناف من لا تقبل روايته، وذكر أقسام الحديث، وعرّف بكل قسم، ثم ذكر بعض أقسام الضعيف. (ص90-96).

ثم تحدّث عن علامات الوضع، وهو أيضًا مبحث تقليدي من مباحث مصطلح الحديث، إلا أن المؤلف قسم تلك العلامات إلى علامات في السند وذكر منها أربعًا وعلامات في المتن وذكر منها سبعًا، وجعل ذلك حجةً على المستشرقين تنقض دعواهم عدمَ اهتمام الصحابة بنقد المتون. (ص97-102).

والفصل الرابع ذكر فيه ثمار جهود العلماء في مقاومة حركة الوضع فذكر من تلك الثمار: تدوين السنة، وذكر تأريخًا يسيرًا لذلك التدوين، وظهور علم مصطلح الحديث، وظهور علم الجرح والتعديل، وذكر ظهور علوم الحديث، ونقل عن كتاب أبي عبد الله الحاكم (معرفة علوم الحديث) أنواعَ تلك العلوم، وذكر ظهور الكتب في الوضع والوضاعين، وعرّف ببعضها. (ص103-123).

والباب الثاني في الشبه الواردة على السنة في مختلف العصور.

في الفصل الأول تحدّث عن موقف الشيعة والخوراج من السنة النبوية، وخلص فيه إلى (أن السنة الصحيحة لقيت من عنت الشيعة والخوارج عناءً كبيرًا، وكان لآرائهم الجامحة في الصحابة أثرٌ كبيرٌ في اختلاف الآراء والأحكام في الفقه الإسلامي، وفيما أثير حول السنة من شُبَه، ستطَّلِعُ عليها عند الكلام عن شُبَه المستشرقين وأشياعهم). (ص133).

والفصل الثاني عنون له بموقف المعتزلة والمتكلمين من السنّة، وأورد فيه نقولًا عن بعض علماء الأشعرية وعن ابن حزم في موقف المعتزلة من السنة، أطول تلك النقول نقل أخذه من كتاب (الفرق بين الفرق) للبغدادي، كما أورد نقولًا عن ابن قتيبة من كتاب (تأويل مختلف الحديث) في بيان موقف المعتزلة. وخلص في هذا الفصل إلى أن المعتزلة فتحوا ثغرات في مكانة الصحابة ولج منها متعصبو المستشرقين، فرموا الصحابة بالكذب والتلاعب استنادًا لافتراء النظّام وأمثاله (ص142).

في الفصل الثالث من هذا الباب وتحت عنوان (السنة مع منكري حجيّتها قديمًا) يورِد المؤلف نقلًا طويلًا استغرق خمس صفحات من الكتاب (ص143-148)، نقلَه المؤلف من كتاب (جماع العلم) للإمام الشافعي، يتضمّن حكاية مناظرة بين الشافعي وبين من ينكر حجية أخبار الآحاد، ثمّ يعلق المؤلف على مناظرة الشافعي ببعض التعليقات، ويلخص مضمون حجّة الشافعي على خصمه.

أما الفصل الرابع وتحت عنوان (السنة مع مُنكري حجيتها حديثًا) يلخّص الدكتور مصطفى السباعي الشبهات الأربعة الواهية التي اعتمد عليها الطبيب محمد توفيق صدقي في مقالتيه (الإسلام هو القرآن وحده) اللتين نشرهما له محمد رشيد رضا في مجلة المنار، وتضمّنتا الطعن في حجيّة السنة النبوية، ثم يشرع في نقض تلك الشبهات (ص155-166).

والفصل الخامس بعنوان (السنة مع من ينكر حجيّة خبر الآحاد) يذكر فيه المؤلف أولًا انقسام الخبر إلى متواتر وآحاد، ويبين مفهوم كل منهما، ثم ينتقل لبيان اتفاق العلماء على حجية أخبار الآحاد، وإن اختلفوا في إفادتها القطع أو الظن، وينقل من كتب الأصول عزو القول بإنكار حجية خبر الآحاد للرافضة والظاهرية، ويستغرب القول بنسبة هذا القول للظاهرية. (ص166-167).

وبعد ذلك ينقل المؤلف من كتب الأصول أربعَ شبهات لمنكري حجية أخبار الآحاد، وجوابهم عنها. (ص168-171).

ثم ينقل المؤلف نقلًا طويلًا في خمس عشرة صفحة من كتاب الرسالة للإمام الشافعي (ص175-186) يُفصِّل فيه في ذكر الأدلة على حُجيَّة خبرِ الآحاد.

أما الفصل السادس والسابع فهما نواة هذا الكتاب، التي انبثقت أفكار الكتاب ومباحثه عنها، وهي مناقشة شبهات المستشرقين ومن تأثر بهم من بعض الباحثين العرب حول السنة النبوية المطهرة.

يعرف المؤلف أولًا بنشأة الاستشراق، وأنه جاء نتيجة لرغبة الغرب في المواجهة الفكرية للأمة للانتصار عليها بعد الإخفاقات العسكرية، ويعرف بأغراض المستشرقين ودوافعهم تعريفًا مختصرًا. ويقول: (ولئن كان فريق من العلماء المنصفين قد غزا هذا الوسط (التبشيري المتعصب) فعني بالدراسات العربية والإسلامية في جوٍّ يتسم أكثره بالإنصاف، إلا أنه لا يزال - حتى اليوم - أكثر الذين يشتغلون منهم بهذه الدراسات من رجال الدين الذين يعنون بتحريف الإسلام وتشويه جماله، أو من رجال الاستعمار الذين يعنون ببلبلة بلاد الإسلام في ثقافتها، وتشويه حضارتها في أذهان المسلمين). (ص188). ويلخص سمات بحوث المستشرقين في ثمان سمات، بعضها يتعلق بمقاصدهم، وبعضها بتصوراتهم، وبعضها بمنهجيتهم في التعامل مع النصوص والمصادر. (ص188-189).

ثم ينتقل الدكتور السباعي لعرض شبهات المستشرق اليهودي المجري جولد تسهير، وينقلها بواسطة كتاب (نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي) لأستاذه في الأزهر الدكتور علي حسن عبد القادر، وبواسطة مسودة نقلها المؤلف عن أستاذه المذكور في الدرس. مع تنويه الدكتور السباعي بأنه إنما يناقش الخطوط العامة لمباحث جولد تسهير، أما تفاصيل بحوث هذا المستشرق فيحتاج عرضها ومناقشتها لبحث أوسع من هذا الكتاب. (ص190).

والأفكار الرئيسية التي ناقش فيها المؤلف بحوث جولد تسهير ثلاث عشرة فكرة، وقد استطرد في مناقشة شبهاته حول الإمام الزهري. وبالجملة؛ استغرقت مناقشة المؤلف لشبهات جولد تسهير أربعين صفحة (ص195-235). يُنهي المؤلِّفُ مناقشته بقوله: (الحق أنَّ هذا المستشرق من أقلِّ الناس حياءً في مجال العلم، فهو كما رأيت يخترع الأكذوبة ويتخيَّلُها، ويرُكِّب لها في نفسه هيكلًا، ثم يلتقط من هنا وهناك ما يوهم أنه يؤيده فيما ادعى ولا يبالي أن يكذب في النصوص أو يغالط في الفهم، أو يستدل بما ليس بدليل ويعرض عما يكون دليلا قاطعًا، ولكن ضد فكرته، وليس أدل على تحيزه وبعده عن الإنصاف، وتعصبه لآرائه من أن يرفض نصوصا قاطعة أجمع على صحتها أهل العلم، بنصوص ملفقة من كتاب كـ "الحيوان " للدميري، أو كتاب " ألف ليلة وليلة " أو " العقد الفريد "، أو " الأغاني " أو غيرها من كتب الأدب التي تجمع ما هب ودب، وما صح وما لم يصح، فهذا شأن قوم يزعمون التجرد للعلم؟). (ص235).

وفي الفصل السابع يناقش المؤلف شبهات الكاتب المصري أحمد أمين حول السنة النبوية التي بثها في كتابه (فجر الإسلام)، والذي يعدّه متأثرًا بشبهات المستشرقين. ويقدّم المؤلف دليلًا صريحًا على تبعيته وانبهاره بأفكار المستشرقين حول السنة النبوية، بل وحثّه على استعمال الأساليب الأمثل في نظره في تسريبها إلى العقول الأزهرية، فيقول: (ولما ثار النقاش في الأزهر حول الإمام الزهري عام 1360 هـ قال الأستاذ أحمد أمين للدكتور علي حسن عبد القادر وهو الذي أثيرت الضجة حوله: (إن الأزهر لا يقبل الأراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبًا من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم بصراحة، ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك، وألبسها ثوبا رقيقا لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في " فجر الإسلام " و" ضحاه ").

هذا ما سمعته من الدكتور علي حسن يؤمئذ نقلا عن الأستاذ أحمد أمين). (ص238).

كما يورد المؤلف دليلا آخر على نشاط أحمد أمين في محاربة السنة النبوية، وهي مقالة كتبها في مجلة الرسالة في الدفاع عن أحد الملاحدة الذين كتبوا في إنكار حجية السنة النبوية، واسمه إسماعيل أدهم (ص237-238).

وقد جعل المؤلف هذا الفصل في قسمين:

قسم ناقش فيه مجموعة من الشبهات لأحمد أمين تتعلق بمنهج النقد لدى المحدّثين، كدعواه أن المحدثين لم يعتنوا بنقد المتن، وطعنه في بعض الشخصيات الحديثية مثل ابن المبارك، وطعنه في بعض الأحاديث الثابتة.

وقسم لمناقشة الشبهات التي ذكرها أحمد أمين حول الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه، وقد ألحق بهذا القسم شبهات لمحمود أبي رية في كتابه (أضواء حول السنة المحمدية). وقد استغرق هذا القسم ثمانين صفحة من الكتاب. (ص291-373)، وبه أنهى المؤلف الباب الثاني من الكتاب.

أما الباب الثالث من الكتاب فهو باب قصير حول علاقة القرآن بالسنة، احتوى على ثلاثة فصول: الأول في مرتبة السنة مع الكتاب: قرر فيه أن مرتبة السنة بعد مرتبة الكتاب، واستدل لذلك، وأجاب عن المعارضات، وبحث مسألة استقلال السنة بالتشريع لتفرعها عن هذا المبحث، مقررًا أن الخلاف بين العلماء في هذه المسألة خلاف لفظي. (ص376-385).

والفصل الثاني: بين فيه وجه اشتمال القرآن على السنة، وبين أن لتقرير ذلك خمسة مسالك عند العلماء. (ص386-393).

والفصل الثالث: بحث فيه مسألة نسخ السنة بالقرآن والقرآن بالسنة، وذكر خلاف الأصوليين والفقهاء في ذلك (ص394-398).

وبهذا ختم المؤلف أبواب الكتاب.

أما الخاتمة فقد جعلها المؤلف للتعريف بالأئمة الأربعة الفقهاء، وبالأئمة الستة أصحاب المصنفات الحديثية.

وقد اعتنى المؤلف في هذا الفصل بشكل ملحوظ بمناقشة الشبهات الواردة على أبي حنيفة، كالقول بقلة بضاعته في الحديث، وتقديمه الرأي على الحديث، ولذا استغرق التعريف به صفحات أطول بكثير بالنسبة لبقية الأئمة. (ص401-429).

كما ناقش في تعريفه بالإمام مالك شبهةً ذكرها علي حسن عبد القادر، وهي دعواه أن الموطّأ كتاب فقه وليس كتاب حديث.

وفي آخر الكتاب ملحقان: هما مقالان للمؤلف، الأول: في الحث على رد الشبهات عن السنة، بعنوان (متى نسد هذه الثغرة).

والثاني: في التعليق على ردّة فعل محمود أبو رية على الطبعة التي صدرت من هذا الكتاب سنة 1961م. وهي بعنوان (لا يا عدو الله، سنطاردك بالحق حتى يرغم الله أنفك). كشف فيها البواعث النفسية لأبي رية لمهاجمة السنة مثل حب الشهرة والظهور نتيجة لإخفاقه في الدراسة في الأزهر، وذكره قبح أساليبه في الرد مثل وصفه للسباعي بالشامي، وشتمه للشاميين، وذكرَ أيضًا ترويج الرافضة في لبنان لكتابه.

5- تأثير الكتاب:

حظي كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور مصطفى السباعي باهتمامِ كثير من الباحثين وثنائهم، وقد يكون المقدّم لديهم في بابه على الإطلاق. وفي ذلك يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: (وكتاب صديقنا المجاهد الداعية مصطفى السباعي (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) هو أفضل ما كتب في الموضوع وأجمعه)[2].

ويقول الدكتور محمد أديب صالح في تقريظه للكتاب: (إن كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) بما يشتمل عليه من حقائق علمية تضع السنة موضعها من شريعة الإسلام، وما يقع عليه القارئ من نفس طويل في تحليل المواقف من السنة في القديم وفي العصر الحاضر، وما يلمسه من تلك الجولات الموفقة مع أهل الانحراف من مستشرقين وغيرهم من دعاة التغريب= إن ذلك كله يجعل الكتاب جديرًا - إن شاء الله - بأن يؤدي الغرض من خدمة الرسالة التي كان يحملها المؤلف رحمه الله، وأن يحظى بالكثير من اهتمام الباحثين في وقت نجد فيه ليالي الإسلام مثقلات بألوان من مؤامرات الدس في أصولنا ومصادرنا وخصوصا السنة المطهرة، مما تشم منه رائحة التضليل في بناء الجيل لإبعاده عن مقومات الوجود الحقيقي لأمته في كتاب ربها وسنة نبيها عليه الصلاة والسلام). (ص ز).

ويمكننا أن نرصد مستويات متعدِّدَة لتفاعل الباحثين مع هذا الكتاب:

أولًا: قيام بعض الباحثين بتوسيع بعض بحوثه: كان هذا الكتاب كما تقدّم قد صدر سنة 1961م، وقد توفي الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى سنة 1964م، أي بعد إصداره الكتاب بثلاث سنوات، ولم يتيسر له إنجاز ما وعد به في كتابه هذا من توسيع بعض البحوث والردود.

وفي سنة 1973م قام عبد المنعم صالح العزي بإصدار كتابٍ مُفصَّل في الدفاع عن أبي هريرة رضي الله عنه، لما رأى أنَّ دفاعَ الدكتور السباعي في هذا الكتاب اتَّسم بالإيجاز وعدم الاستيعاب، كما ذكر في مقدمته[3].

ثانيًا: استمداد الباحثين منه، وذلك بأكثر من صورة:

فمن ذلك: الاستمداد من مادته التأصيلية كما فعل الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي في كتابه (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه)[4].

ومن ذلك: محاكاته في طريقته في تنظيم بعض مواد علم مصطلح الحديث التقليدية في بحثه عن جهود العلماء في مقاومة حركة الوضع، كما فعل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في رسالته (لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث)[5]، ومحمد عجاج الخطيب في كتابه (السنة قبل التدوين)[6].

ومن ذلك: الاستفادة من حججه في الرد على شبهات الخصوم من المستشرقين وأذنابهم[7]، والإقرار بسبقه في التنبيه على بعض الحجج في الردّ عليهم[8].

يقول الدكتور عدنان زرزور: (وربما كان من الملاحظ أن بعض الباحثين أفاد من ردود الأستاذ السباعي وأفكاره دون أي إحالة أو عزو، وقد ساعدهم على ذلك شيوع هذه الأفكار والردود في الكتب التعليمية، سواء منها كتب الثقافة الإسلامية أو كتب السنة ومصطلح الحديث)[9].

ثالثًا: التوصية بالرجوع إليه، مع مرور أكثر من ستين سنة على تأليفه: وهذا يدلّ على أن الثغرة التي سدها الكتاب لم يحتج إلى سدها أبناء جيله فحسب، وإنما احتاج إلى ذلك أبناء الأجيال التالية أيضًا[10].

رابعًا: اشتملت المقدمة الطويلة للكتاب في الطبعة الثانية على أخبار شخصية صارت بعد ذلك وثائق يُعتَمدُ عليه في مواضيعها:

1- فخبر سعيه في التقريب بين السنة والشيعة، وقصته مع أحد الشيعة اللبنانيين= صارا وثيقة يذكرها الباحثون لدى بحثهم في قضية التقريب بين السنة والشيعة[11].

2- وخبر لقائه بالشيخ محمد رشيد رضا بمصر قبل وفاته، وما كان منه من تراجع في موقفه من حجية السنة النبوية= صار بعد ذلك وثيقة يعتمد عليها الباحثون في تحديد موقف رشيد رضا من السنة النبوية[12].

3- وخبر لقائه بالمستشرق شاخت في هولندا، وما باحثه فيه بخصوص دعواه وضع حديث شد الرحال، هو أيضًا وثيقة اعتمد عليها بعض الباحثين[13].

4- وما جرى بينه وبين أستاذه في الأزهر علي حسن عبد القادر، وتحديثه للسباعي بوصية أحمد أمين له في كيفية تسريب آراء المستشرقين للأزهر= صارت وثيقة يعتمد عليها في تقرير الصلة بين الحداثيين والمستشرقين في التعامل مع التراث[14].

خامسًا: تسجيل ملاحظات نقدية عليه: أورد الدكتور محمد الزحيلي في مقالته «الجهود المبذولة في حجية السنة النبوية في القرن الرابع الهجري» عدة ملاحظات على الكتاب فمن أهم ما ذكره: (تخريج الحديث كان متواضعًا. قلة المراجع في التوثيق. يكتفي أحياناً بعزو الحديث لأحد كتب السنة في الصلب دون الإشارة له بالهامش، ويفعل مثل ذلك بالنقل عن كتاب ويذكر عنوانه واسم مؤلفه في الصلب، وينقل عنه ثم لا يحدد الجزء والصفحة. وردت آثار بدون عزو نهائي لها).

وبهذا نختم هذه المراجعة لكتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.



[1] الطبعة المعتمدة في العزو هي الطبعة الرابعة عن المكتب الإسلامي سنة 1985م.

[2] «الإسلاميات بين كتابات المستشرقين والباحثين المسلمين» (ص71).

[3] «دفاع عن أبي هريرة» (ص10).

[4] «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه» (ص1-2، 21-33).

[5] يلاحظ ذلك في الخطة التي بنى عليها كتابه، انظرها مختصرة في مقدمته (ص6-7)، وقد ذكر كتاب السباعي في قائمة المراجع (ص133).

[6] يلاحظ ذلك في الفصل الثاني من كتابه «السنة قبل التدوين» (ص185-293).

[7] انظر - مثلا - عزو الندوي لكتابه في مناقشة أحمد أمين والتنبيه على أخطائه في «الإسلاميات بين كتابات المستشرقين والباحثين المسلمين» (ص68).

[8] انظر «التأويل الحداثي للتراث» لإبراهيم السكران (ص199-200).

[9] «مصطفى السباعي: الداعية المُجدِّد» (ص355).

[10] انظر «أفي السنة شك؟» لأحمد يوسف السيد (ص92)، إذ ذكره في طليعة كتب المعاصرين في حجية السنة. ومحاضرة «المنهج العلمي» لمحمد إسماعيل المقدّم.

[11] انظر «وجاء دور المجوس» لمحمد سرور بن نايف زين العابدين (ص159-166)، و«مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة» لناصر القفاري (2/195-199)، ومحاضرة «الوسطية في الإسلام» لمحمد الحسن ولد الددو.

[12] انظر «آراء محمد رشيد رضا في قضايا السنة النبوية من خلال مجلة المنار» لمحمد رمضاني (ص452).

[13] انظر «التأويل الحداثي للتراث» لإبراهيم السكران (ص199-200).

[14] انظر «التأويل الحداثي للتراث» لإبراهيم السكران (ص50-51).