إنّ كل عملٍ راشد يُراد ديمومته من الفرد أو المجتمع؛ فسيكون ضَميماً في إطار منظومة من الأعمال الذهنية الفكرية التي تلازمه؛ لتنمية مسيرة نشاطه ومراقبة وتيرة اطّراده؛ والحفاظ على وجوده.

ينطبق هذا تماماً على العمل الدعوي الإصلاحي؛ فليس العمل الدعوي مجرد كلمة أو خطبة أو موعظة يُراد قولها وكفى؛ بل هو عمل قائم على فِكر مؤسسي نظامي تخطيطي يسعى به أهل العلم والدعوة لإصلاح الناس ودعوتهم.

وخلافاً لما يظنّه بعضهم؛ فإنّ دراسة المستقبل والمناسبات الدعوية الملائمة له ليس ترفاً من القول؛ ولا رجماً بالغيب، ولا انتظاراً لنبوءة نبي سيبعثه الله لأجيال قادمة؛ بل هي رؤية استشرافية تخطيطية؛ تستدعي من الشخص الوقوف بتروٍ وتؤدة؛ لدراسة ماضي الأمة، والإفادة من تجاربها ومواطن الإخفاق فيها والإحسان؛ لتحسين الإنتاج الدعوي في الوقت الحاضر؛ وزراعة البذور والجذور لخير ثمرة ونتيجة لإدراك مآلات تتأمّلها الأمّة وتعيش بها خير حياة.

لقد ذكر الله سِيَرَ أمم سابقة سادت ثم بادت؛ وطلب منا التأمل فيها، كي لا نهلك كما هلكوا، فالسعيد من وُعظ بغيره؛ فنعتبر بخبرهم ولا نكون لغيرنا موعظة؛ وحثّ ربنا – تبارك وتعالى - على السير في الأرض للتفكر في حقيقتها لكي نتعرف على صنائع الله في العباد والبلاد؛ وذكّرنا في مواطن عديدة بسُننه الإلهية والكونية إذ الخبرة بها سبيل للوعي بطريقة صناعة ما ينفع مستقبلنا الدعوي.

لقد أولت شريعتنا الغرّاء ضرورة نظر المرء في مستقبله الأخروي؛ حتّى لا يتمنّى أن يرجع للدنيا فيعمل ما كان بإمكانه أن يعمله؛ فيتذوق طعم الندم، لهذا حثّت على إحسان العمل للغدِ، كما جاء في قول ربّنا تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا اْلَذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اْلله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اْللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيُرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} سورة الحشر.

وجه الدلالة: ضرورة النظر لما سيقدّمه المرء في غده ومستقبله، مع أهمية ربط ذلك بتقوى الله تعالى وأنّه خبير مُطلّع على نوايانا الباطنة وأعمالنا الظاهرة.

إنّ المسلمين يعلمون أنّ الله تعالى مُتكفّل برزق أولادهم حتّى وإن ماتوا، إلاّ أنّ النصّ القرآني قد حثّهم على تقوى الله وحُسن العهد بوصاياهم؛ وعدم ترك أولادهم جوعى يتكفّفون الناس؛ فأكّد القرآن على حفظ حقوق الأولاد، بتأمين عيشهم المستقبلي؛ ليستغنوا عن الناس فقال تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله} وفي هذه الآية معنىُ مؤكّد لضرورة الاهتمام بالمستقبل.

وحين علم يوسف ما سيُدرك مصر من جوائح ذات جفاف وقحط؛ أدركها يوسف عليه الصلاة والسلام بحسن خطّته في الاقتصاد المالي لعدم استغلال جميع الثروة الأرضية؛ بل الاحتفاظ ببعضها لاستغلاله في أوقات الشدّة؛ فقد حكى الله لقوم مصر: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} سورة يوسف.

وفي كتاب الله إخبار بأشياء ستحصل في قابل الزمن؛ حكى الله فيها طريقة أقوال المغرضين والمعرضين عن الدين في التعامل مع ما يُنزله من أحكام؛ وبيّن طريقة الحديث معهم وطريقته فقال: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قل لله المشرق والمغرب (142)} سورة البقرة.

قال الزمخشري: فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشدّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع؛ لما يتقدّمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم"(1)

وهذه فائدة دراسة ما يستجد من أمور؛ وما يتوقع من أحداث أن يعرف المرء كيفية التعامل معها ويتطرق لإيجاد الحلول، ويفترض عدّة إشكاليات قد تواجهها؛ ثم يفترض عدّة بدائل ومخارج لتجاوز الأزمات.

وروى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أنّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)(2)

وجه الدلالة: الحث على العمل الصالح ولو كان ذلك على سبيل الزرع؛ كي لا يدع المؤمن العمل؛ ويركن إلى الدعة والراحة؛ وفيه كذلك السعي لاكتساب الرزق ولو رأى المرء قيام الساعة فلعل ما ظنّه من قيام الساعة ليس كذلك فيبعد الوهم بالعمل.

وفي الحديث: عمل الخير للغير حتّى لو لم يرد المرء الثمرة بيده فقد يكون المراد بقيام الساعة في هذا الحديث مُقدّماتها لغيرها فيعيش الناس مدّة قصيرة، وهو ما يُفسّره المناوي رحمه الله : حين قال: (أَرَادَ بِقِيَام السَّاعَة أماراتها بِدَلِيل حَدِيث: " إِذا سمع أحدكُم بالدجال وَفِي يَده فسيلة فليغرسها فَإِن للنَّاس عَيْشًا بعد" ومقصوده الأمر بالغرس لمن يَجِيء بعد، وَإِن ظَهرت الأشراط وَلم يبْق من الدُّنْيَا إِلَّا الْقَلِيل)(3)

وكان صلى الله عليه وسلم يهيئ الصحابة نفسياً ومعنوياً لقبول الهجرة من مكّة وقتما كان صحابته الكرام يعيشون في حالة ضعف؛ فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ : إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ)(4)

وحين كثر عدد المسلمين وظنُّوا أنّ ذلك لن يُقرّبهم من مدلهمات الأمور؛ وضحّ لهم ضرورة الانتباه لما قد يجري من ابتلاءات فقد روى حُذَيْفَةَ بن اليمان قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ قَالَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِائَةٍ إِلَى السَّبْعِ مِائَةٍ قَالَ إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا قَالَ فَابْتُلِيَنَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا .(5)

وذكر صلى الله عليه وسلم أنّه سيكون في زمن قادم أشياء غريبة على معارفهم وفكرهم؛ فهيّأ أنفس الناس لكيفية التعامل معها؛ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (لا تقوم الساعة حتى يُحْسَر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه ، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ، فيقول كل رجل منهم : لعلي أكون أنا أنجو"(6)

وهو منهج تبنّاه الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – وقد كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنّه يرى صحابة رسول الله يسألونه دوماً عن قضايا الخير وكيفية التعامل فيها؛ إلاّ أنّه كان يسأله صلى الله عليه وسلم عن التعامل مع الشدائد والأزمات والصعوبات وشرور الأشياء لكي يتوقاها؛ فقال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)(7)

ربما يفترض المرء وقوع أشياء فلا تقع؛ وقد يقيس شيئاً على شيء يُتوقع حدوثه مع مرور الزمن فلا يقع؛ وهذا كله ليس رجماً بالغيب ولا تخرصاً؛ فالحديث في المستقبليات عمليات إجرائيّة؛ من عدّة نقاط:

1.    وقاية وحياطة لما قد يفجأنا من حوادث لنأمن مخاطرها.

2.    صناعة برامج عملية من خلال دراسة نواميس الكون، ونظام الأسباب والمسببات، وما يمكن إفادته في المستقبل.

3.    العناية بما يستجدّ في الحاضر وما يُمكن أن يلقي بظلاله وآثاره في وقت مستقبلي قريب أو بعيد فتحضر لأجله أدوات التخطيط.

وتبقى جميعهاً تحفّها قصور في النظر والفكر؛ لأنّ الغيب من علم الله الذي لا يُطلعه لأي أحد من البشر؛ غير أنّ ما يجري دراسته مما يفيدنا في المستقبل ما هي إلاّ سُبُلٌ بشرية ذات قيام بالأسباب لا يُجزم بها ولا يُقطع بوجودها وإن كان يُظنّ قيامها؛ ولهذا يقول الإمام ابن حجر في الفتح "إن لبعض الغيوب أسبابًا قد يُستَدلُّ بها عليها، لكن ليس ذلك حقيقيًّا"(8)

العمل للمستقبل بين حرص الغرب في مؤسساتهم وتقصير دعاة الإسلام في مراكزهم

من يبحث في موضوع الاستشراف المستقبلي والأصول الشرعية التي تدعمه، يكتشف أنّ واقعنا الإسلامي بعامّة والعربي بخاصّة من أضعف ما يكون اهتماماً بجوانبه؛ في المقابل نرى أنّ الأمم الأخرى تهتم اهتماماً بالغاً في مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في المستقبليات.

حَسْبنا معرفة أنّ مكتبة الكونجرس الأمريكي حتى عام 1984م ضمّت قرابة (15) ألف دراسة حول المستقبل، بل إنّ مجموعة المقررات الدراسية المتخصصة في دراسة المستقبل في المدارس والجامعات الأمريكية؛ ما يُقارب (415) مقرراً دراسياً(9).

وبلغت مؤسسات دراسات المستقبل في أمريكا حتى عام 2012م قرابة (600) مؤسسة، كما أنّ في دولة السويد حقيبة وزارية في حكومتها للاهتمام باستشراف المستقبل منذ عام 1973م(10)

ليس الأمر لكونهم أفضل خبرة ومهارة وجدارة في البحث بالمستقبل وأكثر ذكاء؛ فأمّتنا لا تعقم عن ولادة الخبراء والحكماء في إطار التفكير؛ ولا في القيام بواجب البحث في المستقبل؛ فكثير من خبراءهم عرب ومسلمون؛ لكنّ واقعنا العربي لا يوظف أجواءً مناسبة للخدمة على أرض الوطن من ذوي الطاقات العلمية المتخصصة في الدراسات المستقبلية مع أنّ طابعها مادي تقني؛ فيما تحتضنهم الدول المتقدمة.

فإذا ما التفتنا للدراسات المستقبلية فيما لها صِلة بالقضايا الشرعية، ومتعلقاتها بالفقه الافتراضي، ودراسة المآلات، وفقه التوقع، ومآلات الأحوال؛ فإنها ستكشف مدى الضعف الذي نحياه في واقعنا الشرعي؛ وأشدّ ضعفاً منه العمل المدروس المنتظم في الوقائع الدعوية ودراسة الجوانب المحيطة بها...

وهذا يؤكد حاجتنا الماسّة لصناعة البدائل، والتفكير بالخروج من الأزمات والعقبات بإيجاد مخارج وحلول؛ بدلاً من شجبها وإدانتها فحسب، والقيام بعبادة التفكر فيما يخدم الأمة مستقبلاً في قضاياها الدعوية، وإطلاق عنان التخيّل والإبداع الفكري في صناعة المنظورات الدعوية التي نسعى لإيجادها في العالم.

أكثرنا إذا قرأ آية: {ليظهره على الدين كله} أو حديث: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار) يفهم منهما البشرى؛ مع أنّهما تحملان معنى الذكرى؛ لأجل العمل لما نخدم به ديننا وأمّتنا !

حين نصل لحقيقة ارتباط مدى العلاقة الزمانية بالمستقبل؛ بدراسة الماضي؛ لاستنتاج العِبر، وأخذ الخبرات؛ ومحاولة صناعة حاضرٍ سعيد لمستقبل أفضل، سندرك معنى حقيقة التنبؤ الصحيح للمستقبل؛ ذلك أنّ المجتمعات ستذهب إليه، ويُمضون بقيّة وقتهم فيه.

كثير من الناس يظنون أنّ التنبؤ للمستقبل يكون بالتوقع المبني على الأوهام والظنون والتخرصات، وتفوتهم معرفة أنّ المستقبليات علم متكامل بحدّ ذاته؛ يحتاجه المستبصر للمستقبل بحسن التخطيط له ومهارة العمل على إنجاح صناعة الأجواء المُقتدر عليها إنسانياً، مع إيكال ما جهله لربّه؛ غير أنّه في محاولة دراسة الأسباب والمسببات؛ يُفتّش ويُنقّب عن كل ما يؤدي بإيصال البشائر ومنع المخاطر؛ عن طريق تحسين القرارات، والوقاية من الأزمات التي تعترضهم؛ فسيصل لنتيجة تقوده بالعلم الرشيد الذي يقود لعمل سديد.

تتمثّل المشكلة في واقعنا الدعوي وتدلّ عليه جملة من الوقائع: أنّ كثيراً من الدعاة يعيش في جلباب الماضي؛ ويتحدث في جدلياته ؛ وليس مرادنا هنا بالماضي الحديثَ عن تراثنا الإسلامي الأصيل من الكتاب والسنة وعمل الصحابة؛ بل حديثنا عن بعض المواقف التي لا ينبغي أن نُكثر من الحديث عنها كما في سرديات مواقف الفتنة بين الصحابة، أو العيش بتفاصيل مسألة محنة القول بخلق القرآن، أو قراءة جميع تجليّات دقائق المسائل التي وقعت بها الفرق المتهالكة المنحرفة؛ - وهذا لا يعني عدم معرفة الحق في ذلك-  مع تقصيرنا في فهم كثير من دقائق حياتنا المُعاصرة؛ بل فهم كثير من الفِرَق والمعتقدات؛ فيلجأ بعضنا للتركيز في قضايا خلت أو سبقت؛ والله تعالى يقول:(تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عنّا كانوا يعملون)؛ وليتهم استفادوا منها لمعالجة مشكلات العصر؛ بل بدوام البقاء في تاريخيّة تلك الأحداث؛ فلا يستفيدون من قديم ما مضى العبرة للحاضر والمستقبل.

كثير من الناس يُنادي ببعث الماضي ليهرب من الحديث عن واجبه في الحاضر والمستقبل، ويكون أسير ماضيه بكل تجلّياته حتّى في مواقفه مع الناس، وحتّى في معرفته لكثير من الفرق الماضية الضالة، فيما هو لا يعرف كثيراً من تفصيلات الفرق والمذاهب والأفكار الحادثة ويُحسن جدالها؛ وقد يُبرّر انشغاله أنّه كلٌ ميسّر لما خُلق له؛ وأنّه هنالك من هو مهتم بالواقع..

والحقيقة أنّ هذا ضرب من الخطأ في التفكير؛ فإنّ الاهتمام بالماضي لنتخذ منه عبرة وعظة، وللاستفادة من تجاربه للعيش بحاضر مجيد ومستقبل فريد، ودراسة حوادث الزمان، ووقائع الأيام، ومن خلاله ذلك نعرف أسباب الخير والشر؛ فهو أمرٌ ممدوح محمود؛ ولا غرو أن يكون كتاب الله فيه الكثير من الحديث عن الأمم السابقة لاستفادتنا في دراسة واقعنا؛ ولكيلا يندهش الشخص مما يحصل من عجائب في الحاضر وغرائب في المستقبل.

إنّ دراسة الواقع الحالي وما يُفيد من مستقبل دعوي، في ظل الانفتاح العالمي يدعونا لكي نُحسن التجارب والوقائع التي نعيشها ونحياها؛ ولا نقتصر على الأقوال بل نتلوها بالفعال؛ ونعالج كل ضيق بالأمر الدقيق والتفكير الحقيق، ورحم الله سفيان بن عيينة الذي أعطى ومضة مضيئة لكل ناظر في كلام الرجال فقال: "لا تنظروا إلى عقل الرجل في كلامه ولكن انظروا إلى عقله في مخارج أموره"([11)

لئن كانت الرؤيا الصالحة تكشف للعبد الصالح والصادق كثيراً من دقائق القوادم في الحوادث المستقبلية؛ وحُسن فراسة المؤمن وقدرته على التوسم في أوجه الناس ووجه المستقبل، فإنّه مما يلحق بها وهو الأهم كونه من فعل الأسباب القدر على البحث في عالم المستقبليات واستشرافها ومحاولة العمل الارتيادي؛ لكشف جميع الخطط المناسبة للعمل لمستقبل مُشرق من خلال أدوات الحاضر؛ والإبداع في مناطات التفكير للخروج الدعوي من عالم الأزمة التي تحكم الأًمَّة إلى عالم قوة الحكمة؛ ذلك كله سيبعث الأمل لغدٍ مُشرق بإذن الله.

 

·        الهوامش:

1.    الكشاف للزمخشري: ( 1 / 337).

2.    أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (479) بسند حسن.

3.    التيسير بشرح الجامع الصغير"، المُناوي: (1/ 372) ، ولعلّ ما يُمكن الاستدلال له على قول المُناوي: ما أخرجه البخاري في الأدب المُفرد (ص 168) عن داود بن أبى داود قال : "قال لي عبد الله بن سلام : إن سمعت بالدجال قد خرج وأنت على وَدِيَّة تغرسها، فلا تعجل أن تصلحها ؛ فإن للناس بعد ذلك عيشا"

4.    أخرجه البخاري في صحيحه (3906).

5.    أخرجه مسلم : (149).

6.    أخرجه البخاري :(7119)، ومسلم : (2894).

7.    أخرجه البخاري : (6637).

8.    فتح الباري" ، ابن حجر: (13/365).

9. الدراسات المستقبلية في مطلع القرن الحادي والعشرين : إطار نظري، مجلة قضايا سياسية ، العددان (19 – 20).

10.  مدخل إلى التنمية المتكاملة : رؤية إسلامية ، د. عبد الكريم بكار، ص155

11. مجموعة رسائل ابن أبي الدنيا (1/ 23).